على كرسي إلى جوار ظله بالحائط، تخوض آخر معاركها ببطن خاوية، طلبًا لحرية ابنها، وقد ضاق السجن عليه مجددًا، فتجددت قضبان كان يفترض لها أن تذوب بتاريخ 29 سبتمبر الماضي، لكنها بأمر السلطة ستبقى لعامين آخرين.
قطع أول.. نُقبل أقدامهم وبهم نحيا
لم يحظ خالد بلحظة مثل هذه إلا نادرًا. لم يتمكن علاء من احتضان صغيره سوى للحظات في أعوام عمره التي تتجاوز الـ 13 عامًا، لم تسعد ليلى بدفء هذا اللقاء بين الابن والحفيد إلا قليلًا.

مزج أول.. ظل علاء على الحائط يؤنس ليلى
في منزلها بالقاهرة على كرسيها جلست الأستاذة الجامعية الدكتورة ليلى سويف إلى جوار مشاهد لابنها بُثت على الحائط، وقد تجمع الأصدقاء احتفاءً بعيد ميلاده، قلقون عليها من إضراب عن الطعام تخوضه، دخل يومه الخمسين، احتجاجًا على استمرار احتجاز علاء بعد انتهاء فترة محكوميته.
"النهارده بالنسبة لي كان يوم مليان مشاعر مختلطة. من ناحية سعيدة، قدرت أزور علاء وده لوحده كان حاجة كبيرة. بس من ناحية تانية، النهارده عيد ميلاده الـ43، وآخر عيد ميلاد احتفلنا بيه معاه كان لما كان عنده 32 سنة. 11 سنة عدّوا وإحنا متفرقين، وده شيء موجع جدًا. حتى لما قلت له كل سنة وأنت طيب، رد عليّ وقال: أنا مش عايز احتفل بعيد ميلادي. ده بالنسبة لي كأنه بيعكس حجم الألم اللي جوانا كلنا".

بالكاد، تحاول الدكتورة ليلى سويف أن تحيا بشكل طبيعي. عادت إلى القراءة والدراسة قبل يوم من الاحتفاء بعلاء، وتخطط للسفر إلى إنجلترا لاستكمال معركة المناداة بحريته. "ما عندناش حكومة واحدة محتاجين نضغط على حكومتين. الحكومة اللي هنا وحابسة علاء ظلم، والحكومة اللي هناك المتواطئة واللي اختارت تتجاهل دورها في حماية مواطنها مزدوج الجنسية".
قطع ثان.. أول عناق مقدس
هذا عناق مقدس. خالد رضيعًا يختبر أول عناق تجاوز برودة الطقس والحشد الخانق من الأمن وآلات التصوير، للأب الذي غادر محبسه توًا.

مزج ثان.. ليلى الصلبة التي ألهمتنا
"وجود ليلى بيننا، بصلابتها ونضالها الممتد لعقود يمثل مصدر إلهام ودعم للمجتمع الحقوقي.. نحن بحاجة إلى ليلى، وإلى مقاومتها التي تقوي من عزيمتنا وتمنحنا الأمل في تحقيق الحرية والعدالة"؛ قال الناشط الحقوقي هيثم محمدين في كلمته بمنزل ليلى.
أضاف أن ما يحدث لعلاء عبد الفتاح ليس سوى ضربًا بالقانون عرض الحائط، وأن استمرار حبس علاء متجاوزًا لانتهاك حقوقه إلى مرحلة تهديد حياة والدته ليلى، التي تخاطر وهي مشرفة على السبعين من عمرها، بصحتها من أجل حريته. بينما طالب السلطات بتطبيق القانون الذي يتيح احتساب مدة الحبس الاحتياطي ضمن مدة العقوبة، بما يضمن إطلاق سراح علاء ورفقائه محمد أكسجين ومحمد عادل وغيرهم من المعتقلين السياسيين.

"حان الوقت لتدرك الدولة أن علاء قد أمضى أكثر من عشر سنوات في السجن، وهي عقوبة تفوق ما يُفرض على مرتكبي الجرائم الكبرى. إذا كان علاء قد ارتكب أي خطأ، فإن هذه المدة كافية وأكثر، خاصة وأنه لم يرتكب سوى التعبير عن رأيه".
قطع ثالث.. مطاردون لأننا قلنا لا
رحلة طويلة من الملاحقة والاحتجاز والسجن عاشها علاء طوال 18 عامًا، معاقبًا لأنه من أسرة حقوقية صرف ولأنه لم يعتاد تكميما أرادته السلطات المتعاقبة لكل رأي مخالف.
اعتقل في 2006 لمشاركته في احتجاجات تطالب باستقلال القضاء، حيث قضى 45 يومًا بالسجن. وفي 2011، برز كأحد وجوه الحركة الديمقراطية، مسهمًا في تطوير منصات إلكترونية لتشجيع المواطنين على صياغة الدستور.

ثم شارك في احتجاجات ثورة 25 يناير التي أفضت إلى إطاحة الرئيس حسني مبارك. وفي أواخر 2011، احتُجز بسبب تغطيته "أحداث ماسبيرو"، قبل أن يُفرج عنه في ديسمبر من العام نفسه بعد دعوات أممية.
وفي 2013، احتُجز مجددًا بسبب مشاركته في مظاهرة ضد قانون التظاهر، وصدر بحقه حكم بالسجن خمس سنوات في قضية "أحداث مجلس الشورى"، وهي أطول مدة احتجاز له، وشهدت هذه الفترة وفاة والده، حيث سُمح له بالخروج مؤقتًا لتشييعه.
ورغم الإفراج عنه في 2019، أعيد احتجازه في نفس العام، ليظل في السجن حتى صدر بحقه في ديسمبر 2021 حكم بالسجن خمس سنوات بتهمة "نشر أخبار كاذبة".
مزج ثالث.. هكذا يكون النضال السلمي
"كل يوم أسأل نفسي من أين تستمد الدكتورة ليلى كل هذه القوة والإرادة والمثابرة؟ لقد أصبحت مصدر إلهام لنا جميعًا. أضربت تضامنًا معها ليوم واحد فقط، وفي نهايته شعرت بالإرهاق والصداع. كيف لها أن تستمر كل هذه الفترة، وهي أكبر منا سنًا وقد مرت بمشقات ومتاعب كثيرة في حياتها؟"؛ قالت المحامية الحقوقية راجية عمران، رئيسة مجلس أمناء مؤسسة حرية الفكر والتعبير، والتي أشادت بدور ليلى سويف في تقديم نموذج للنضال السلمي، معتمدةً على الوسائل القانونية المتاحة للتعبير عن رأيها.

قطع رابع.. حد لسه فاكر علاء في السجن ليه؟
اعلم يا خالد أن كل هذه السنوات التي قضيتها بين السجن وفترات المراقبة لم أطلبها لكنها ضرورة أن تحيا أنت ومن هم مثلك حياة مغايرة لما عشناه نحن.. يا بني إن بكيتُ، فلست أبكي غربة السجن ووحشته، وإنما أبكي كل لحظة لم أكون فيها ملازمًا لظلك، نلهو حينًا ونأتنس أحيانًا.. أبكي هذه اللحظات التي فوتناها وأنتظرك كما تنتظرني.

مزج رابع.. في سبيل حقوق المعتقلين
"لم أتمنَ أبدًا أن نصل إلى يوم كهذا. كنا نأمل أن يكون علاء بيننا اليوم، نحتفل بعيد ميلاده معه، بدلًا من أن تمر أعياد الميلاد ونحن نتذكر أصدقاءنا وأحباءنا المعتقلين. لكن وسط كل هذا الألم، أرى دائمًا الدكتورة ليلى سويف، التي لا تسعى لأن تتحول إلى أيقونة، وقد أصبحت رمزًا للنضال الإنساني؛ فهي أم تناضل من أجل حق ابنها في الحرية والحياة، وفي الوقت نفسه تسلط الضوء على قضايا معتقلين آخرين التي لا تحظى بالاهتمام الكافي".
معبرةً عن امتنانها للمشاركة في يوم شهد حضور لأسر أغلب رفقاء علاء الذين لا يزالون يعانون مرارات السجن، أكدت المحامية الحقوقية ماهينور المصري، أن نضال ليلى سويف لا يتعلق فقط بحرية علاء، بل بحقوق الجميع في العدالة والحرية، متمنية أن يحرر علاء ومعه كل المحبوسين لأنهم أبدوا آرائهم في قضايا بلدهم.

قطع خامس.. "قومي المرأة" غير المختص بـ"ليلى"
بينما تواصل الدكتورة ليلى سويف إضرابها دفاعًا عن حق ابنها في نيل حريته، رفض المجلس القومي للمرأة استلام مناشدة عاجلة قدمها وفد من الحقوقيين وأساتذة الجامعات والمحامين لإنقاذها، وقد دخل إضرابها عن الطعام يومه الـ 52 يومًا. وهو ما فسره كثيرون بتعمد تهميش قضيتها، والاستمرار في سياسة معاقبة علاء رغم سنوات حبسه الطويلة والمرهقة. وقد برر المجلس رفضه استلام المناشدة بعدم اختصاصه.

