نتجه فى هذا المقال، نحو السرد الدقيق لموقف النقابة العامة للمحامين، منذ نشر مشروع قانون الإجراءات الجنائية. فى محاولة منا لتحليل وفهم التحول من موقف الرفض التام لمشروع القانون وصولًا إلى التأييد الكامل لفلسفة مشروع القانون، ثم نختتم بعدة تساؤلات حول النتيجة التي وصل إليها نقيب المحامين خلال تفاوضه ومناقشته مع لجنة الشئون الدستورية والتشريعية بمجلس النواب.
نُشرت النسخة الأولى من مشروع قانون الإجراءات الجنائية في أغسطس 2024 وهى النسخة المنسوبة إلى اللجنة المنبثقة عن لجنة الشئون الدستورية والتشريعية بمجلس النواب، وبمجرد نشر النسخة لم يطل الوقت حتى انتفض المجتمع القانوني والحقوقي وكذلك النقابات المختلفة وعلى رأسها نقابة الصحفيين، وأبدوا اعتراضهم الشديد على فلسفة مشروع القانون على أسس أنها فلسفة واهية وعاصفة بالحقوق والحريات الدستورية.
الموقف الأول لمجلس نقابة المحامين والنقباء الفرعيين:
نبدأ من البيان الأول لنقابة المحامين الصادر في 26/8/2024 تناولت فيه نقابة المحامين عشرة نقاط رئيسية تنتقد فيها فلسفة مشروع قانون الإجراءات الجنائية ونلخصها في الأتي:
(لم يورد مشروع القانون أي تعديلات تأكد على كفالة حق الدفاع بالوكالة المقررة دستوريًا/حرمان المحامي من الحصول على صورة من الأوراق بذريعة الضرورة والاستعجال وغيرها من الذرائع التي لا ضابط لها، ندب مأموري الضبط القضائي لمباشرة إجراءات التحقيق ومنها استجواب المتهم في بعض الحالات، اقتصار حق الطعن على الأحكام الجنائية على النيابة العامة وحرمان المجني عليه والمدعي بالحق المدني من ذلك الحق، منع الحق لعضو النيابة العامة بمنع المحامي من الكلام، إعاقة عمل المحامي بذريعة الإخلال بنظام الجلسة، الاعتماد على شهادة شخص ويصدر الحكم متساندا عليه بوصفه دليلا في الدعوى، إعلان المتهم بوسائل الاتصال الحديثة وبما لا يتناسب مع الواقع العملي وما يحدث من تلاعب في إعلان المتهم لحرمانه من العلم بتاريخ الجلسة)
لم تكتف نقابة المحامين في بيانها بهذه الاعتراضات بل أكدت على أنه هناك المزيد من المواد التي تحمل عوارًا دستوريًا، وستتقدم النقابة بمذكرة تفصيلية بالنصوص المعترض عليها وما شابها من مخالفات دستورية، لكى تسلمها رسميا إلى مجلس النواب، كما طالبت نقابة المحامين مجلس النواب عرض مشروع القانون على مجلس الشيوخ لمزيد من المناقشة، فتح كافة قنوات التواصل مع كافة الجهات المعنية لإجراء الحوار المجتمعي حول مشروع القانون، اعتبار مجلس النقابة العامة والنقباء الفرعيين في حالة انعقاد دائم لمتابعة الموقف واتخاذ ما يلزم من قرارات.

وفى27 أغسطس الماضي، كانت النقابة قد سلمت مذكرة المواد المعترض عليها إلى الأمانة العامة لمجلس النواب، ومن هنا أدركت اللجنة النوعية المنبثقة من لجنة الشئون الدستورية والتشريعية بمجلس النواب أنها قد ارتكبت خطأ جسيم وهو عدم إجراء حوار مجتمعي فعال قبل نشر نسخة مشروع قانون الإجراءات الجنائية فضلًا عن عدم المشاركة الفعالة لنقابة المحامين، لذا تداركت سريعًا لجنة الشئون الدستورية و التشريعية خطأ اللجنة المنبثقة وأرسلت اللجنة خطابا رسميا إلى النقيب العام للمحامين في 27 سبتمبر، تدعوه للحضور بشخصه إلى مجلس النواب أيام 1، 2، 3 سبتمبر لمناقشة تعديلات مشروع قانون الإجراءات الجنائية.
