تصوير - روان سعيد
على المائدة طبق من الفول المصري، جاورته قطع من الفلافل السورية، انتصفت بينهما تمامًا شرائح من جبن الدويم السودانية، ولا مانع من بضع حبات طماطم، وأرغفة لا تزال تقاوم دايت تخفيف وزنها وحمل ارتفاع أسعارها. "سفرتنا دي حاجة نقدر نقول عنها إنها بتمثل الوحدة العربية اللي مش لاقينا في الحقيقة"؛ قالت وابتسامة خجلى رسمت ملامح مُزجت بشيء من حزن على ما آلت إليه حال البلدان العربية.
اعتادت "سماح" أن تجعل صباحات الإجازات مميزة بفطور عائلي يلُم شمل أسرتها حول مائدة واحدة. مائدة تجمع مطابخ عربية مميزة يستحق أهلها السُكنة والسلام بعيدًا عن نيران الصراعات والعدوان.
يوميًا، تُرسل ابنها الصغير "خالد" إلى المطعم السوري الذي اُفتتح حديثًا في حارتهم بمنطقة السيدة زينب، ليشتري الفلافل السورية.
أصبحت هذه الفلافل الشامية جزءًا لا يتجزأ من طقوس إفطارهم. "أول ما شميت ريحتها عجبتني، ومن بعد ما جربتها حسيت إنها لازم تبقى دايمًا على سفرتنا"؛ تشرح "سماح" لمنصة "فكر تاني" كيف عشقت الأكل السوري "من أول شمة"؛ كما تقول.
كما والدته، لـ"خالد" عشق يجره يوميًا إلى محل صغير في أحد الزوايا، يملكه رجل سوداني مريح الطباع، يبيع منتجات الألبان السودانية الأصيلة دومًا بابتسامة جد حنون، تزيدها أصالة رائحة المنتجات الطازجة.
يعلم هذا السوداني العجوز طلب "خالد": جبن الدويم، وقد صار عنصرًا رئيسيًا في مائدة أسرة الطفل الصغير، ومصدرًا لتخفيف آلام الاغتراب عن مسن يرضيه أن بضاعته مطلوبة وستجد مكانًا دائمة على مائدة عائلة مصرية تحب أكل السودان، وباتت تعرف ليس فقط الجبن الدويم وإنما البامية المفروكة، والعصيدة، وغيرها من الأطباق السودانية المتنوعة والأصيلة.

اقرأ أيضًا: النسبة المفقودة في أعداد اللاجئين بمصر
أعداد اللاجئين في مصر
تتضارب الأرقام الرسمية في مصر عن أعداد اللاجئين مع المسجل لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR). فوفق السفير وائل بدوي، نائب مساعد وزير الخارجية لشئون الهجرة واللاجئين ومكافحة الاتجار بالبشر، تستضيف مصر أكثر من 10 ملايين مهاجر ولاجئ وطالب لجوء، يشكلون نحو 8.7% من إجمالي السكان، حسب تصريحات رئيس الحكومة مصطفى مدبولي في أبريل الماضي.
بينما تحددهم مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بأكثر من 792,783 لاجئًا وطالب لجوء مسجل لديها من 62 جنسية، تتصدرهم الجنسية السودانية اعتبارًا من أكتوبر 2023، وتليها الجنسية السورية.
وتشير الأرقام المصرية إلى لاجئين مما يقرب من 133 دولة، بنسبة 50.4% ذكور، و 49.6% إناث، تأتي غالبية هؤلاء من السودان وسوريا، تليهم أعداد أقل من دول جنوب السودان وإريتريا وإثيوبيا واليمن والصومال والعراق وليبيا. ويضاف إلى ذلك مؤخرًا الفلسطينيون الذين تمكنوا من الهروب العدوان الإسرائيلي على غزة.
الخبز السوداني.. عيش المصريين
الخبز في حياة المصريين جزءًا أصيلًا من مكونهم الثقافي والفلكلوري، وهو الحياة، ورمز ثورتهم، يسمونه العيش، ويرتبط لديهم بمفهوم الحياة والبقاء. لذا، فإن إقبالهم على الخبز السوداني الأبيض له رمزية كبيرة.