مزج خامس.. ليلى التي تحارب عن أمهات المعتقلين
"علاء لعب دورًا مهمًا في السياسة والثورة المصرية، وهذه الفترة لن تُنسى أبدًا"؛ قال الكاتب الصحفي والناشط الحقوقي هشام فؤاد، مضيفًا أن علاء يدفع ثمن نضاله من أجل قضايا آمن بها، وهو يعلم أن هذا الثمن كبير، لا يتحمله وحده، بل تتحمله أسرته وعلى رأسهم الدكتورة ليلى التي أصبحت رمزًا للأم المصرية، أمًا للمعتقلين الذين يدفعون ضريبة حقيقية من أجل الدفاع عن أبنائهم، وهي تضحي بحياتها حرفيًا من أجل الضغط لإطلاق سراحه، وسط غياب تام لأي استجابة من المؤسسات المصرية، ليبقى نضالها وعلاء شاهدًا على حالة حقوق الإنسان في مصر، حيث يخضع أصحاب الرأي لمحاكمات تفتقر لأبسط معايير العدالة.
قطع سادس.. لست مهزومًا ما دمت تقاوم
"لست مهزومًا ما دمت تقاوم"؛ هذه هي فلسفة ليلى سويف ببساطة

مزج سابع.. استمرار حبس علاء انتهاك للقانون
"هذا تمييز واضح في تطبيق القانون على المعتقلين سياسيًا"؛ قال خالد علي المحامي الحقوقي والمرشح الرئاسي السابق، والذي شرح كيف أن علاء عبد الفتاح، ومحمد عادل، ومحمد إبراهيم (المعروف بمحمد أكسجين)، جميعهم لم تصدر ضدهم سوى أحكام في قضايا جنح، ورغم ذلك، يتم احتجازهم في ظروف قاسية وتمدد فترات حبسهم الاحتياطي بشكل غير قانوني.
"القانون ينص على احتساب مدة الحبس الاحتياطي ضمن العقوبة الإجمالية. علاء اعتقل منذ 28 سبتمبر 2019 وصدر بحقه حكم بالسجن خمس سنوات. لكن السلطات قررت احتساب العقوبة من تاريخ التصديق على الحكم في يناير 2022، ما يؤخر خروجه إلى يناير 2027". وهو ما يصفه خالد علي بقرار غير منطقي وغير منصف، مؤكدًا أن هناك سوابق قانونية مشابهة احتُسبت فيها المدة منذ لحظة القبض على المعتقل.
ولذا، فإن هذا النهج الانتقائي يمثل تعسفًا صارخًا، ومعارضة صريحة للمادة 482 من قانون الإجراءات الجنائية التي تنص على ان مدة العقوبة المقيدة للحرية تبدأ من يوم القبض على المحكوم عليه بناءً على الحكم الواجب التنفيذ، مع مراعاة إنقاصها بمقدار مدد الحبس الاحتياطي ومدة القبض.

ليلة علاء ورفقائه
ليلى برمزيتها كأم ومناضلة، أصبحت صوتًا لآلاف المعتقلين السياسيين وأسرهم. هنا تجمع كل المحرومين ذويهم خلف أسوار تكميم أصواتهم.
حضرت روفيدة محمد، زوجة الناشط السياسي محمد عادل، فتحدثت عن معاناته المستمرة منذ أكثر من عقد، حيث يُحتجز منذ 2018 ضمن سلسلة من القضايا الملفقة. حُكم عليه مؤخرًا بالسجن 4 سنوات بتهمة نشر أخبار كاذبة، في استهداف واضح لنشاطه السلمي.
ويواجه الناشط السياسي محمد عادل، المتحدث السابق باسم حركة شباب 6 أبريل، حُكمًا بالسجن لمدة 4 سنوات صدر في سبتمبر 2023، بعد 5 سنوات من الحبس الاحتياطي. تتعلق القضية التي أدين فيها بنشر أخبار كاذبة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ما يضاف إلى سلسلة من الاتهامات والمحاكمات التي تعرض لها منذ اعتقاله في يونيو 2018 أثناء قضائه فترة مراقبة شرطية على ذمة قضية سابقة.
خلال فترة احتجازه، تعرض عادل لاتهامات كيدية ومحاكمات غير عادلة، شملت تهم الانضمام لجماعة غير قانونية ونشر أخبار كاذبة. قضى سنوات في السجن منذ عام 2013 بتهم تتعلق بالاحتجاجات غير المرخصة، ولم يمضِ سوى عام ونصف على إطلاق سراحه حتى تم اعتقاله مجددًا. تمثل حالته رمزًا لاستمرار قمع النشطاء السياسيين في مصر وملاحقتهم بسبب آرائهم وأنشطتهم السلمية.
كذلك، تحدثت الدكتورة وفاء حفني عن معاناة ابنتها المعتقلة مروة عرفة، التي أُلقي القبض عليها في 20 أبريل 2020، تاركةً طفلتها التي لم تكمل عامها الثاني بعد. اكتشفت الأسرة لاحقًا أن الطفلة تعاني من التوحد، ما جعل الوضع أكثر قسوة على العائلة.
تقبع مروة عرفة في الحبس الاحتياطي منذ عام 2020 وسط ظروف غير إنسانية، تاركةً خلفها طفلتها التي تعاني من التوحد. ورغم تجاوزها الحد القانوني للحبس الاحتياطي، تستمر الانتهاكات بحقها دون استجابة للمطالبات الحقوقية.

متضامن مع الاسره الكريمه.. ومع الدكتوره وعلا* عبد الفتاح في المطالب المشروعة بخروجه من محبسه بعد إنتهاء فتره حبسه
كل ا لتحيه لنضال كل افراد هذه الاسره العظيمه