آفة حارتنا.. هل تُغفَر جرائم الاعتداء الجنسي بالتناسي؟

“على الأقل لنعطي الناجيات مثلنا فرصة الكلام عما تعرّضنا له من وقائع اعتداء واغتصاب. لنقول إننا اُنتهكنا بفجاجة وعشنا سنوات من الأزمات النفسية”؛ قالت إحدى الناجيات اللاتي تعرّضن للتحرش والاعتداء الجنسي من قبل صحفي شهير.

تتعرض النساء في مصر لمضايقات تتنوع بين العنف والتحرش اللفظي والجسدي، الممتد إلى الحياة الشخصية والعامة، بينما يفلت المعتدون غالبًا من المساءلة، سواء بتواطؤ المجتمع أو بالثغرات القانونية. بينما تزداد المحنة مع كل مرة تكتُب الناجيات شهاداتهن، بتسفيه شعار “نصدّق الناجيات”، واللائي يواجهن التشويه والترهيب بدلًا من الدعم، ويبقى السؤال: هل حقًا نجونا؟!

وهل تتبدل المطالبة بسرد العنف علنًا، بالضغط في سبيل قوانين منصفة تدعمهن وتحترم خصوصيتهن بلا وصم ولا تجريح؟!

في النصف الثاني من عام 2020، خرجت إلى العلن شهادات لنساء تعرضن لانتهاكات وحشية ضد “صحفي شهير”، ما أدى بالعديد من المؤسسات الإعلامية والصحفية إلى وقف التعامل معه، بعد التحقق من بعض هذه الشهادات. كما حذف الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين الحساب التعريفي للصحفي من قائمة أعضائه. وأصدر الاتحاد بيانًا قال فيه: “إن الاتحاد تلقى وعلم بالعديد من الادعاءات المتعلقة بسوء السلوك المهني والشخصي الخطير من قبل هذا الشخص، وبناءً عليه تم تعليق عضويته إلى أجل غير مسمى”.

وفي الفترة الزمنية نفسها من عام 2020، تعددت كذلك الشهادات ضد أحد السينمائيين، تتهمه بالتحرش الجنسي والتلاعب النفسي. وقد أصدر مهرجان القاهرة السينمائي الدولي حينها بيانًا بشأن تلك الوقائع، ما تم على إثره استبعاد فيلمه من مسابقة المهرجان.

ومع ذلك، لم تقم أي واحدة من الناجيات بتقديم بلاغ رسمي ضد الصحفي أو السينمائي المتهمين.

“أنا بحاول أنسى، بس اللي يهمني هم الناجيات. اللي كتبوا شهاداتهم واللي ما كتبوش. الستات اللي اتأذوا، وشكوا في نفسهم ولاموا روحهم. ودلوقتي بيعيشوا الأسى مرة تانية وهم بيكتبوا وبيقروا شهادات بعض. أنا واحدة منهم، أنا عن نفسي هتكلم عشان كفاية تطاول وتعدي وإفلات من العقاب. أنا مكنتش متصورة إن استباحة الغير ممكن تكون مطلقة للدرجة دي”؛ هكذا عبّرت واحدة من الناجيات من اعتداء السينمائي، عن حالتها النفسية، وعن تأثير الشهادات عليها وعلى الأخريات.

آفة حارتنا النسيان..

في كلتا الحالتين، أصدرت الجهات المتعاملة مع الصحفي والسينمائي بيانات رسمية بوقف التعامل معهما لحين البت في الاتهامات الموجهة إليهما. ومع ذلك، وبعد مرور أربعة سنوات، عاد الصحفي الشهير للظهور مجددًا بتكريم من مؤسسته التي أوقفت التعامل معه في السابق، بينما تم الإعلان عن عرض فيلم المخرج المتهم، في دور السينما مؤخرًا، وكأن شيئًا لم يكن.

رغم أن هذه الشهادات لم تصل إلى القضاء، إلا أن الأصوات التي تعالت حينها طرحت تساؤلات حول تسهيل إجراءات التقاضي، وتقديم مثل هذه البلاغات، ومدى تأثير هذه القضايا على مستقبل المتهمين وعلى نظرة المجتمع إليهم بعد مرور الزمن، وقبل كل هذا، كيف يُنظر إلينا نحن النساء.

