تتزايد حالات العنف ضد النساء في مصر بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، ما يثير النقاشات المجتمعية حول تأثير هذا العنف على الأمان المجتمعي وكفاءة الإجراءات القانونية في مواجهته، جرائم مثل مقتل نيرة أشرف أمام جامعة المنصورة، ومقتل سلمى بهجت، سلطت الضوء على خطورة العنف الذي تواجهه النساء في الأماكن العامة، وكيفية تعامل المجتمع والقانون مع تلك الجرائم.
تعاون الباحثين والسياسيين ضرورة لدعم قضايا المرأة
تُشير الباحثة كريمة أبو النور، عضو تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، في تصريحها لـ فكّر تاني، أن دور الباحثين يتمحور حول دراسة التحديات وتقديم حلول قائمة على الرصد والتحليل والتجريب. وأن اهتمامها الخاص بقضايا المرأة، تناقشه في رسالتها للدكتوراه التي تُركز فيها على دور المرأة كقائدة وفاعلة في المجال العام، وخاصة في المجال السياسي.
وتوضح أبو النور، أن التعاون بين الباحثين والسياسيين لدعم المؤسسات العاملة على قضايا المرأة أمر حيوي، مشيرة إلى أن الجميع، رجالًا ونساءً، يجب أن يدعم هذا التعاون لما فيه من نفع على المجتمع ككل.

وأكدت أبو النور، أن الهدف من المشاركة في الحوارات الوطنية لا يجب أن يكون فقط من أجل إصدار التشريعات، على الرغم من أن التشريعات تمثل قناة مهمة لإقرار قوانين عادلة إلا أن الحوار الوطني قد يُسهم في تحقيق تقدم في قضايا مثل الوصاية والتمييز.
وفيما يتعلق بقانون الإجراءات الجنائية.. “لدي أمل أن يشمل حماية خصوصية المرأة، وأدعو إلى تمثيل نسائي أكبر في البرلمان بنسبة لا تقل عن 35%، بما يتناسب مع إستراتيجية تمكين المرأة”.
وتحدثت عن تجربتها كامرأة في المجال السياسي.. “لم أُواجه تمييزًا داخل التنسيقية، لكن لاحظت وجود افتراضات مجتمعية متحيزة حول دوري كأم، وهو اتهام لا يُوجَّه للرجال”. وأكدت الباحثة كريمة أبو النور في ختام حديثها على أهمية التشبيك بين المجتمع المدني والسياسيين لتحقيق تقدم حقيقي.
جاء ذلك بعد أن نظمت مؤسسة المرأة الجديدة مؤتمرًا تحت عنوان “تقييم منظومة التشريع المصري في مناهضة العنف ضد المرأة” بالتعاون مع هيئة “دياكونيا”، الأسبوع الماضي، وتناول المؤتمر دور مجلس النواب القادم في تعزيز الحماية القانونية للنساء من العنف، وتسليط الضوء على الجهود المطلوبة لمواجهة هذه التحديات.
ومن أهم توصيات المؤتمر، الدعوة إلى ضرورة اتخاذ خطوات ملموسة لتطوير التشريعات القائمة، مع سن قوانين أكثر صرامة وشمولية تهدف إلى مكافحة كافة أشكال العنف ضد النساء، سواء كان جسديًا، جنسيًا، نفسيًا، أو اقتصاديًا.
والتأكيد على أهمية تبني تشريعات موحدة تغطي المجالات العامة والخاصة، مع تعزيز آليات التنفيذ لضمان حماية حقيقية للنساء في كافة القطاعات، ورفع وعي النساء بحقوقهن والقوانين المتاحة لحمايتهن من العنف.
كما تم التركيز على ضرورة دعم هذه القوانين بإجراءات وقائية، مثل تحسين البنية التحتية في الشوارع والمرافق العامة لضمان سلامة النساء، وتوفير ملاذات آمنة لضحايا العنف. كما تم الدعوة إلى تعزيز الوعي المجتمعي وتغيير اللغة المستخدمة في وسائل الإعلام حول قضايا العنف، نظرًا لدور الخطاب الإعلامي في مناهضة العنف ضد النساء.
وأن مسؤولية مجلس النواب القادم سوف تكون كبيرة في توفير إطار قانوني يحمي النساء ويضع مصر في مقدمة الدول التي تتخذ خطوات جادة في مكافحة العنف ضد المرأة.
الحركات النسائية والأحزاب
“إن الحركات والمنظمات النسائية لطالما سعت إلى انتزاع الحقوق عبر مختلف الوسائل، من خلال تقديم المقترحات وتنظيم الندوات والتوعية والضغط على الرأي العام”..تقول الدكتورة كريمة الحفناوي، القيادية بالحزب الاشتراكي المصري والجبهة الوطنية لنساء مصر لـ فكّر تاني.
وتؤكد الحفناوي على أهمية التواصل مع النواب لطرح قوانين تخص المرأة، وتؤكد في مثال على ذلك، ما واجهته النساء من تحديات خلال فترة حكم جماعة الإخوان المسلمين، ومحاولات الجماعة المستمرة في انتزاع مكتسبات حققتها النساء في الفترات السابقة، وإصرارهم على تعزيز ممارسات ضارة مثل زواج القاصرات والختان..

“فكان من الضروري في هذه المرحلة إدراك أهمية العمل المشترك للحفاظ على الحقوق المكتسبة بالفعل”، حيث أن القوى النسائية، بمشاركة المجتمع المدني والأحزاب والنقابات، لضمان وجود دستور يؤكد على حقوق المرأة والمساواة وعدم التمييز.
وتشير إلى أن ما نتج عن التعاون بين المجلس القومي للمرأة والمنظمات النسائية والقوى السياسية ينم عن تقدم كبير، خاصة خلال إعداد دستور 2014، حيث تضمنت المادة 11 منه حقوقًا واضحة للمرأة.
وتُفيد المادة 11 من الدستور المصري بما يلي:
“تكفل الدولة تحقيق المساواة بين المرأة والرجل فى جميع الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفقا لأحكام الدستور. وتعمل الدولة على اتخاذ التدابير الكفيلة بضمان تمثيل المرأة تمثيلاً مناسبا فى المجالس النيابية، على النحو الذي يحدده القانون،كما تكفل للمرأة حقها فى تولى الوظائف العامة ووظائف الإدارة العليا فى الدولة والتعيين فى الجهات والهيئات القضائية، دون تمييز ضدها. وتلتزم الدولة بحماية المرأة ضد كل أشكال العنف، وتكفل تمكين المرأة من التوفيق بين واجبات الأسرة ومتطلبات العمل. كما تلتزم بتوفير الرعاية والحماية للأمومة والطفولة والمرأة المعيلة والمسنة والنساء الأشد احتياجًا”.
وتضيف كريمة الحفناوي أن دور المجتمع المدني لا يجب أن يقتصر على تقديم الاقتراحات، بل يمتد إلى التأثير على صناعة القرار من خلال الضغط والتوعية، وتُشدد على أهمية تفعيل القوانين المتعلقة بالمرأة من خلال إرادة سياسية واضحة وتوعية العاملين بها.
وفيما يتعلق بالقوانين الاقتصادية، تقول الحفناوي: “التمييز في الأجور والترقيات لا يزال يمثل تحديًا كبيرًا، ولابد من تحقيق العدالة الاجتماعية وتوفير فرص عمل متساوية للجنسين”.
وتدعو الحفناوي، إلى ضرورة تحقيق العدالة الاجتماعية، بما في ذلك توفير فرص العمل العادلة وتساوي الأجور بين الجنسين، مشيرة إلى أن الفقر وتدهور الوضع الاقتصادي يؤديان إلى مشكلات مثل تسرب الفتيات من التعليم وزواج القاصرات.
مشروع القانون الموحد خطوة هامة لمكافحة العنف ضد النساء
تؤكد الكاتبة والباحثة شيماء طنطاوي، عضو مؤسس في مؤسسة “براح آمن”، في تصريحها لـ فكّر تاني، أن مشروع القانون الموحد لمكافحة العنف ضد النساء يمثل خطوة هامة، ليس فقط لكونه قانونًا شاملاً ورادعًا يحتوي على جميع التعريفات اللازمة، بل أيضًا لأنه يحدد إجراءات واضحة لضمان تنفيذه بشكل فعال. وأشارت إلى أن جمع جميع المواد القانونية المتعلقة بقضايا النساء في قانون واحد سيسهل التعامل مع هذه القضايا بفعالية، مؤكدة ضرورة تقديم توصيات حول الإجراءات الوقائية قبل التدخل القانوني، مثل إجراء الفحوصات الطبية في حالات العنف الجنسي، وتوفير الأمان والخصوصية للنساء في قضايا العنف الأسري.
