الجمعة, يناير 16, 2026
spot_img

معاشات ذوات الإعاقة.. حق مشروع منزوع الأهلية

“طالبنا بتطبيق الحق القانوني في الجمع بين معاشين أو بين المعاش والراتب، كما ينصّ القانون، لكن الردّ كان صادمًا: هذا الحق مخصّص للرجال فقط أو للنساء غير المتزوجات!”؛ تقول هناء رجب، من القاهرة، لـ”فكّر تاني”.

هناء رجب
هناء رجب

هناء، من ذوي الإعاقة الحركية، تقدمت بدعوى قضائية، بالتعاون مع مجموعة من النساء من محافظات مختلفة يتقاسمن أتعاب المحامي بدلًا من تحمّل كل واحدة تكلفة رفع قضية منفردة. “لكن للأسف، تم رفض القضية بسبب اختلاف المحافظات، رغم أن مطلبنا واحد، وهو حقّنا القانوني في الجمع بين معاشات الأب أو الأم.. نحن نواجه تحديات يومية كبيرة، من بينها صعوبة الحصول على مواصلات تناسب إعاقتنا“.

في 2018، شعرت هناء بقليل من أمل بعد صدور قانون الإعاقة: “قلنا، أخيرًا فيه أمل، حقوقنا الآن تحت حماية القانون.. القانون بالفعل جيد، لكنه يظل حبرًا على ورق دون تطبيق فعلي”.

بعد رفض القضية، صرحت وزيرة التضامن السابقة الدكتورة نيفين القباج بأنها تدرس المشكلة وعقدت اجتماعات لحلها، دون أن يتحقق أي شيء. وفي عام 2022، خلال احتفالية “قادرون باختلاف”، وجه رئيس الجمهورية تعليمات مباشرة للوزيرة -على الهواء- بحل هذه المشكلة. “وقتها اعتقدنا أن الحل قريب دون الحاجة لرفع قضايا جديدة بتكاليف جديدة، لكن رغم مرور عامين على ذلك التوجيه، ما يزال الوضع كما هو، ولم يحدث أي تغيير!”؛ بحسب هناء رجب.

النصوص القانونية في مواجهة الواقع المُعاش

“بتقابلنا مشاكل كتير، وكان عندنا أمل كبير إننا ناخد المعاش ده عشان يساعدنا في احتياجاتنا الأساسية”؛ تستكمل هناء حديثها عن معاناتها المستمرة بسبب عدم تطبيق حق الجمع بين معاشين أو بين المعاش والراتب، كما نصّت المادة 25 من القانون.

توضح هناء أن ارتفاع أسعار الأجهزة التعويضية، إلى جانب التكاليف المرتفعة للعلاج المستمر والجلسات العلاجية ومراجعات الأطباء، يشكّل عبئًا ثقيلًا على النساء اللواتي يواجهن وضعًا مشابهًا. وتضيف: “بنعاني في استخدام المواصلات العامة وباضطر للجوء إلى وسائل النقل الخاصة رغم تكلفتها الباهظة، وعشان كده الحصول على الحق ده مش رفاهية ده ضرورة مُلحّة”.

تنص الفقرة الثانية من المادة 25 من قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم 10 لعام 2018، على حق الأشخاص ذوي الإعاقة في الجمع بين معاشين، سواء عن أنفسهم أو الزوج أو الزوجة أو الوالدين أو الأخوة أو الأخوات، دون حد أقصى، بالإضافة إلى حقهم في الجمع بين المعاش وأجر العمل.

ورغم هذا النص الواضح، لا يزال التطبيق على أرض الواقع غائبًا، ما يحرم فئة كبيرة من ذوي الإعاقة من هذا الحق الأساسي.

اقرأ أيضًا: أوضاع الأشخاص ذوي الإعاقة بين الاغتراب والدمج

وتحتفل الأمم المتحدة في 3 ديسمبر من كل عام منذ عام 1992 باليوم العالمي للأشخاص ذوي الإعاقة، بهدف تعزيز الوعي المجتمعي بحقوقهم وإدماجهم في مختلف جوانب الحياة. ويتزامن هذا اليوم مع حملة الـ16 يومًا لمناهضة العنف ضد المرأة، مما يفتح باب التساؤلات حول الحقوق المهملة للنساء ذوات الإعاقة، خاصة في ظل التحديات التي تواجههنّ للحصول على حقوقهن الأساسية في التعليم، العمل، والتنقل، بالإضافة إلى الحماية من العنف والتمييز.