يؤكد هذه الرمزية "ربيع" الذي فر مع أسرته من السودان إلى مصر بعد فترة قصيرة من اندلاع المعارك. يقول في حديثه لـ"فكر تاني": "الخبز السوداني مثل الكَسرة المصنوعة من الذرة أو القمح، والقراصة التي تتميز بسُمكها وتصنع من دقيق القمح باتت أساسية على موائد كثير من المصريين.. لا أعلم لماذا، لكن هذا جيد".
بالإضافة إلى الخبز، بدأت المطاعم السودانية في الانتشار بمصر، وعرف المصريون أطباقًا أخرى نالت إعجابهم، مثل الشية، وهي لحوم حمراء متبلة تُشوى على الفحم أو الصاج الساخن، واللحم المجفف المُعد تحت أشعة الشمس أو بالتدخين، ويُقدّم عادة مع الكسرة أو الويكة، وكذلك الكمونية، وفطيرة الكوارع وكبدة الإبل التي تُؤكل نيئة مع شرائح البصل والكثير من التوابل والشطة الحارة، والعصيدة والقراصة والتقلية، حيث تلعب التوابل دورًا رئيسيًا.
وتشكل الجالية السودانية، بما يشمل المقيمين والنازحين الجدد، أكثر من نصف عدد المهاجرين في مصر. وقد أدى هذا التدفق الكبير للسودانيين منذ اندلاع الحرب الأخيرة إلى ضغوط كبيرة على مكاتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في القاهرة والإسكندرية.
تتلقى المفوضية حوالي 3 آلاف طلب لجوء يوميًا، مما أدى إلى زيادة عدد السودانيين المسجلين لديها إلى 300 ألف، أي خمسة أضعاف ما كان عليه الوضع سابقًا. ويشكل السودانيون المسجلون لدى المفوضية 52% من إجمالي اللاجئين في مصر حتى أبريل الماضي.
هل لنا من فسحة يمنية؟
في قلب منطقة المهندسين بمحافظة الجيزة، وعلى أطراف شارع لبنان، يتشارك أحمد يونس مع 6 من زملائه في شركته للمونتاج وجبة الغداء اليومية، التي اعتادوا أن يطلبوها من أحد المطاعم اليمنية في المنطقة.
"بنعشق الفحسة، سواء كانت بلحم الشاه أو البقر، بيحطوا عليها حلبة كده بتودي الطعم في حتة تانية.. بصي الحقيقة في أكل كتير حلو عندهم زي سحاوي الجبنة والسحاوي الأحمر والبسباس ومرق اللحم.. الحاجات دي سوى بتحسسنا بمتعة في الأكل.. ما بيبقاش مجرد أكل وخلاص"؛ يقول "يونس" لـ"فكر تاني".
"الفسحة" واحدة من أكثر الأطباق شعبية بين اليمنيين التي يعتبر غيابها عن مائدتهم نقصًا لا يعوضه طبق آخر، وتتميز بأسلوب طهي فريد، حيث يُعد اللحم على درجة حرارة عالية مع مرق خاص مضافةً إليها توابل يمنية غنية والثوم والفلفل الحار، وتقدم في الطاجن اليمني الشهير المعروف بـ "الحرضة"، مع الخبز اليمني المقرمش المصنوع من طبقات العجين المدهون بالزبدة، الذي يُعد في الفرن التقليدي اليمني المصنوع من الحطب، المعروف بالتنور.
يحكي يونس كيف أقنع زوجته بقوة النكهات في الطعام اليمني حتى قررت أن تخوض التحدي، وفق تعبيره.
قرأت الزوجة عن الزعفران، والهيل، والقرفة، والبهارات الأخرى التي تشكل قلب المطبخ اليمني. وأضافت لمستها الخاصة بتوابل مصرية مزجت فيها بين مطبخين في طبق واحد.
"في المحاولة الأولى دي كانت خايفة شوية. حطت الكمون المصري والكزبرة المطحونة وشوية توم وبصل زي ما بتعمل في أكلاتنا المصرية. النتيجة كانت خطيرة، وأكلنا أحلى طبق غني بالنكهات اللي جمعت بين دفء التوابل اليمنية وقوة المطبخ المصري. وبكده بقت الوجبات اليمنية جزء من مطبخنا"؛ يقول "يونس".
