Home من الشارع “فأما اليتيم”.. فتيات “الشمس المشرقة” من الدار للنار

“فأما اليتيم”.. فتيات “الشمس المشرقة” من الدار للنار

0
1645
سنية:أمس أكلنا خبزًا وجبنًا، وراضيات الحمد لله، لكنهم يريدون تفريقنا عن بعض.
سنية:أمس أكلنا خبزًا وجبنًا، وراضيات الحمد لله، لكنهم يريدون تفريقنا عن بعض.

“دلوقتي أنا واحدة يتيمة يعني مليش حد، بكره ولا بعده لما واحد يجي يطلب إيدي هيطلبها من مين؟ مين هيأكلني ولا يشربني ولا يصرف عليا؟ محدش عاش عيشتنا فمحدش يحكم من المظهر.. لكل فعل رد فعل جربوا عيشوا عيشتنا وحد يسرقكم وينهب فلوسكم ومش بيأكلونا ولا يشربونا ودراستنا واقفة عشان مدفعوش الفلوس.. ليه؟ احنا ايه ذنبنا؟ دي حاجه احنا مخترنهاش يا ناس”.

في 25 أكتوبر الماضي، كتبت نجاة سعيد هذا المنشور تحت هاشتاج #لا_لخروج_فتيات_مؤسسة_الشمس_المشرقة عبر حسابها الشخصي على “فيسبوك“، وهي إحدى فتيات دار “الشمس المشرقة” لرعاية الأيتام في مدينة الأقصر، الذين طالبتهم الإدارة بمغادرة الدار إلى شقق متفرقة، تفعيلًا لمشروع تأهيل الشباب للاعتماد على النفس “الحياة بعد 18″، ويستهدف تعزيز الاستقرار والدمج المجتمعي للشباب الأيتام، وفق المعلن رسميًا.

مشروع “الحياة بعد 18”

في أواخر العام الماضي، أطلقت جمعية “وطنية” بالشراكة مع وزارة التضامن الاجتماعي، مشروع “الحياة بعد 18“، بغرض تمكين الشباب الأيتام من الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي وإدماجهم في المجتمع، وفق ما أعلن رسميًا وقتها، تفعيلًا لتوجيه رئيس الجمهورية بزيادة دعم الأيتام وتسهيل إجراءات الكفالة.

تضمن هذا المشروع عدة محاور، شملت:

  • تغطية المصروفات التعليمية وتسهيل إصدار بطاقات الرقم القومي.
  • تقديم بطاقات تموين وتأمين صحي ودعم مالي شهري.
  • تطوير المواهب في مجالات مختلفة، مثل التصوير والكتابة والفنون.
  • إطلاق حقيبة دليل “التأهيل والاستقلالية”.
  • توفير وحدات سكنية مفروشة للشباب فوق سن 21 عامًا.

وهنا تكمن أزمة نزلاء دار “الشمس المشرقة” لرعاية الأيتام في مدينة الأقصر، الذين تعرضوا -وفق إفاداتهم- لممارسات قمعيّة استهدفت “طردهم جبرًا”.

دار أيتام الشمس المشرقة (صفحة الدار بفيسبوك)
دار أيتام الشمس المشرقة (صفحة الدار بفيسبوك)

تقول جيجي سمير، وهي إحدى نزيلات الدار وأول من نشرت عن الأزمة في أكتوبر الماضي عبر حسابها على “فيسبوك”: “هذا المنشور هو الأمل الأخير لي ولإخوتي الـ65 قبل أن يفرقونا. منذ شهر ونحن محرومون من الطعام والشراب والتعليم وكافة المصاريف، نحن نعيش بدون معرفة أسمائنا الحقيقية ولا نعلم شيئًا عن أهلنا، ولكننا نعرف أننا إخوة فقط”.

الدار التي تضم 66 نزيلًا بينهم 28 فتاة، بدأت نشاطها في الأقصر منذ عام 2006، وكانت تحت إدارة أجنبية قبل أن تخضع للإشراف المصري، بالتعاون مع وزارة التضامن ومحافظة الأقصر، قبل أن تتحول من الإشراف الأجنبي إلى المصري منذ عام 2015.