فما الذي يمنع تطبيق قانون وُضِع حماية لحقوقهن؟ ولماذا يظل ذوي الإعاقة، خاصة النساء، في مواجهة تحديات يومية للحصول على حاجاتهن الأساسية؟

في ظل تعقيد الإجراءات وتعطيل الحقوق، تروي منال (اسم مستعار) لـ فكّر تاني تجربتها وتجارب نساء أخريات، حيث حُرمن من حقهن القانوني في الجمع بين معاشين كما نص عليه القانون. تستعيد منال ذكريات بدايات السعي وراء هذا الحق قائلة: “لما رفعنا القضية، كان القانون في مراحله الأولى بعد إقراره ولائحته التنفيذية، وكان عندنا أمل كبير أن يتم تنفيذه بشكل عادل، دون تفرقة بين الجنسين. كنا نطمح في الحصول على حكم لصالحنا يمكّننا من ممارسة حقنا في الجمع بين معاشين أو بين المعاش والراتب، كما هو متاح للرجال”.

ورفعت مجموعة من ثماني سيدات من محافظات مختلفة قضية واحدة في يونيو 2021، طالبن فيها بمساواتهن مع الرجال، في الجمع بين معاشين أو معاش ومرتب، تطبيقًا للقانون، وفكرن في ذلك توفيرًا لتكاليف التقاضي، ولكن تم رفض القضية بسبب رفعها من أكثر من محافظة. ولاحقًا، زادت التعقيدات، خاصة الإجراءات المرتبطة باستخراج بطاقة إثبات الإعاقة والخدمات المتكاملة.

“كارت الخدمات المتكاملة هو البوابة الرئيسية لحصولنا على حقوقنا بموجب القانون”؛ تقول منال، مشيرةً إلى أنها كانت من أوائل الذين حصلوا على الكارت في عام 2019. ومع ذلك، ترى أن قرار الوزارة بتجديد الكارت كل 5 سنوات بنفس إجراءات استخراج البطاقة لأول مرة هو قرار “غير مفهوم وغير منطقي”، خاصة بالنسبة للإعاقات الثابتة مثل الإعاقات الحركية، والبصرية، والسمعية، والذهنية.

كارت الخدمات المتكاملة بموجب القانون رقم 10  لسنة 2018 يُعد  البوابة الرئيسية للحصول على الحقوق المدرجة بالقانون، منها: الحق فى العمل ضمن نسبة 5%، والتقديم على السكن، والدمج التعليمي، والتقديم للحصول على السيارة المجهزة، والتخفيض بالمواصلات العامة… إلخ.

حاولت منال تجديد رخصة سيارتها المجهزة، إلا أنها لم تتمكن من ذلك لأن بطاقة الخدمات المتكاملة لم تكن قد جُددت بعد. أثناء محاولة التجديد، فوجئت بأن الإجراءات كانت مماثلة لما قامت به منذ خمس سنوات، حيث طلب منها إجراء رسم أعصاب في مستشفى خاص مختلف عن المستشفى الذي أجرت فيه الكشف العام، مما زاد من التكاليف والجهد.

وأكدت منال أنه بعد إتمام الإجراءات، قيل لها إن البطاقة ستُستخرج خلال شهرين، لكن ذلك لم يحدث. وفي بداية هذا العام، اضطرت إلى إعادة الإجراءات بالكامل وإجراء الفحوصات في مستشفى آخر. المواعيد كانت متاحة فقط عبر الموقع الإلكتروني، وأقرب موعد كان في ديسمبر 2024. تقول منال: “من يناير ولحد دلوقتي وأنا مستنية، كل شيء متوقف ولا أستطيع الحصول على حقوقي، ولا أعرف إذا كنا سنخرج من هذه الدائرة المغلقة في يوم من الأيام، لكني، لسه مستنية”.

وتتساءل منال بحسرة عن مصير حقوقها، مؤكدة أن التعقيدات المستمرة تعطل جميع جوانب حياتها، وتحوّل تطبيق القانون إلى حلم بعيد المنال.

الإشكاليات القانونية والاتفاقات الدولية

يقول محمد مختار، المحامي والخبير في قضايا ذوي الإعاقة، إن التحديات القانونية التي تواجه تطبيق حق الجمع بين معاشين، وفقًا لقانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم 10 لعام 2018، تتعلق بتناقضات بين النصوص القانونية واللوائح التنفيذية.

يشير محمد مختار، المحامي والخبير في قضايا ذوي الإعاقة، في تصريحاته لـ فكّر تاني، إلى أن المادة 25 من قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم 10 لعام 2018 تنص بوضوح على استثناء الأشخاص ذوي الإعاقة من شروط الجمع بين معاشين أو الحصول على معاش موروث، كما ورد في قانون التأمينات الاجتماعية رقم 79 لعام 1975.

المحامي محمد مختار
المحامي محمد مختار

لكن اللائحة التنفيذية للقانون، وتحديدًا المادة 67، قيدت هذا الحق بشرط الامتثال لأحكام قوانين التأمينات الاجتماعية والمعاشات، ما ألغى عمليًا الاستثناء الذي أقره القانون، مما يجعل تطبيق هذا الحق معقدًا.

ويؤكد مختار أن “الاستثناء” الذي نص عليه قانون ذوي الإعاقة تم تجاهله في اللائحة التنفيذية عبر إضافة قيود تتماشى مع قوانين التأمينات، والتي تتضمن شروطًا تمنع المرأة المتزوجة، سواء كانت من ذوي الإعاقة أم لا، من الحصول على المعاش الموروث. ويشرح أن هذا التعديل يعد مخالفة دستورية، إذ إن دور اللائحة التنفيذية هو تفسير نصوص القانون، لا تعديلها أو إضافة مواد جديدة.

ويضيف مختار أن حرمان المرأة ذات الإعاقة المتزوجة من المعاش الموروث، في الوقت الذي يُصرف فيه للمرأة غير المتزوجة، يتعارض مع اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (السيداو)، وينوه إلى أن المادة 14 من الاتفاقية تنص على حق المرأة في الاستفادة المباشرة من برامج الضمان الاجتماعي دون النظر إلى دخل الزوج، كما تحظر التمييز على أساس الحالة الاجتماعية.

ويختتم مختار حديثه بتأكيده على ضرورة مراجعة اللائحة التنفيذية للقانون لتتوافق مع نص القانون الأساسي والدستور المصري والالتزامات الدولية، وأيضا لضمان حصول جميع الأشخاص ذوي الإعاقة على حقوقهم بشكل عادل وغير تمييزي.

اقرأ أيضًا: حركة الأشخاص ذوي الإعاقة في معركة الدستور

إجراءات مرهقة ومطالب بالعدالة

تجدر الإشارة إلى أن إشكالية عدم حصول المرأة ذات الإعاقة على حقها في الجمع بين معاشين أو بين المعاش والراتب، بموجب القانون، مرّت بالعديد من المراحل منذ إصدار القانون ثم لائحته التنفيذية في 2019.

وكانت هناك مطالبات متكررة من العديد من النساء ذوات الإعاقة بحقهن في الجمع بين معاشين، حيث تقدمن بشكاوى للعديد من الجهات المعنية، منها وزارة التضامن الاجتماعي وغيرها.

واستجابت الوزارة في البداية عبر دعوة لحوار مجتمعي، حيث تم عقد أول لقاء في يونيو 2021 بمقر الوزارة، ضم ممثلين عن المجالس القومية المتخصصة مثل المجلس القومي للإعاقة والمرأة، بالإضافة إلى ممثلين من وزارات المالية والتأمينات والمعاشات وبعض السيدات ذوات الإعاقة اللواتي تحدثن عن مطالبهن. وكانت الجلسة مبدئية للنقاش وتم الاتفاق على عقد جلسات أخرى، لكن الإشكالية ما زالت قائمة دون حل جذري.

كما تم رفع أول دعوى قضائية أمام هيئة مفوضي مجلس الدولة في يونيو 2021 بشأن حق المرأة ذات الإعاقة المتزوجة في معاشها الموروث، تحت رقم الدعوى 52494، للمطالبة بحق المرأة ذات الإعاقة المتزوجة في الجمع بين المعاشين أو المعاش والأجر. وقد طالبت الدعوى بإلغاء القرار السلبي الذي يمنع صرف معاش الموروث للنساء المتزوجات ذوات الإعاقة، استنادًا إلى المادة 25 من قانون رقم 10 لسنة 2018 الخاص بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، التي تمنح الرجال من ذوي الإعاقة هذا الحق. كما طالبت الدعوى بصرف المستحقات بأثر رجعي منذ 1 أبريل 2019.

لكن بعد عام كامل من المداولات، تم رفض الدعوى بسبب رفعها من قبل سيدات من محافظات مختلفة، ما أثار الجدل حول تطبيق القانون بالمساواة بين الجنسين وضمان العدالة لذوي الإعاقة.

في هذا السياق، تعبر ميرفت الهادي، 55 عامًا، من سكان مدينة حلوان وموظفة حكومية من ذوي الإعاقة الحركية، عن استيائها الشديد من عدم مساواة المرأة المتزوجة ذات الإعاقة بالرجل المتزوج في الحق القانوني للجمع بين المعاشين أو المعاش والراتب، معتبرة ذلك ظلمًا واضحًا وانتهاكًا للمساواة.

ميرفت الهادي
ميرفت الهادي

“اتعينت في الحكومة من 9 سنين ضمن نسبة 5% للأشخاص ذوي الإعاقة، ومن حقي الجمع بين معاشين أو المعاش والراتب مثلما نصت المادة 25 من القانون، لماذا يحصل الرجل المتزوج على هذا الحق ونحن لا؟!”.

وتشير ميرفت إلى أن الظروف الاقتصادية الصعبة والغلاء في المعيشة يضاعفان الضغط على النساء ذوات الإعاقة، خاصة مع انخفاض الرواتب والمعاشات. تضيف: “اشتغلت وأنا في الـ44 من عمري، ولما أخرج على المعاش هتكون سنوات العمل فقط 16 عامًا، وده معناه معاش ضعيف، ازاي يكفي مصاريفي الشخصية، وده جنب احتياجي المستمرة للأجهزة التعويضية وجلسات العلاج الطبيعي”. وتوضح أيضًا أن بعض النساء اضطررن للطلاق لاستعادة حقهن في المعاش الموروث.

كما تسلط ميرفت الضوء على الصعوبات التي تواجهها النساء ذوات الإعاقة في الحصول على حقوقهن، خاصة فيما يتعلق بإجراءات بطاقة الخدمات المتكاملة التي تُعد وثيقة أساسية للحصول على الحقوق، مشيرة إلى التغيرات المتكررة في مدة التجديد.

تقول: “منذ عدة أشهر، نظمت مجموعة من النساء وقفة أمام وزارة التضامن للمطالبة بحقهن في الجمع بين المعاشين، لكن لم نجد استجابة. بعد أن كان القانون ينص على التجديد كل 7 سنوات، أصبح كل 5 سنوات، وهناك حديث عن تقليص المدة إلى 3 سنوات، مما يعني البدء في الإجراءات والفحوصات من جديد، رغم أن الإعاقة لا تتغير”.

أما عن معاناة الانتقال إلى أماكن بعيدة لإجراء الفحوصات، فتوضح ميرفت: “أنا من سكان حلوان، ويطلبون مني فحوصات في مستشفيات بالعجوزة ورمسيس، ما يتطلب إجازات إضافية من عملي، إلى جانب مشقة وتكاليف المشاوير والفحوصات”.

وتختتم ميرفت حديثها بالمطالبة بتطبيق القانون بمساواة، مؤكدة: “باختصار، الجمع بين معاشين حق لنا كنساء ذوات إعاقة، نحن نريد فقط تطبيق القانون الذي لا يُميز بين رجل وامرأة”.

التعليقات

موضوعات ذات صلة