نشرت النقابة العامة للمحامين بيان في 4 سبتمبر، استعراض لأهم ما تم مناقشته بين النقيب العام وأعضاء اللجنة المشار إليها في الثلاثة أيام المذكورة، وانتهى البيان بأن اللجنة أبدت تفهمها لوجهة النظر المقدمة من النقابة، ووافقت على بعض مقترحاتها مباشرة وأرجأت البعض الآخر لحين المزيد من الحوار، وانتهت اللجنة إلى مد أجل المناقشات للوصول إلى تفاهمات فيما لم يتم الاتفاق عليه وحددت 11 سبتمبر لاستكمال المناقشات.
أما لجنة الشئون الدستورية والتشريعية قد أصدرت بيانًا متزامنًا مع بيان نقابة المحامين وأعلنت موافقتها على تعديل بعض المواد أبرزها (15/ 72/ 105/ 274) وأرجأت اللجنة باقي المواد لحين توافق النقابة عليها مع مجلس القضاء الأعلى والنيابة العامة ونادي القضاة.
حاولنا أن نحصل على مذكرة نقابة المحامين ولكن الغريب أن النقابة اعتبرتها مذكرة سرية غير مسموح نشرها، وهو ما يثير التساؤلات حول شفافية موقف مجلس نقابة المحامين وعلى رأسه النقيب العام.
ذكر النقيب العام السيد عبد الحليم علام في لقاء تلفزيوني مع الإعلامي شريف عامر في 14 سبتمبر الماضي أن مذكرة النقابة قد شملت 21 مادة تختص بثلاثة محاور (مواد تخص المحامين أنفسهم/ مواد تخص حقوق الدفاع/ مواد تخص الحقوق والحريات العامة للمواطنين) وبالرغم من أن النقيب العام قد تعهد في الحوار المشار إليه بنشر المذكرة التي أرسلتها نقابة المحامين إلى الأمانة العامة لمجلس النواب حتى تكون متاحة لجموع المحامين، إلا أن النقابة العامة لم تنشر هذه المذكرة كما ذكرنا بعاليه.
ومن خلال هذا اللقاء استطعنا أن نرصد عدد ثمانية عشر مادة قد ذكرهم النقيب العام في ذات اللقاء التليفزيوني.
(15/ 25/ 69/ 72/ 73/ 242/ 104/ 105/ 368/ 372/ 378/ 401/ 408/ 419/ 420/ 421)
بالإضافة إلى المادتين (143/144) تم تأجيلهم للجلسة العامة لما فيهم من تفاصيل خطيرة على الحقوق والحريات العامة وذلك وفقا لما جاء على لسان الأستاذ محمود الداخلي الذي أكد في لقاء تلفزيوني مع المحامي والإعلامي أيمن عطا الله في 8 سبتمبر، أنه كان هناك اعتراضات على مواد كثيره تتعلق بحقوق الدفاع والحريات العامة أثناء المناقشات داخل اللجنة المنبثقة عن لجنة الشئون الدستورية والذي كان يحضرها ممثلا عن نقابة المحامين، وحين سأله مذيع البرنامج ما هي ردة فعلك على تلك المواد قال نصا " كنت أذهب إلى النقيب العام وأخبره بتلك المواد، وكان يطالبني بالتمسك باعتراضي وعدم التنازل عنه"
هل تناسب ردة فعل نقابة المحامين مع حدث مثل تشريع قانون إجراءات جنائية جديد؟
من حيث الشكل: فعدد المواد التي اعترضت عليها نقابة المحامين كانت (21) مادة وهو أقل من نسبة نصف عدد المواد التي اعترضت عليها نقابة الصحفيين (45) مادة. أو من حيث المذكرات المرسلة من مجموعات حقوقية ومهنية، منها مذكرة "نحو قانون عادل للإجراءات الجنائية" تناولت بالتعديل (184) مادة من إجمالي عدد مواد مشروع القانون البالغة (540) مادة.