بدأت مصر في الاتجاه نحو تطبيق سياسات مكافحة التحرش والتمييز بشكل تدريجي، خاصة في السنوات الأخيرة، بعد أن تم تهميش تلك النقاشات على المستويين القانوني والمجتمعي.

قبل عام 2011، لم يكن هناك اهتمام واضح بمثل هذه القضايا. كانت حالات التحرش منتشرة في الأماكن العامة والمواصلات، لكن نادرًا ما كانت النساء يُبلغن عن تلك الحوادث خوفًا من الوصم الاجتماعي، أو لفقدان الثقة في النظام القانوني.

وباندلاع ثورة 25 يناير، تصاعد الحديث عن التحرش الجنسي بشكل علني، خاصة بعد حوادث التحرش الجماعي الشهيرة في ميدان التحرير. تلك الحوادث التي مثلت نقطة تحول في النقاش المجتمعي حول القضية، وسلطت الضوء عليها بشكل غير مسبوق في الإعلام، دفعت منظمات المجتمع المدني إلى العمل على دعم الضحايا وتوثيق الانتهاكات وتنظيم حملات توعوية.

وبين عامي 2011 و2014، استطاعت منظمات ومبادرات المجتمع المدني توفير منصات للإبلاغ عن حالات التحرش وتقديم الدعم القانوني والنفسي للناجيات. واستكمالًا لهذه الجهود، أُطلقت حملات توعية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ما أدى إلى زيادة الوعي المجتمعي بمدى خطورة التحرش الجنسي. 

وكان من أبرز هذه المبادرات: “نظرة للدراسات النسوية” و”مؤسسة النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب” و”اتحاد نساء مصر” و”صوت النساء المصريات” و”ماتخافيش” و”قوة ضد التحرش”

وفي يونيو 2014، استجابت الحكومة المصرية للضغط المجتمعي، وأدخلت تعديلًا على قانون العقوبات المصري، ليشمل لأول مرة تعريفًا صريحًا للتحرش الجنسي على المادة 306 مكرر “أ” و”ب”، والتي أكدت على معاقبة المتحرشين بالسجن والغرامات، ما يُمكن اعتباره خطوة كبيرة نحو معالجة الظاهرة قانونيًا.

ومع انتشار حركة “MeToo” العالمية في 2017، التي دفعت الكثير من النساء إلى الحديث علنًا عن تجاربهن مع التحرش، تفاعلت المصريات واستخدمن وسائل التواصل الاجتماعي لمشاركة شهاداتهن، ما ساهم في كسر حاجز الصمت حول الموضوع وزيادة النقاش العام حول التحرش الجنسي. 

وأصبحت مدونات مثل “دفتر حكايات” منصة رئيسية لنشر شهادات النساء بشكل مجهول، وهو ما ساعد في تحفيز المجتمع لمواجهة هذه القضية بشكل أكثر جدية.

وفي 2018، تم تغليظ العقوبات على جريمة التحرش الجنسي لتصل إلى السجن لمدة تصل إلى خمس سنوات، مع فرض غرامات مالية أكبر. وتم التركيز بشكل خاص على التحرش في أماكن العمل، حيث زادت العقوبات في حال كان الجاني في موقع سلطة أو استغل منصبه للاعتداء على الضحايا. 

وكان الهدف من هذه التعديلات حماية النساء العاملات وضمان بيئة عمل آمنة وخالية من التحرش.

ثم تصاعدت المطالبات في 2020 بتشديد القوانين مرة أخرى بعد قضية أحمد بسام زكي، التي أثارت ضجة كبيرة في وسائل الإعلام، حيث أُتهم بالتحرش والاعتداء على عدد كبير من الفتيات، ما دفع الكثير من النساء للإبلاغ عن تجاربهن.

وبالإضافة إلى “الصحفي والمخرج” في نفس العام، ساهمت هذه القضايا في تحفيز المجتمع على دعم الضحايا وتعزيز دور وسائل التواصل الاجتماعي في كشف الانتهاكات. كما أدت إلى مطالبات بزيادة الدعم القانوني والنفسي.

وبناءً عليه، صدر في 2021 تعديل جديد على القانون، يهتم بالتحرش في أماكن العمل، حيث تم إلزام المؤسسات بوضع آليات واضحة للشكاوى والتحقيق في حالات التحرش، والتي عُرفت بـ “سياسات التحرش والتمييز”.

وأصبحت الشركات والمؤسسات مُلزمة بإنشاء نظم داخلية لحماية الموظفين/ات وكتابة والإعلان عن السياسات والإجراءات للتحقيق والمساءلة، وفرض عقوبات تصل إلى السجن وغرامات مالية كبيرة على المسؤولين الذين يرتكبون هذه الجرائم أو يتجاهلون الشكاوى.

وفي ديسمبر 2023، تم إدخال آخر تعديل على القانون، بغرض توسيع نطاق الحماية القانونية لتشمل التحرش الرقمي، حيث فرضت القوانين الجديدة عقوبات صارمة على التحرش الإلكتروني، مع تغليظ العقوبات في حالات التحرش العنيفة أو التي تتضمن تهديدات أو استخدام القوة.

كما أُلزمت المؤسسات بتوفير نظم شكاوى داخلية وتطبيق سياسات واضحة لمكافحة التحرش في أماكن العمل.

وبالرغم من الجهود المبذولة إلى الآن على المستويات المجتمعية والقانونية والمؤسسية، إلا أن أكبر ما يُعيق تقدمها، هو إحجام النساء عن تقديم البلاغات الرسمية، حيث تكون النتيجة الطبيعية إفلات المجرمين من العقاب.

فقط يختفون عدة سنوات قليلة ثم يعودون للظهور مرة أخرى، لينتهكوا أجساد مزيد من النساء.

تقول إحداهن: “المتهم بريء حتى تثبت إدانته.. ماذا نفعل لو لم نستطع إدانته؟ ماذا يحدث لو لم نستطع اللجوء للقانون؟ سيظل بريئًا في أعين القانون والمجتمع، بينما نظل نحن النساء بلا حماية”.

في دراسة صدرت في فبراير 2022 تحت عنوان “العنف والتحرش في عالم العمل وتكلفته الاقتصادية والاجتماعية” للدكتورة هويدا عدلي، أستاذة العلوم السياسية بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، بلغت نسبة من أشرن إلى وجود ممارسات عنف في أماكن العمل 10.2%، من إجمالي عينة الدراسة -1027 مُفردة، حيث كان التحرش من أكثر أنواع العنف الذي تتعرض له العينة، بنسبة 75.4%، تليه المضايقات وسوء المعاملة من المشرفين والرؤساء بنسبة 56.3%.

“نحاول بكل الطرق والآليات النقابية منذ أغسطس 2020، إقرار مدونة سلوك المؤسسات الصحفية ونقابة الصحفيين، في إطار تحقيق هدف رئيسي هو ‘بيئة عمل آمنة للصحفيات’ بعد تسجيل أكثر من 20 شهادة تحرش وهتك عرض واغتصاب ضد الصحفي الشهير”؛ تقول الصحفية والناشطة الحقوقية إيمان عوف لـ فكّر تاني.

وتضيف إيمان: “تقدمنا بمذكرة في 27 أغسطس 2020، وقّع عليها ما يزيد عن 250 صحفية وصحفي لمجلس النقابة السابق، تطالب بمدونة سلوك نقابية، لكن تم تجاهل هذه المذكرة تمامًا دون اعتبار أن قضية بيئة العمل الآمنة واحدة من القضايا الجوهرية”.

إيمان عوف
إيمان عوف

واليوم، ومع وجود مجلس نقابي مختلف، بدأ النقاش مرة أخرى حول “مدونة السلوك” وكيفية تطبيقها. تؤكد إيمان: “نُطالب بتأسيس لجنة تحقيق مستقلة تابعة للنقابة وتعمل من خلال لجنة المرأة، تلجأ إليها الصحفيات في حالات التحرش والتمييز والتنمر، وأن تكون هناك آليات محاسبة وردع واضحة ومُحددة”.

وتضيف أنه من خلال لجنة التشريعات والحريات بالنقابة وفي إطار الإعداد للمؤتمر العام السادس للنقابة من أجل مناقشة مدونة السلوك، تم عقد ورشة عمل حضرها قانونيون وحقوقيون وصحفيات وصحفيون للنقاش حول المدونة المقترحة التي تم العمل عليها منذ فترة.