اليمن الذي لم يكن سعيدًا
في سبتمبر 2014، اندلعت حرب شرسة في اليمن بين الحكومة المعترف بها دوليًا وحركة أنصار الله "الحوثيين". غيّرت تلك الحرب ملامح البلاد، حيث توزعت السيطرة بين الأطراف المتنازعة على أجزاء مختلفة من اليمن. ومع تصاعد الصراع، فرّ مئات الآلاف من المدنيين إلى مناطق متعددة، بما في ذلك مصر.
ووفقًا لدراسة بحثية أعدتها الباحثة الفرنسية مارين بوارييه حول القاهرة كمركز للجغرافيا السياسية والاجتماعية اليمنية في الوقت الراهن، فإن عدد اليمنيين المقيمين في مصر شهد زيادة كبيرة في السنوات العشر الأخيرة.

وبحسب موظف في السفارة اليمنية بالقاهرة، ارتفع عددهم من 100 ألف في عام 2014 إلى 500 ألف بحلول عام 2019. كما أكد مصدر في البرلمان اليمني أن عدد اليمنيين المقيمين في مصر تجاوز 800 ألف بحلول عام 2020.
مع مرور الوقت، تشكلت جالية يمنية كبيرة في شوارع القاهرة الكبرى، وخصوصًا في المناطق القديمة. وأصبحت المطاعم اليمنية جزءًا لا يتجزأ من مشهد المدينة، حيث اكتسبت شعبية واسعة، خاصة في منطقة الدقي، التي باتت معروفة بنكهات المطبخ اليمني المميزة.
وقد أحب المصريون هذه الأطباق، وأصبحت المطاعم اليمنية وجهة مفضلة للكثيرين، ما دفعها إلى منافسة المطاعم المصرية. كما بدأت هذه المطاعم بإدخال بعض الأكلات المصرية المحببة التي لاقت استحسان اليمنيين.
"شادن".. شامية في سكن الطالبات
في إحدى شقق سكن الطالبات في أكتوبر، كانت "بسملة" تشعر بالفضول بشأن شادن؛ زميلتها السورية التي تشاركها الغرفة.
كانت شادن في الفرقة الرابعة بكلية طب الأسنان، تحمل معها تراثًا ثقافيًا غنيًا، وقررت أن تشارك صديقاتها هذا التراث من خلال واحدة من أعظم طرق التعبير: الطعام.
في حديثها لـ "فكر تاني"، تقول بسملة: "في كل مرة شادن بتحضر فيها الأكل، بتكون مليانة حماس. بتشمر كمامها وتجهز البهارات تحسي إنها بتحتضن الحاجة بإيديها كده ومستمتعة باللي بتعمله، وبعدين تقعد تشرح لنا خطوات التحضير. كلنا بنقف قدامها والفضول يتملكنا في كل مرة تكشف فيها سر من أسرار الطعام السوري وبهاراتهه".
في الشتاء، تحب "بسملة" وصديقاتها وجبة البط بـ"طريقة شادن"، خصوصًا لو كان الطبق الجانبي من الأرز والبازلاء. "السر في البهارات"؛ تقول "بسملة"
"مع الجمال اللي بيحصل من شادن قررنا في السكن نحدد يوم للطبيخ. شادن علمتنا الكبة والسمبوسك والأوزي. وعلمناها الملوخية والمحشي المصري.. اليوم ده بالنسبة لنا يوم الفرح اللي بنتجمع فيه على طرابيزة مليانة من خيرات ربنا وجمال الوصفات".

من يمكنه مقاومة حلاوة السوريين؟
لم يخب ظن أبو حسن، الذي وصل إلى مصر واستقر بالإسكندرية، في أن مصر فرصة جديدة لأسرته الصغيرة بعد رحلة هروب شاقة من ويلات الحرب الأهلية في سوريا، خاصة وإن كانت هذه الفرصة في صناعة الحلويات.
"المصريون يحبون الحلاويات السورية وأنا خبير بها"؛ يقول أبو حسن في حديثه لـ "فكر تاني"، الذي لا يخفي عشقه للإسكندرية ويعتبر أهلها سببًا في شهرة منتجاته وقصة نجاحه، حتى أصبح يقدم الحلويات لأحد أشهر محلات الحلويات بالمحافظة. "ساعدني أن استقبال المصريين للحلويات السورية كان ممتاز، خصوصًا مع جودة المكسرات وطريقة صناعتها.. لا اختلاف كبير بين الحلويات المصرية والسورية، لكننا نُجيد إضافة نكهات جديدة أحبها المصريون".
ويرى أبو حسن أن اجتهاد السوريون حينما دخلوا السوق المصرية وتقديمهم أفكارًا خارج الصندوق لخلق مذاق مميز، هو ما مهد لهم هذه المساحة الجيدة من الإقبال المصري على منتجاتهم، مشيرًا إلى أن المصريين لديهم ذوق خاص في الطعام ولا يُقبّلون على شيء إلا إذا أعجبهم.
ويؤكد أبو حسن على أنه يسعى دائمًا لإضافة لمسات خاصة في طريقة التقديم والعرض، بعيدًا عن الشكل التقليدي، ويركز على تحسين المذاق، معتمدًا في ذلك على فلسفة المطبخ السوري في استخدام مكونات ذات مستوى منخفض من السكر، على عكس الحلويات المصرية التي تميل إلى الغنى بالسكر.
وفق أحدث تقرير للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مصر، وصل عدد السوريين المسجلين في مصر إلى 147,083 نسمة من إجمالي 293,556 غادر معظمهم سوريا بعد ثورة مارس 2011.
المقلوبة.. وسيلة تواصل فلسطينية
في أحد أحياء القاهرة الجديدة، اختارت "فلة" الفلسطينية مهنة الطبخ لتكون مصدر دخل لها وفرصة لتأسيس مشروع خاص، بعد نزوحها إلى مصر. لم يكن الطبخ بالنسبة لها مجرد عمل، بل وسيلة للتواصل مع الفلسطينيين النازحين في مصر، ثم مع المصريين أيضًا.
"مع مرور الوقت، بدأت ألحظ أن الطعام الفلسطيني لا يجذب فقط الزبائن الفلسطينيين، بل المصريين أيضًا.. كانت رائحة المأكولات تنتشر في أرجاء العمارة التي أسكن بها.. روائح المقلوبة، والمسخن، والكبسة الفلسطينية كانت تصل إلى كل زاوية في العقار، ومعها عرف الناس مطبخي وبدأت مشروعي".
"فلة" لم تكتفِ فقط بإعداد الطعام، بل أصبحت مستشارة طهي غير رسمية للجميع في الحي الذي تسكن، وهكذا وجدت الألفة بين جيرانها، ألفة كان بابها الطعام الفلسطيني وجودته، بداية من المقلوبة (الأرز - الدجاج - الحمص - الباذنجان أو القرنبيط)، مرورًا بالمنسف الأكلة الأردنية التي انتقلت إلى الثقافة الفلسطينية (لحم الخروف - لبن الجميد المصنوع من الحليب الرائب - اللوز المحمص - الصنوبر)، وصولًا إلى السماقية، التي يشتهر بها قطاع غزة، وتُحضر في المناسبات السعيدة والأعياد، وتعتمد في طبخها بشكل أساسية على السماق كتوابل مضافة إلى اللحم، والسلق، والحمص، والبصل، والطحينة.
وتستضيف مصر الآن أعدادًا كبيرة من الفلسطينيين تُقدر بعشرات الألاف، وفقًا لتصريحات السفير الفلسطيني في القاهرة، الذي أكد في يوليو الماضي، تمكن ما يصل إلى 100 ألف من سكان غزة من العبور إلى مصر، سواء عبر التنسيق الرسمي والاتصالات، أو من خلال الدفع لوسطاء غير رسميين. كما شمل ذلك المصابين بجروح خطيرة أو حالات مرضية حرجة، الذين تولت الحكومة المصرية رعايتهم لتلقي العلاج.