أما من حيث الموضوع: فقد جاءت المواد المتعلقة بشأن الحقوق والحريات العامة أرقام (15/ 25/ 69/ 368/ 378/ 401) تختص بالترتيب ـــ تصدي المحكمة للجرائم خارج الجلسة، منح الضبطية القضائية لفئات غير ضباط الشرطة، منح النيابة العامة صلاحية إجراء مباشرة إجراءات التحقيق في غيبة الخصوم، حرمان المحكوم عليهم غيابيا من التصرف في أموالهم، صلاحية استئناف النيابة العامة للأحكام الغيابية ـــ أما المواد (372/ 408/ 419/ 420/ 421) فقد قدمتهم النقابة لتعديل الصياغة وضبطها، كذلك المادة رقم (242) بشأن حماية المحامين أثناء ممارسة عملهم، وأخيرا المواد الخاصة بكفالة حق الدفاع (72/ 73/ 104/ 105) بشأن ـــ جواز أن تمنع النيابة وكيل الخصم أن يتكلم، الحق في الحصول على صورة من الأوراق، حظر استجواب المتهم إلا في حضور محاميه، الاطلاع على الأوراق قبل التحقيق.
هل وافقت لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية على مقترحات نقابة المحامين؟
فيما يخص حماية المحامين من جرائم الجلسات (242) وحقوق الدفاع (72/ 105) فقد وافقت اللجنة على تعديلها، فيما أوردت اللجنة تعديل شكلي على المادة (73) وهو ما يعتبر البعض نجاح لنقابة المحامين فيما يخص ذلك المحور ــ حماية المحامين والتأكيد على حقوق الدفاع ــ خاصة بعد اعتراضات نادى القضاة على تعديل المادة رقم (242) ورفضه الواضح لرأي نقابة المحامين.
أما فيما يخص الحقوق والحريات العامة فقد وافقت اللجنة على تعديل مادة واحدة فقط وهى رقم (15) الخاصة بتصدي المحكمة للجرائم خارج الجلسات فيما رفضت اللجنة جميع اعتراضات النقابة في باقي المواد المذكور، وهو ما يعتبر فشلا كبيرا في تفاوض النقابة مع مجلس النواب فيما يخص هذا المحور.
هل حصل نقيب المحامين على ما أعلنته النقابة العامة في بيانها الأول؟
يقتنع عدد لا بأس به من المحامين بوجهة نظر أن النقيب العام قد أنجز مهمته بنجاح، مستندين في ذلك على تمكن النقيب من فرض رأيه بضرورة حماية المحامين من جرائم الجلسات، كذلك فيما يخص منع وكيل الخصوم من الكلام، أما باقي المواد فهذا دور المجتمع المدني من أحزاب سياسية وحقوقيين.

يقابلها وجهة نظر أخرى أن نقيب المحامين قد فرط في الحقوق والحريات العامة ولم يدخل هذه المعركة من الأساس، وركز فقط على بعض المواد التي تأكد على حماية المحامين فقط، دون تناول مواد أخرى لا تقل جسامة وخطورة مثل حضور المحامي أجراءات تجديد الحبس عن بعد من مكان محبس المتهم وهو أمر قتل بحثا، يعرض المحامي للخطر الدائم أثناء تواجده داخل مقار شرطية ــ أقسام شرطة، أو مراكز إصلاح وتأهيل.
لماذا تغير موقف النقيب العام للمحامين من موقف الأشد هجوما على فلسفة مشروع القانون إلى موقف المدافع عن فلسفة مشروع القانون؟
بلا شك أن الموقف المبدئي لنقابة المحامين واستعراضها في بيان 26/8/2024 لعشرة نقاط كأسباب موضوعية لرفض مشروع قانون الإجراءات الجنائية، كان له صدي واسع في جميع أوساط المجتمع خاصة وأن أغلب هذه الاعتراضات يدور حول الحقوق والحريات العامة، ولكن بالنظر إلى الموقف النهائي للجنة الشئون الدستورية والتشريعية والصادر من خلال تقريرها النهائي بمشاركة مكتب لجنة حقوق الإنسان في 30/10/2024 فإن مشروع القانون النهائي لا يختلف كثيرا عن ما جاء به في نسخته المنشورة في أغسطس 2024 وهي النسخة التي عارضها مجلس النقابة وأصدر بشأنها بيانا من عشرة نقاط.