“هناك أهمية لتضمين مدونة السلوك مع عقود العمل، وأن تكون هناك آليات واضحة للتحقيق في الشكاوى، وأن يتم إقرار لائحة بالتنسيق مع لجنة المرأة في النقابة واللجنة القانونية لإقرار الجزاءات والعقوبات، بالإضافة إلى دورات توعوية للتعريف بالسلوكيات التي تدخل تحت بند الاعتداء والتحرش”.

وتقول إيمان عوف إن التوتر في بيئات العمل، الناتج عن مثل هذه الاعتداءات داخل وخارج المؤسسات، لا ينفع أحدًا، ويؤثر اقتصاديًا ومجتمعيًا، خاصة وأن المجتمع دائمًا ما يرى “البنت هي المُخطئة” حتى لو ما حدث لها كان واضحًا جليًا، سرعان ما يتم النبش في سلوكها وملبسها وعلاقاتها الإنسانية.

“يعتقد الناس أن إدانة المتحرش هي إدانة للمؤسسة أو مكان العمل، وهذا ما حدث مع صحفية زميلة، حين تعدى عليها مدير تحرير الجريدة التي تعمل بها. تم فصلها هي عن العمل، ولم ينتج عن تحقيق النيابة أية نتائج، لأن عبء الإثبات كان عليها، وهي لا تملك غير حكايتها”.

في تعليقها على عودة المتهمين بالتحرش والاعتداء إلى نفس أماكن عملهم مرة أخرى، تقول إيمان: “هنقاطعهم وهنفضل نحاول، ما يزال هناك قصورًا في آليات التحقيق رغم مكتسبات السنوات الماضية، وما زلنا نواجه المجتمع الذكوري مرة حين يعتدي على النساء وينتهكهن، ومرة حين يرفض الاستماع لشهادتهن ولا يمارس الضغط معهن للتحقيق في شكواهن، ومرة ثالثة حين ينعتهن بأفظع الألفاظ، ومراتٍ حين يحتضن المتحرش ويمنحه -فرصة ثانية- دون محاسبته على ما ارتكبه بالفعل”.

“مي تو”.. تحذير وتوثيق

“أريد التعبير عن شعوري بالعجز وقلة حيلتي، أريد أن أُعبر عما أختبره حاليًا وما اختبرته حينها، أردت سجنه بالقانون، لكن ذلك ليس في صالحي حتى الآن، وحين اكتفيت بشهادتي ضده عاد مرة أخرى لينتهك ويتعدى على غيري، وأيضًا، بعد أن ينظر في عيني ضحيته الجديدة بتحدٍ، يذهب للبحث عن أخريات”؛ تقول واحدة من الناجيات، وتؤكد: “تعرضي للتحرش كان مجرد بداية لأحداث توالت جميعها في صالح من تعدى عليّ”.

فبعد أن اكتشفت أن للقانون أوجه متعددة، وأن في مقدمة هذه الوجوه نظرة المجتمع لها وتقييمه لسلوكها بعيدًا عما حدث في حقها، وجدت أن نظرة هذا المجتمع هي نفسها نظرة رجل القانون، الذي سينظر شكواها ويبحثها.

ترى الباحثة في التنمية والنوع الاجتماعي والمديرة التنفيذية لمؤسسة المرأة الجديدة، نيفين عبيد، أن أحد أكبر التحديات التي تواجه التدخلات المناهضة للعنف هو تعقيد إجراءات البلاغ وإثبات حالات التحرش، والتي غالبًا ما تحدث من قِبَل أشخاص معروفين للناجيات، ما يؤدي إلى صعوبة الحصول على أدلة مسبقة. 

وتطالب عبيد في حديثها لـ فكّر تاني، أن يكون عبء الإثبات على الجاني وليس الضحية، إذ يعتبر المجتمع أن الشاكي غالبًا هو الأضعف، ما يُثقل كاهل المجني عليهن/م، ويعزز ثقافة الوصم.

نيفين عبيد
نيفين عبيد

وتؤكد أن “تحقيق التوازن يتطلب قانونًا مُنحازًا ضد العنف يضمن إثبات الواقعة ومساءلة الجاني بجدية، دون الاقتصار على العقوبات، فالتحقيق مع الجاني خطوة أساسية تُمكّن النساء من كسر حاجز الوصم، وتدعم حقهن في التحدث بحرية عن تجاربهن”.