منذ ذلك التاريخ، تعرضت الدار لتقليص الدعم، الذي أدى إلى قصر الوجبات على وجبة واحدة يوميًا ومخصصات شهرية متواضعة تصل أحيانًا إلى 300 جنيه فقط، وفق شهادة “جيجي”، التي تحدثت عن ممارسات جبرية تنفذها الإدارة لإخراج النزلاء إلى شقق متفرقة، حيث سيحصل القاصرون فقط على دعم مالي، بينما يُترك من تجاوز سن الرشد لخوض حياة مستقلة، تقلق الفتيات على وجه التحديد، فيما يخص دخولهن، فضلًا عن ابتعادهن عن شقيقاتهم وأشقائهن الذي اعتادوا المعيشة معهم طوال السنوات الماضية.

الأيتام في أرقام

وفق الأرقام الحكومية لعام 2023، يُقدر عدد الأيتام في مصر نحو 1.4 مليون طفل. يتوزع هؤلاء الأطفال بين من فقدوا الأب بنسبة 70%، أو الأم بنسبة 27%، بينما يمثل الأيتام الذين فقدوا كلا الأبوين نسبة 3% فقط.

وتشير البيانات إلى انخفاض عدد مؤسسات رعاية الأيتام من 524 مؤسسة عام 2021، كانت تحتضن نحو 10.5 آلاف طفل، إلى نحو 440 مؤسسة فقط في 2023. وفي المقابل، شهدت أعداد الأسر الكافلة ارتفاعًا ملحوظًا، حيث وصل العدد إلى 17 ألف أسرة، مع زيادة نسبة الأطفال المكفولين عن عدد الأطفال في مؤسسات الرعاية بنسبة 28%.

كما تلفت البيانات الرسمية إلى أن الأيتام في مصر يحصلون على دعم سنوي قدره 1.75 مليار جنيه، فيما يذهب نحو 5% من الدعم النقدي لبرنامج “تكافل وكرامة” لدعم الأيتام. ويتولى المجتمع المدني رعاية حوالي 20% من إجمالي الأيتام في مصر، مما يعكس مساهمة مهمة لدعم الأطفال الأيتام.

دار أيتام الشمس المشرقة (صفحة الدار بفيسبوك)
دار أيتام الشمس المشرقة (صفحة الدار بفيسبوك)

الأيتام في القانون

تنص المادة 80 من الدستور المصري على “يُعد طفلًا كل من لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره، ولكل طفل الحق في اسم وأوراق ثبوتية، وتطعيم إجباري مجاني، ورعاية صحية وأسرية أو بديلة، وتغذية أساسية، ومأوى آمن، وتربية دينية، وتنمية وجدانية ومعرفية. وتكفل الدولة حقوق الأطفال ذوي الإعاقة وتأهيلهم واندماجهم في المجتمع.

تلتزم الدولة برعاية الطفل وحمايته من جميع أشكال العنف والإساءة وسوء المعاملة والاستغلال الجنسي والتجاري. ولكل طفل الحق في التعليم المبكر في مركز للطفولة حتى السادسة من عمره، ويُحظر تشغيل الطفل قبل تجاوزه سن إتمام التعليم الأساسي، كما يُحظر تشغيله في الأعمال التي تعرضه للخطر.

كما تلتزم الدولة بإنشاء نظام قضائي خاص بالأطفال المجني عليهم والشهود. ولا يجوز مساءلة الطفل جنائيًا أو احتجازه إلا وفقًا للقانون وللمدة المحددة فيه، وتوفر له المساعدة القانونية، على أن يكون احتجازه في أماكن مناسبة ومنفصلة عن أماكن احتجاز البالغين. وتعمل الدولة على تحقيق المصلحة الفضلى للطفل في كافة الإجراءات التي تُتخذ حياله”.

تمكين أم ترحيل بالعافية

سنية، البالغة من العمر 21 عامًا، واحدة من فتيات دار “الشمس المشرقة”، تروي لـ “فكر تاني” تجربتها في هذا المكان الذي نشأت فيه منذ ولادتها بعد فقدان والديها.

تقول: “ترعرعت في هذه الدار وعشت كل ذكرياتي هنا. رغم أننا فقدنا الأهل، إلا أن الدار قدمت لنا الدعم والأمان. لكن الآن، يُطلب منا مغادرتها بعد بلوغنا السن القانوني، بحجة نقلنا إلى شقق أفضل في مدينة طيبة، التي تبعد 14 كم عن الأقصر. لماذا علينا الانتقال إلى تلك الشقق إذا كانت هناك بالفعل شقق سكنية في كومباوندات كما يُدعى؟”.