وتؤكد طنطاوي: “يجب أن يشمل تعريفات شاملة للعنف، بما في ذلك العنف الأسري والاغتصاب الزوجي، مما سيسهم في رفع الوعي المجتمعي بمدى خطورة هذه الجرائم. واعتبرت أن التعامل مع هذه الجرائم باعتبارها سلوكيات مرفوضة ومنبوذة سيؤدي إلى تغيير الصورة المجتمعية تجاه العنف، خاصة العنف الأسري، وسيحول الوصمة الاجتماعية بعيدًا عن الضحايا إلى الجناة، مما يسهم في تقليل العبء النفسي على الناجيات”.

وتُشير إلى أن مواجهة العنف ضد النساء تتطلب وجود منظومة متكاملة تشمل الجوانب الطبية، الاقتصادية، المجتمعية، والقانونية، إلى جانب ضرورة إطلاق حملات توعوية وتدريبية على نطاق وطني واسع.
وترى طنطاوي: “أن التغيير السياسي لا يمكن أن يتحقق إلا بإرادة سياسية حقيقية تضمن اعتبار النساء مواطنات كاملي الحقوق بدون تمييز، وهو ما من شأنه أن يساعد على تجاوز القوالب النمطية والاعتراف بالواقع المعقد الذي تعيشه النساء في المجتمع”.
كما توضح أهمية وجود إرادة سياسية حقيقية لتحقيق تمثيل نسائي فعّال: “يجب تمثيل النساء تمثيلاً حقيقيًا في مواقع صنع القرار، فالنساء هن الأقدر على التعبير عن قضاياهن وتقديم الحلول المناسبة لها”.
وتؤكد طنطاوي على أن أول خطوة نحو حل حقيقي هي السماح بإجراء أبحاث دقيقة لرصد المشاكل بشكل واضح وشفاف، مما يتيح تقديم حلول مستندة إلى بيانات موثوقة.
أما عن تمرير مشروع القانون الموحد، فتقول: “المؤسسات النسوية والمجموعات الداعمة لحقوق النساء عملت على هذا المشروع لسنوات، وعقدت جلسات حوارية مع الجمعيات في جميع أنحاء مصر تقريبًا. ورغم أن بعض عضوات مجلس النواب تبنين المشروع وجمعن التوقيعات اللازمة لطرحه، إلا أنه لا يزال معطلاً، إذن، لماذا كل هذا التأخير؟”.
وتعتبر طنطاوي، أن غياب الإرادة السياسية هو السبب الرئيسي في تعطل المشروع، وتضيف: “لو كانت هناك إرادة حقيقية، لكان قد نوقش في البرلمان أو على الأقل تم تقديم بدائل من قبل الجهات المعنية”.
كما تنتقد طنطاوي أيضًا التأخر في تعديل قانون الأحوال الشخصية، الذي لم يتم تعديله منذ أكثر من 100 عام، رغم التغيرات الكبيرة التي طرأت على المجتمع.
“يشتكي الجميع من هذا القانون، نساء ورجال، فلم يتم تعديله إلى الآن؟! والإجابة على هذا السؤال تكمن في الاستماع إلى معاناة المواطنين داخل محاكم الأسرة”.
وتُسلط طنطاوي الضوء على تاريخ الحركة النسوية المصرية، مشيرة إلى ضرورة دراسة هذا التاريخ والاستفادة من تجارب النساء السابقات لتعزيز النجاحات وتحقيق نتائج أفضل في المستقبل. وتؤكد أن هذه الفترة تشهد تحديات كبيرة على الصعيدين الداخلي والخارجي، ما يعوق تنظيم المجموعات النسوية وتحويلها إلى حركة فعالة.
كما تُشير طنطاوي إلى أن غلق المجال العام يمثل أحد أكبر العوائق التي تحول دون قدرة الأفراد على تنظيم أنفسهم والتفاعل بحرية، موضحة أن الحركة النسوية جزء من الحركات الاجتماعية الكبرى والسياسية. وتابعت: “طالما ظل المجال العام مغلقًا، سيكون من الصعب تحقيق تأثير ملموس للحركات الاجتماعية”.
وتؤكد طنطاوي في حديثها مع فكّر تاني، على أن استمرار الوضع الحالي يزيد من تعقيد مهمة الدولة، داعية إلى فتح المجال العام وإتاحة الفرصة للمجتمع المدني للمشاركة في بناء ثقافة مجتمعية تسهم في تحقيق تغيير إيجابي يعود بالفائدة على المجتمع ككل، وليس فقط على النساء.