وتُشير نيفين أن إحصاءات الجهاز المركزي للمحاسبات تُفيد: تراجع نسبة النساء عن الرجال في العمل، لأسباب تتعلق بالأجور، لكن “التحرش في أماكن العمل أيضًا من بين أسباب طرد النساء وانخفاض أعدادهن مقارنة بالرجال”.

وتؤكد على ضرورة أن تعترف منظومة العدالة بوجود العنف، وتقول إن مشروع قانون “مناهضة العنف الموحد” سيمثّل نقلة في هذا الشأن، بما نصّ عليه من توثيق الضرر من قبل الشاكي، واعتبار استجواب الجاني جزءًا من الإثبات. ومع ذلك، تواجه هذه البنود مقاومة من الحكومة، التي لم تتبنّ تيسير إجراءات البلاغ وتوثيق العنف في القوانين الجنائية، بل تواجهها بإجراءات لا تُراعي خصوصية العنف القائم على النوع الاجتماعي.

وتعتبر نيفين أن الحلّ يكمن في مواصلة التوعية على غرار حملة “MeToo”، حيث تُشجّع النساء على الحديث وتدوين الشهادات، وفضح مرتكبي العنف أمام المجتمع.

ترى نيفين أنه يجب على القانون أن يدعم ضحايا العنف بالاعتراف بعدد من الحالات المسكوت عنها، والتشجيع على الحديث علنًا دون وصمٍ أو تمييز. وتُشير إلى أن القانون، بمفهومه الحالي، لا يزال غير حساس تجاه قضايا النوع الاجتماعي، ولا يُعزز مناخًا آمنًا للبوح والإبلاغ، بل يسهم في مقاومة هذه الشكاوى وإخمادها عبر وصم المجني عليهن/م.

أما على صعيد الجهود غير الرسمية، فترى نيفين أن اللجوء إلى لجان التحقيق المستقلة قد لا يوفر الردع الكافي لغياب التوافق على مخرجاتها، إذ تظل هذه اللجان ضعيفة رغم استقلاليتها، والمجتمع المدني، رغم انحيازه لمكافحة العنف، لا يشجعها باعتبارها خارج نطاق القانون، ما يُضعف تأثيرها.

تقول: “العمل الثقافي والفني يفتقر إلى هيكلة واضحة، حيث تغيب ساعات العمل المحددة والنظم المؤسسية، فلا توجد إدارات شؤون عاملين أو آليات شكاوى فاعلة، ما يُبقي العاملين دون حماية”. وتدعو نيفين إلى ضرورة هيكلة هذه المجالات لضمان بيئة عمل آمنة تحترم الحقوق، وتشير إلى أهمية توثيق الشهادات ونشرها في المؤسسات النسوية، ما يجعلها علامة للتاريخ وجسرًا لحماية الأجيال اللاحقة من مثل هذه التجاوزات.

التحديات القانونية والتأديبية 

يقول المحامي الحقوقي أحمد راغب، لـ فكّر تاني: “يواجه المتهمون بقضايا التحرش مسارين للمحاسبة؛ الأول هو المسار القضائي الجنائي، الذي يعاني من صعوبات جمة في إثبات الجريمة، إذ يتطلب من الضحايا تقديم بلاغات رسمية تدعم القضية، وهو ما قد يتعذر على كثيرات لظروف خاصة تتعلق بقدرة المجني عليهن على اتخاذ هذا الإجراء”.

وفي ظل غياب البلاغات، تظل مسألة الإثبات الجنائي محل شك، ما يحول دون أن تقضي المحاكم الجنائية لصالح المدعيات. 

أما المسار الثاني، فهو التأديبي أو المهني، ويعتمد على الجهة المهنية التي ينتمي إليها المتهم. وفي هذه الحالة، تقع المسؤولية على عاتق النقابة أو المؤسسة المهنية، التي يجب عليها التحقيق في سلوك المتهم ومحاسبته وفقًا لسياسات سلوك مهنية واضحة ومستقلة عن المسار الجنائي. 

أحمد راغب
أحمد راغب

فمن المفترض، بحسب راغب، أن يكون للمسار التأديبي دور مختلف، إذ يتطلب من النقابة أو جهة العمل تقييم الأفعال الضارة وسوء السلوك بغض النظر عن وجود شكوى جنائية، وذلك من منطلق شروط الانضمام أو الاستمرار بالمهنة المنصوص عليها في قانون العمل. وتلتزم هذه الجهات بوضع سياسات واضحة ومحددة للتعامل مع حالات التحرش في أماكن العمل، حتى لو لم تُتخذ إجراءات جنائية ضد المتهم.