تتحدث سنية عن أساليب الضغط التي تتعرض لها وزميلاتها في الدار، مثل تقليص توفير الطعام والشراب، وتأخير دفع مصاريف الجامعات، إضافة إلى تهديدات بقطع المياه والكهرباء إن لم يوافقن على مغادرة الدار. وتضيف: “لا يكفي أنهم لا يهتمون بنا، حتى الطعام أصبح غير كافٍ. أمس أكلنا خبزًا وجبنًا، وراضيات الحمد لله، لكنهم يريدون تفريقنا عن بعض. لماذا؟ ماذا فعلنا؟ كانت الأيام أفضل عندما كانت الدار تحت رعاية الأجانب، فقد كان هناك رعاية واهتمام، تعليم على أعلى مستوى، وطعام وملابس جميلة”.

تستعرض سنية الفارق بين فترة رعاية الأجانب والمرحلة الحالية تحت إشراف وزارة التضامن الاجتماعي، حيث لا تستطيع بعض زميلاتها إتمام دراستهن الجامعية بسبب عدم دفع المصاريف. وتقول: “تأخروا علينا هذا العام، وهذا ظلم.”

كما تؤكد سنية أنه لا توجد شقق سكنية في مدينة طيبة كما تزعم الحكومة، مستشهدة بكلام محامي في المدينة الذي قال إن هذا الكلام غير صحيح، مؤكدًا أن لا أحد سيغادر الدار. وتضيف: “لا نريد المغادرة، فهذه الدار منحتنا إحساس العائلة والأمان، ولن نتركها مهما حدث.”

مثلها، اضطرت جنة (اسم مستعار)، خريجة تجارة من دار الشمس المشرقة، وشقيقها لمغادرة الدار بعد بلوغ السن القانوني، أكدت أن العديد من دور الأيتام في مصر ستغلق وفقًا لخطة وزارة التضامن الاجتماعي لعام 2022.

وأوضحت أنه لا يوجد موظفون في الدار بسبب عدم دفع رواتبهم، والذين ما زالوا موجودين هناك يفعلون ذلك حبًا للفتيات ورغبة في عدم تركهنّ.

تقول جنة: “الموظفون لا يتقاضون رواتبهم، ونحن نعاني منذ شهر ولا نعرف السبب. نريد البقاء هنا كما هو الحال مع أي شخص في سننا، حيث يبقى مع أهله في المنزل الذي عاش فيه طوال حياته”. وهي تعرب عن أملها في أن يتراجع المسؤولون عن هذا القرار، وتمنت أن يكون ما تعيشه الآن مجرد كابوس سينتهي قريبًا.

كيف ردت التضامن على فتيات “الشمس المشرقة”؟

لم يتثن لمنصة” فكّر تاني” من التواصل مع وزارة التضامن الاجتماعي أو لجنة الإعلام التابعة لها، إلا أنه في 26 أكتوبر الماضي، صرح محمد حسين، وكيل وزارة التضامن الاجتماعي بالأقصر، لوسائل إعلام محلية، قائلًا: “توفر الدولة وحدات سكنية لمن تجاوزوا السن القانوني؛ وفقًا لخطة الرعاية اللاحقة، لكن الأطفال دون ذلك السن ما زالوا في رعاية دور الأيتام”.

وأضاف: “هناك 65 وحدة سكنية تم تجهيزها على أعلى مستوى بمدينة طيبة، بالتعاون مع شركة التمويل العقاري بالأقصر، كما سيتم توفير فرص عمل لهم”.

وأبدى اندهاشه من رفض الفتيات الانتقال للوحدات البديلة، فقال: “وفرت الدولة وحدات سكنية بالمجان؛ لتسهيل المعيشة عليهن، فالدولة تقوم بتكريمهن ووضعهن في شقق سكنية مُجهزة على أكمل وجه، ومكان آدمي لا يقل عن الدار. تسعى الدولة إلى جعل هؤلاء الفتيات والشباب يعيشون حياة أفضل؛ فلماذا رفض توفير سُبل الحياة المعيشية؟”، مشيرًا إلى تفعيل هذا القرار على مستوى محافظات جمهورية مصر العربية كلها.

نفسيًا.. هل من حل بديل؟

تؤكد الدكتورة سامية قدري، أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، على ضرورة تقديم الدولة رعاية مضاعفة للفتيات اليتيمات، خاصة من خلال دعم مؤسسات المجتمع المدني.

وتعتبر أن هذه الرعاية يجب أن تكون إنسانية بالدرجة الأولى، وليس مادية فقط، نظرًا لفقدانهن الأسرة التي كان من المفترض أن تُؤهلهن وتنشئهن تنشئة سليمة. وتضيف -في حديثها لـ “فكر تاني”، أن معظم حالات الانتهاكات التي تحدث في دور الأيتام تكون نتيجة لغياب النزعة الإنسانية لدى القائمين على هذه الدور، بالإضافة إلى نقص الرعاية العاطفية والإنسانية التي تلبّي احتياجاتهن قبل المادية.