كما أن التعديلات الواردة على هذه النسخة النهائية لا تختلف كثيرا عن ما جاء في بيان لجنة الشئون الدستورية والتشريعية 4/9/2024 باستثناء المادة (242) مما يعني أن مذكرة نقابة المحامين لم يتم الأخذ بها إلا في (7) مواد من أصل (21)
هل كان ذلك كافيًا حتى يتحول موقف النقيب إلى المدافع عن فلسفة مشروع القانون؟
أخمدت الأنشطة المتعلقة بمناقشة مشروع قانون الإجراءات الجنائية والمنظمة بمعرفة نقابة المحامين، في ذات الفترة تقريبا أرسل المقررين الخواص بالأمم المتحدة خطاب رسمي لرئيس الجمهورية يعربون عن مخاوفهم بشأن مشروع قانون الإجراءات الجنائية، أما نقابة الصحفيين لم تكتف بإعداد مذكرة بأهم الاعتراضات ولكن نشرت مذكرة تعقيبا على تعقيب لجنة الشئون الدستورية والتشريعية في أجواء من الشفافية وإقامة حوار مجتمعي فعال.
كما سلك المجتمع المدني من حقوقيين وسياسيين طريقهم نحو إقامة حوار مجتمعي فعال بما يعزز إجراءات المحاكمة العادلة وأرسلت مجموعات من هؤلاء تعديلاتها إلى مجلس النواب والمؤسسات المعنية الأخرى ومنهم من قدم مشروع كاملا بما يتوافق مع مبادي ومعايير حقوق الإنسان وقدموا مشروعا بمقترح تعديلات أكثر من (184) مادة في مذكرة بعنوان نحو قانون عادل للإجرءات الجنائية.

وهنا ما يؤخذ على نقيب المحامين أنه لم يسمح حتى الآن بنشر المذكرة المرسلة لمجس النواب مما يحقق للأسف عدم الشفافية في موقف النقيب العام كما يغذي الصورة الذهنية أن مجلس النقابة العامة فرط فيما أورده من نقاط عشرة في بيان 26/8/2024 بل إن المجلس تنازل عن دوره في منع مشروع قانون الإجراءات الجنائية أن يصل إلى الجلسة العامة لمناقشته بهذه الصورة التي لم تختلف كثيرا عن الصورة الأولى لنشره.
تجاهل النقيب العام عرض رأي مذكرة النقابة في الحلقة المشار إليها 14/9/2024 فيما يخص المواد التي تمنح النيابة العامة حق التحفظ على الأموال والمنع من السفر، وذكر أنه قد أجلت المناقشة فيها إلى الجلسة العامة لما في تلك المادتين من خطورة المساس بالحقوق الدستورية وللجلسة العامة القول الفصل فيهما.
ذكر النقيب أنه هناك اتفاقًا على نشر مذكرة الاعتراضات الخاصة بنقابة المحامين بعد التقرير النهائي للجنة الشئون الدستورية والتشريعية، إلا أنها لم تُنشر حتى تاريخه.
وفى رأينا الخاص أن نقيب المحامين قد نجح في الحصول على أكبر قدر ممكن من حماية المحامي خاصة وأن نادي القضاة كان له موقف متشدد في ذات السياق، إلا أنه فرط تفريطا لن يغفره له التاريخ في التمسك بالحقوق والحريات العامة، خاصة وأن مشروع القانون موصوم منذ نشره بعدم الدستورية وطاله رأى أغلب الفقهاء أنه مشروع القانون بصورته الحالية يخالف مبادئ حقوق الإنسان.
كما تحدث نقيب المحامين وأكد "أن مجلس النواب قد استمع لكل الأراء، وفى النهاية هو من يملك سلطة التشريع" وهو أمر ظاهره صحيح ولكن في باطنه يحتاج إلى مزيد من التأني لأن مشروع قانون يتعلق بالإجراءات الجنائية هو يمس الحقوق والحريات الدستورية للمواطنين وهي سابقة على وجود مجلس النواب بل هي الأساس الذي يستمد منه شرعيته.