ويؤكد راغب أن الحاجة تتزايد إلى تفعيل آليات حماية للشهود والمبلغين، وتطوير قواعد الإثبات الجنائي، بحيث يتمكن الضحايا من الوصول السريع للعدالة، وتُحفظ حقوق المتهمين على حد سواء.

وبالعودة لسؤال التقرير الرئيسي، الدكتورة سامية قدري، أستاذة ورئيسة قسم علم الاجتماع الأسبق بكلية البنات بجامعة عين شمس، تقول لـ فكّر تاني، إن جزءًا من الثقافة المصرية يميل إلى النسيان بسرعة، مثلما يقال “زوبعة في فنجان”، فالناس تتحدث وتكتب حول القضايا، ثم ينشغلون عنها بمرور الوقت، وهذه سمة واضحة في الثقافة والشخصية المصرية، إذ نبدأ بالاهتمام والحماس الشديد ثم ننصرف عنها.

الدكتورة سامية قدري
الدكتورة سامية قدري

وتضيف: “هناك حساسية مجتمعية تجاه قضايا التحرش والعنف الجنسي، بسبب الخوف من الوصم، فتخشى النساء أن يعرف المجتمع أنهن تعرضن للتحرش والاعتداء، وهذا الخوف يدفع الكثيرين للتراجع عن الإبلاغ أو الملاحقة القضائية للجناة”. 

وتشير سامية إلى نظرة المجتمع للمرأة، وخاصة من تعرضت للتحرش، بنظرة ملؤها اللوم، ويحملها مسؤولية ما حدث، وغالبًا ما يكون السؤال المطروح هو: “ماذا كانت ترتدي؟ أو أين كانت؟”، وتؤكد: “ما يدفع النساء للسكوت خوفًا من الاتهام الاجتماعي وفي نفس الوقت، يظل الجاني في الظل، بانتظار أن تهدأ الأمور ليعاود أفعاله”.

وتوضح الدكتورة سامية قدري: “إذا كانت مثل هذه الممارسات تبدو جزءًا من تركيبته الفكرية والسلوكية فمرتكب هذه الأفعال بالضرورة يُعاني من مشكلات نفسية كبيرة”.

وتابعت الدكتورة سامية أن المشكلة في الاستدامة، فمعظم ردود الأفعال تكون وقتية، ثم تتلاشى ولا يكون هناك استمرارية في الردع أو الفضح أو في تحريك القضايا، مشيرة إلى أن القانون يظهر بقوة في بداية الأزمة، ثم يعود للتراخي بمرور الوقت. 

وتؤكد: “لدينا قوانين لمكافحة التحرش، لكن التطبيق الرادع غير كافٍ، والدليل معاودة وتكرار هذه الجرائم”.

“قبل ثورة 25 يناير، كان الخطاب الديني يلقي باللوم على المرأة ويعتبرها سببًا للعنف الموجه ضدها، أما اليوم، فقد تغيرت هذه النظرة بعض الشيء، لكن أثر الثقافة القديمة لا يزال قائمًا في التعامل مع المرأة باعتبارها جسدًا يجب حجبه، ويرى البعض أنها السبب الأساسي في التحرش”. 

ومن هنا، توضح قدري، يصبح من الضروري تغيير الخطاب الديني والإعلامي ليعكس صورة إيجابية، كما اقترحت تطبيق عقوبات علنية، كالفضح في الأماكن العامة، أسوة بما يحدث في بعض الدول.

وتؤكد أن القوانين تتغير استجابة لتوجهات الرأي العام، وهذا أمر طبيعي، مشيرة إلى أن المجتمع في المرحلة الحالية بحاجة إلى الاستقرار والتركيز على بناء الإنسان والتنمية المستدامة، ما يتطلب من القوانين أن تواكب التغيرات الاجتماعية.

واختتمت حديثها: “إذا أردنا تحقيق إصلاح حقيقي، فيجب اقتلاع الفكرة من جذورها، وأن نغير النظرة الدونية تجاه المرأة كخطوة أساسية نحو تغيير السلوكيات”.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة