أماني الوشاحي: الأمازيغية لها مكانتها على مر التاريخ.. وهذه أسباب معاناتنا (حوار)

الأمازيغ هم السكان الأصليون لشمال إفريقيا قبل الوجود العربي الأموي في المنطقة. تمتد حضارة الأمازيغ لأكثر من 5600 عام. أقدم الكتابات الأمازيغية تعود إلى 3000 سنة قبل الميلاد. تُعرف منطقة شمال إفريقيا، موطنهم الأصلي، باسم "تمازغا"، وتمتد عرضيًا من ليبيا شرقًا إلى جزر كناريا غربًا، مرورًا بتونس، الجزائر، المغرب، وموريتانيا، وطوليًا من البحر المتوسط شمالًا إلى الصحراء الكبرى جنوبًا، لتشمل مناطق مثل مالي، النيجر، وبوركينا فاسو.

يُقدر عدد الأمازيغ عالميًا بحوالي 60 مليون نسمة، وفق منظمة الكونغرس العالمي الأمازيغي في مصر، التي تشير إلى توزع الأمازيغ في بلدان المهجر بين فرنسا، وإسبانيا، وبلجيكا، وهولندا، وإسرائيل، ومصر، ويُقدر عددهم في مصر بحوالي مليوني نسمة.

جاء الأمازيغ إلى مصر عبر هجرتين سلميتين: الأولى قبل حوالي 3000 عام، في عهد الملك رمسيس الثالث، الذي سمح لهم بالاستقرار في الصحراء الغربية وزراعتها مقابل نصف المحصول. أما الثانية، فجاءت مع جيش المعز لدين الله الفاطمي، رابع خلفاء الدولة العبيدية بالمغرب، ورافقه 100 ألف جندي أمازيغي من قبيلة "كتامة" عند قدومه إلى مصر، وأسهموا في بناء مدينة القاهرة.

عن طبيعة حياتهم، ووضع المرأة في المجتمع الأمازيغي، وأهم الأكلات التقليدية، أجرت فكّر تاني حوارًا خاصًا مع ممثلتهم في مصر، الكاتبة والباحثة أماني الوشاحي، نائب رئيس منظمة الكونغرس العالمي الأمازيغي في مصر.

أماني الوشاحي ابنة لمدينة بورسعيد، تحمل إرثًا أمازيغيًا من والد مغربي وأم مصرية، استطاعت خلال 20 عامًا من الكفاح تحقيق أبرز إنجاز رسمي للأقليات العرقية في مصر، وهو إدراج حقوق الثقافات العرقية في دستور 2014.

في حوارها مع فكّر تاني، تطرقت الوشاحي إلى معاناة الأمازيغ في مصر، مشيرةً إلى الظروف التي دفعتهم للعزلة الاجتماعية، وكيفية حفاظهم على هويتهم وتراثهم الممتد منذ عصر قدماء المصريين. كما استعرضت تجارب النساء الأمازيغيات بين مكاسبهن والتحديات التي يواجهنها.

إلى نص الحوار..

الأمازيغي.. الرجل الحُر النبيل

تُعرفنا أماني على أصل كلمة "أمازيغي"، فتقول: "في الفترات التاريخية القديمة عُرف الأمازيغ بأسماء عديدة، منها (ليبو) الذي ظهر في عهد الملك رمسيس الثاني، ومنه اشتق اسم ليبيا، و(تحنو)، وهو الاسم الذي ظل يتردد في الوثائق المصرية حتى عصر الملك رمسيس الثالث، و(تمحو) الذي ظهر في منتصف الألف الثالثة قبل الميلاد، و(جيتول)، وهو اسم قبيلة أمازيغية كانت تسكن جنوب الجزائر من أصل قبيلة جزولة الحالية، و(مور) وهم أمازيغ شمال غرب إفريقيا، ومعناها الغربيين، ومنها مشتق اسم موريتانيا، أما (باربار) فهذا الاسم الذي أطلقه الرومان على الشعوب المتمردة عليهم، خاصة الأمازيغ والجيرمان، وهو مأخوذ من الكلمة اليونانية بارباروس ومعناها همج، وبربر وهو اسم أطلقه علهم العرب مع بداية غزوهم لشمال إفريقيا، وهو مأخوذ من الكلمة الرومانية باربار.. أما كلمة أمازيغ فمعناها الحرفي الرجل الحر النبيل".