وتدعو الدكتورة سامية إلى تدريب الأخصائيين النفسيين الذين يتعاملون مع الفتيات الأيتام تدريبًا متكاملًا وواعيًا، على أن يكون هذا التدريب مدفوعًا من قبل الدولة وليس تطوعيًا. وتذكر أن دور الأيتام يجب أن يكون بمثابة أسر بديلة، تساهم في منحهن الأمان والحب، وهو ما يعد جوهريًا لمساعدتهن على تجاوز محنة فقدان الوالدين والعائلة.

وفيما يتعلق بتطور أوضاع دور الأيتام في مصر، تشير إلى التحسن الملحوظ في بعض الدور، لكنها أكدت أن النظام يحتاج إلى إعادة هيكلة شاملة للتصدي للمشكلات السلبية مثل الانتهاكات، ولجعل هذه الدور أكثر إيجابية.

وعن فكرة نقل الفتيات عند بلوغهن السن القانونية إلى حياة مستقلة، تؤكد الدكتورة سامية أن هذه الفكرة لا تلقى قبولًا في المجتمع المصري بشكل خاص، والمجتمعات الشرقية بشكل عام، مشيرةً إلى نظرة المجتمع الدونية للفتاة التي تعيش بمفردها أو التي لا تمتلك أسرة، وهو أمر يزيد من مخاوف الفتيات عند خروجهن من دور الأيتام.

وترى الدكتورة سامية الحل في إيجاد أسر بديلة لهؤلاء الفتيات بدلًا من تركهن للعيش بمفردهن، وتطالب بإجراء العديد من الدراسات البحثية حول دور الأيتام في مصر، موضحة أن الحياة في هذه الدور مليئة بالتحديات، مثل ضعف الأنشطة التي يتم توفيرها للفتيات، والعلاقات النفسية المشوهة بينهن بسبب تجاربهن منذ الطفولة. وأشارت إلى الممارسات السلبية من بعض الأخصائيين التي قد تساهم في استغلال الفتيات، داعيةً إلى تعاون الجميع من أجل تطوير هذه المنظومة، لضمان تحسين أداء هذه الدور وتوفير بيئة رعاية حقيقية للفتيات الأيتام.

قرارات التضامن لحل الأزمة

وقبل أسبوع، استقبل محافظ الأقصر المهندس عبد المطلب عمارة، وفدًا رفيع المستوى من وزارة التضامن الاجتماعي، برئاسة الدكتور وائل عبد العزيز رئيس الإدارة المركزية للرعاية الاجتماعية، ومحمد كمال حجاجي رئيس الإدارة المركزية لشؤون المديريات، وعلاء عبد العاطي مدير الرعاية المؤسسية والأسرية، وعدد من الأخصائيين الاجتماعيين، لمناقشة حل مشكلة أبناء وبنات دار رعاية “الشمس المشرقة”.

وأوضح علاء عبد العاطي، في تصريحات لوسائل إعلام محلية، أن توجيهات الدكتورة مايا مرسي جاءت بعد بحث تفاصيل الأزمة الخاصة بأبناء دار “الشمس المشرقة”، وتم اتخاذ عدة إجراءات بالتعاون مع مديرية التضامن الاجتماعي بالأقصر.

وشملت تلك الإجراءات:

  • تجهيز 31 وحدة سكنية بمدينة طيبة، تم تسليم 16 منها جاهزة للسكن للأبناء والبنات المستحقين.
  • توفير خدمات تعليمية وصحية وتغذوية.
  • تقديم إعاشة شهرية لكل ابن وابنة عبر “فيزا كارت” تصدرها الوزارة.
  • تحويل أبناء دار “الشمس المشرقة” من الذكور إلى الوحدات السكنية كجزء من الرعاية اللاحقة تحت إشراف مديرية التضامن الاجتماعي.

أما بالنسبة لدار “الشمس المشرقة” للبنات، فقد أكّد عبد العاطي أنها لا تزال تعمل وتواصل تقديم الرعاية لـ23 فتاة. كما تم إغلاق “البيت الصغير” الذي كان يضم 4 أبناء، وتم نقلهم إلى مؤسسة تابعة للوزارة بمحافظة الجيزة.

NO COMMENTS

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here