بين اللغة والاندماج

حتى وقت قريب لم يكن الأمازيغ مندمجين مع المجتمع المصري، وذلك بسبب تواجدهم في مناطق نائية، وفق ما توضحه "الوشاحي"، التي تشير إلى أنه مع تطور الحياة وتحسين الخدمات ووسائل المواصلات أصبح التواصل أسھل.

ينقسم الأمازيغ في مصر إلى مجموعتين، مجموعة ناطقة باللغة الأمازيغية وتعيش في "سيوة"، ومجموعة غير ناطقة تعيش في قنا وسوھاج والإسكندرية وهم "الهوارة". هذا إلى جانب ثلاث قرى بالدقھلية وقرية ببني سويف وقرية بالواحات البحرية.

تضيف الوشاحي: "يوجد عدد من العائلات المستوطنة حديثًا مثل عائلتي وعائلة الغرياني والھلباوي، وإذا تحدثنا عن أمازيغ الصعيد -هوراة- فقد تمصروا منذ قرون، وبالتالي اندثرت معھم اللغة، لكن السيويين، فقد حافظوا على اللغة سواء كانوا عرب أم أفارقة، يتحدثونها باللھجة السيوية التي تحتوي على كلمات كثيرة عربية، يتحدثونھا فقط ولا يستطيعون قراءتھا أو كتابتھا".

عملت أماني على مدار سنوات من اجل الحفاظ على اللغة من الاندثار. "كان الدستور ھو قاعدة الارتكاز، فبدأت بالعمل على ترسيم الثقافات المحلية بالدستور، وبالفعل حققت ھدفي وتم ترسيم التعددية الثقافية في المادة 50، المرحلة الثانية ھي القانون، نعمل على إصدار قانون من البرلمان لتشريع المادة 50 لتصبح قيد التنفيذ".

طفلات أمازيغيات من سيوة-يرتدين الزي التقليدي
طفلات أمازيغيات من سيوة-يرتدين الزي التقليدي

المرأة الأمازيغية

على مدار تاريخهم كشعب، تمتعت المرأة بمكانة هامة في المجتمع الأمازيغي، لم تُعانِ التهميش وحظيت بالمساواة. تقول "الوشاحي": "نحن شعبًا أموميًا، تُقدَّم فيه حقوق المرأة على حقوق الرجل. وتاريخيًا، حظينا بالمساواة الكاملة مع الرجل في جميع المجالات، وخاصة الحقوق السياسية. يروي التاريخ لنا عن شخصيات بارزة مثل الملكة تينهينان والملكة ديهيا، المعروفة لدى العرب بالكاهنة، واللتان جمعتا حكهمهما مع قيادة الجيش".

أما على مستوى الأسرة، فالمرأة هي سيدة البيت بلا منازع، تتولى إدارة المنزل ماليًا واجتماعيًا، كما أن المساواة تمتد إلى الميراث، فترث مثل الرجل تمامًا، وعلاوة على ذلك، لا يوجد في ثقافتنا ممارسات مثل ختان الإناث أو تعدد الزوجات، مع التأكيد على حق المرأة في التعليم والعمل، وقد امتد هذا إلى وجودنا في مصر، فتجد نادرًا ما يتجاوز الزوج بحق زوجته لفظيًا أو جسديًا، وإذا حدث ذلك تُعقد له جلسة عرفية يُغرّم فيها بمبلغ لا يقل عن 100 ألف جنيه"؛ توضح "الوشاحي"، التي تشير إلى أن الزوج مُلزم بالإنفاق على زوجته، حتى لو كانت ثرية، أما تعدد الزوجات فهو نادر جدًا في المجتمع الأمازيغي، حيث تُعتبر المرأة كيانًا مساويًا للرجل".

تلفت "الوئاحي" فيما يتعلق بأمور الطلاق بين الأمازيغ إلى أنها تتم في الغالب بالتراضي ومن دون مشكلات، نظرًا لالتزام الطرفين باتفاق الزواج، فإذا حدث الطلاق دون وجود أطفال، تحصل الزوجة على ممتلكاتها مثل المهر، والذهب، والهدايا، أما في حال كانت حاضنة، فإنها تحصل على كل شيء، ولا يستلم الزوج سوى متعلقاته الشخصية.

الزواج المبكر

لعل من أبرز التحديات التي تواجه الأمازيغيات في مصر هو الزواج المبكر، الذي يتم قبل بلوغ الفتاة سن 18 عامًا. وهو ما يخالف القانون المتبع بين الأمازيغ، وفق "الوشاحي"، التي تقول إنه غالبًا ما يكون عرفيًا دون تسجيل رسمي، مع الاكتفاء بالإشهار، وتكون النتائج المترتبة على هذا النوع من الزواج مؤلمة للغاية، خاصةً من الناحية الصحية، والتي تؤثر على الفتيات بشكل كبير.

وعلى الرغم من أن الطلاق عند الأمازيغ لا تنتج عنه مشكلات اجتماعية أو فقدان لحقوق الزوجة، نظرًا لفعالية نظام الجلسات العرفية، فإن التحديات الأخرى التي قد تواجه النساء تكون عادة في قيمة المهر المنخفضة للغاية، والتي لا تتجاوز 30 ألف جنيه، ما يجعل الفتيات عرضة لتجارب مأساوية خاصة في حال زواجهن برجال من خارج سيوة.

تتحدث "الوشاحي" عن المشكلات الصحية الناتجة عن الزواج المبكر بين نساء الأمازيغ، فتقول إنه التحدي الأكبر، وتداعياته تتوزع بين انتشار الأنيميا "فقر الدم" بشكل واسع وخطير بين النساء والأطفال. ويعود ذلك إلى عدة عوامل، منها زواج الأقارب، وسوء التغذية. فالزواج تحت سن 18 عامًا مع وجود الأنيميا يعرض النساء لخطر الوفاة أثناء الولادة الأولى. ومع تكرار الإنجاب، حيث تتجاوز بعض النساء عشرة أطفال، بمتوسط يتراوح بين 5 إلى 11 طفلًا، تزداد معاناتهن الصحية بشكل ملحوظ.

نادرًا ما تكتفي الزوجات بثلاثة أطفال، كما أنهن لا يحصلن على فترات راحة كافية بين الولادات، مما يؤدي إلى إنهاك صحي عام وضعف دائم يظهر بوضوح على معظمهن.

التعليم

رغم حق المرأة في التعليم المعترف به في الثقافة الأمازيغية، إلا أن هذه فرصة لا تتمتع بها معظم نساء الأمازيغ، وتكتفي الغالبية العظمى من الأسر بتعليم البنات حتى المرحلة الإعدادية، سواء في التعليم العام أو الأزهري، أما اللاتي يستكملن تعليمهن الجامعي، فعددهن قليل جدًا ولا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، على حد قول "الوشاحي".

ويرجع ذلك إلى بعد المسافة بين المنازل والمدارس المتاحة بأماكن تواجد الأمازيغ، وعادات المجتمع المحافظ، إذ لا يُسمح للفتيات بالاغتراب للدراسة في مدن كالإسكندرية، سواء كانت الإقامة فردية أو في سكن جامعي أو حتى مع زميلاتهن. وهذا فضلًا عما يُشكله التعليم في مصر من عبء مالي، يشكل عاملًا رئيسيًا يمنع العديد من الأسر من تحمل تكاليف استكمال التعليم الجامعي.

ونتيجة لذلك، تواجه النساء قيودًا صارمة على العمل، فلا يُسمح لهن بالخروج للعمل خارج المنزل دون أسباب ملحة، وهو أمر مستحيل في نظر المجتمع. لذا، تلجأ النساء إلى العمل من داخل منازلهن في حرف يدوية مثل التطريز وإعداد المنتجات الغذائية والدواجن والمخبوزات والمخللات.

الكاتبة والباحثة أماني الوشاحي
الكاتبة والباحثة أماني الوشاحي

التمكين

توضح "الوشاحي" أن الحقوق المادية للنساء الأمازيغيات في مصر محفوظة بالكامل، ويحصلن على إرثهن من أموال أو عقارات أو أراضٍ زراعية دون أي حساسية. "يضمن الفكر الأمازيغي للمرأة ذمة مالية خاصة ومستقلة عن زوجها، ولا يحق له أن يشاركها فيها، قد يقوم الزوج بإدارة أموالها إذا رغبت، ولكن حقوقها تظل مصونة، وأي شيء تمنحه له يكون بإرادتها الكاملة".

أما فيما يتعلق بالإرث، فتتساوى النساء مع الرجال في بعض الدول التي تطبق الثقافة الأمازيغية بالكامل، لكن في مصر، المرأة تحصل على نصف إرث الرجل، وهو ما يتماشى مع القوانين السائدة عرفيًا، ورغم ذلك لا توجد مشكلات تتعلق بحصول النساء على حقوقهن المالية والإرث".

 

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة