اقتصاد الحرب.. ما الذي يعنيه “المصطلح الخطير”؟

أثار مصطلح “اقتصاد حرب” الذي أشار إليه الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، في خضم حديثه عن مخاطر توسع العدوان الإسرائيلي على لبنان حاليًا إلى حرب إقليمية، حالة من الجدل في الشارع المصري، بينما انقسم الخبراء حوله إلى ثلاثة فرق؛ أولها يرى أن الاقتصاد يعيش تلك الحالة بالفعل، وآخر يرى أن مدبولي خانه التعبير، وثالث متشائم يعتبر تصريح رئيس الحكومة مقصودًا للتمهيد لقرارات اقتصادية صعبة وشيكة.

في الأبجديات الاقتصادية الدولية، يشير مصطلح “اقتصاد الحرب” إلى تنظيم القدرة الإنتاجية والتوزيعية للدولة أثناء فترات الصراع، بإجراء تعديلات جوهرية على الإنتاج الاستهلاكي لاستيعاب احتياجات الإنتاج الدفاعي.

في تلك الحالة، يجب على الحكومات اختيار كيفية تخصيص مواردها بعناية شديدة، مع تلبية مطالب المستهلكين الأساسية. وقد تتخذ الحكومات تدابير للسيطرة على توزيع السلع والخدمات، خاصة السلع الغذائية، لمنع انفلات الأسعار أو استغلالها في تكوين مراكز احتكارية.

ماذا يقصد مدبولي باقتصاد الحرب؟

المتحدث باسم مجلس الوزراء محمد الحمصاني، قال إن الحكومة تقصد اتخاذها إجراءات استثنائية لمواجهة نقص سلاسل الإمداد حال نشوب حرب إقليمية بالمنطقة، بتوفير الموارد اللازمة لتوليد الطاقة، والاحتياجات الأساسية من خلال مخزون احتياطي استراتيجي قوي.

 

ولكن تصريحات المتحدث باسم مجلس الوزراء تجعل ما تقصده الحكومة بمصطلح “اقتصاد الحرب” بعيدًا تمامًا عن المفهوم سياسيًا واقتصاديًا منه، وفقًا للدكتورة عالية المهدي عميد كلية الاقتصاد سابقًا، التي تشير إلى الفترة التي عاشتها مصر خلال الفترة بين عامي  1967 و1973، وتعرف بها معنى “اقتصاد الحرب”.

الدكتورة عالية المهدي
الدكتورة عالية المهدي

وتوصف عالية المهدي تلك الفترة، لمنصة “فكر تاني”، فتقول إنها شهدت تناقصًا ببعض السلع، وكان المواطنين يحصلون عليها بالبطاقة. كما انخفضت كميات البنزين المتوفرة، واضطرت الدولة إلى السماح بملء السيارات ذات اللوحات الفردية في يوم والزوجية في اليوم التالي.

أيمن الزيات، الخبير الاقتصادي ومدير إدارة التداول بشركة أكيومن لتداول الأوراق المالية‏، يرى أن رئيس الوزراء “خانه التعبير” عن احتمالية دخولنا في “اقتصاد حرب”، لأن الصراع بالمنطقة، ومصر ليست طرفًا فيها، مضيفًا: “في رأي أن الحكومة تسعى فقط لتمرير عدة قرارات صعبة خلال الفترة القادمة”.

اقرأ أيضًا: رائد سلامة في حوار خاص: مصر بحاجة للتخلص من السلفية الاقتصادية والسوق السياسي في حاجة إلى تأسيس جديد

أيمن الزيات الخبير الاقتصادي ومدير إدارة التداول بشركة أكيومن لتداول الأوراق المالية
أيمن الزيات الخبير الاقتصادي ومدير إدارة التداول بشركة أكيومن لتداول الأوراق المالية

وأعلنت الحكومة أن صندوق النقد الدولي سيجري المراجعة الرابعة لبرنامج مصر ليصبح بعد انتهاء اجتماعات الصندوق السنوية في واشنطن، التي سيشارك فيها محافظ البنك المركزي ووزير المالية.

وقالت الحكومة إنها تستهدف قبل نهاية 2025 خفض معدل التضخم لأقل من 10%.

ويتوقع “الزيات”، في تصريحاته لـ “فكر تاني”، أن تتضمن تلك القرارات الصعبة إلغاء الدعم عن كل سلعة تدعمها الدولة بداية من الكهرباء والمحروقات والسلع التموينية والخبر، لأن معنى اقتصاد حرب هو “توجيه اقتصاد وموارد الدولة نحو المجهود الحربي”.

كيف يضرنا الحديث عن اقتصاد الحرب؟

ويحذر محمد حسن الرئيس التنفيذي والمدير التنفيذي لشركة حسن أسوشيتس المحدودة باليابان، في حديثه لـ”فكر تاني”، من خطورة مصطلح اقتصاد حرب على الاستثمار؛ فالتصريح جاء في وقت ندعو فيه المستثمرين إلى فرص جديدة في مصر، وفقًا لحزمة حوافز تقول الحكومة إنها تقدمها لتشجيع الاستثمار، خاصة وأن اقتصاد الحرب يعني زيادة تدخل الحكومة في الاقتصاد لضمان توجيه الموارد بكفاءة، وتوجيه موارد الدولة (مالية، بشرية، صناعية) نحو المجهود الحربي.

يشير مصطلح "اقتصاد الحرب" إلى تنظيم القدرة الإنتاجية والتوزيعية للدولة أثناء فترات الصراع، بإجراء تعديلات جوهرية على الإنتاج الاستهلاكي لاستيعاب احتياجات الإنتاج الدفاعي (وكالات)
يشير مصطلح “اقتصاد الحرب” إلى تنظيم القدرة الإنتاجية والتوزيعية للدولة أثناء فترات الصراع، بإجراء تعديلات جوهرية على الإنتاج الاستهلاكي لاستيعاب احتياجات الإنتاج الدفاعي (وكالات)

وتؤكد عالية المهدي أيضًا على تلك الفكرة، قائلة إن الحديث في هذا الموضوع من شأنه أن يحجم الاستثمار الخاص الوطني والأجنبي والسياحة، ولذلك ليس من مصلحة مصر أن يكثر الحديث فيها بهذا الشأن، خاصة أنه ليس “أمرًا حقيقيًا”.

جاء مصطلح “اقتصاد حرب” ضمن مؤتمر عقدته الحكومة بحضور رئيس الوزراء ووزيري المالية والاستثمار للإعلان عن حزم محفزات الاستثمار والتسهيلات الضريبي تتضمن نظام ضريبي متكامل ومبسط ومحفز لصغار ومتوسطي الممولين، وتيسيرات جديدة تشمل كل الأوعية الضريبية الدخل والقيمة المضافة والدمغة ورسم تنمية موارد الدولة.

اقرأ أيضًا: قُل السياسات “الاقتراضية” ولا تقل الاقتصادية

اقتصاد الحرب.. قد يكون ضرورة

لخبير المصرفي محمد عبدالعال عضو مجلس إدارة البنك المصري الخليجي (وكالات)
لخبير المصرفي محمد عبدالعال عضو مجلس إدارة البنك المصري الخليجي (وكالات)

للخبير المصرفي محمد عبد العال، عضو مجلس إدارة البنك المصري الخليجي، رأي مغاير، إذ يرى أن الدولة تواجه حاليًا على أرض الواقع حزمة من توترات وحروب ونزاعات مشتعلة في منطقة ثلاثية الحدود والجبهات، مثل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، والإسرائيلي اللبناني، والإسرائيلي الإيراني، ثم النزاع والانقسام السوداني في الجنوب، والنزاع والانقسام الليبي في الشمال.

ويضيف في حديثه لـ”فكر تاني”، أنه حال استمرار تمدد تلك الصراعات وتوسع أطرافها فمن المؤكد أن تكون لها تداعيات قد تكون مشابهة لتداعيات صدمتي كورونا والحرب الروسية الأوكرانية، لأنها ربما تؤثر سلبيًا على خطوط الإمداد، وبالتالي احتمال عودة الضغوط التضخمية، بعد أن نجحت أدوات السياسة النقدية التقييدية للبنك المركزي المصري في كبح جماح التضخم.

حاليًا، تدور المخاوف في فلك أن يتضمن الرد الإسرائيلي على الضربة الإيرانية، تعطيل مناطق نفطية، وأن تتخذ طهران في المقابل قرارًا بإغلاق مضيق “هرمز”، ما يعيق صادرات النفط الخليجية والعراقية ويرفع أسعار النفط لمستويات قياسية.

القصف الإسرائيلي على لبنان (ا ف ب)
القصف الإسرائيلي على لبنان (ا ف ب)

يقول “عبد العال” إن الحروب بالمنطقة تقلص المصادر التقليدية للعملة الصعبة لمصر مثل دخل قناة السويس، فضلًا عن التراجع النسبي في الدخل السياحي، كما يؤدي استمرارها إلى التوجه لزيادة الإنفاق الدفاعي، الأمر الذي يؤدي إلى مزيد من الضغط على الموازنة والتأثير على بنود الإنفاق الأخرى.

ووفقًا لذلك، فإن الحكومة عليها تطبيق اقتصاد الحرب أو خطط إدارة الأزمات بالفعل والاعتماد على الإنتاج المحلي ووضع خطط بديلة لتوطين الصناعة والتصنيع الزراعي وتوفير مصادر لجلب السلع الاستراتيجية ومستلزمات الإنتاج من أماكن بديلة، وتوسيع دوائر وقنوات تصدير السلع المحلية، وتوفير مخزون كاف من كل الاحتياجات الضرورية لفترات معقولة تحقق الأمن الغذائي بأسعار معقولة.

وبحسب رئيس الحكومة مصطفى مدبولي، فإن الحكومة جاهزة لجميع السيناريوهات حال تفاقم الوضع بالمنطقة، وحتى هذه اللحظة الدولة قادرة على تأمين كل احتياجات الدولة من السلع والمواد البترولية والاستثمارات، مشددًا على أنها تمتلك رؤية ولديها احتياطات تتجاوز أكثر من 5 أشهر.

كما أكدت وزارة التموين أنها تتابع تطورات السوق العالمية وتراجع خطط الاستيراد لضمان تلبية احتياجات المواطنين بفعالية، وتراقب تدفق الأقماح المستوردة بدقة، مع التأكيد على أهمية استمرار توافر السلع الأساسية في الأسواق.

بحسب رئيس الحكومة مصطفى مدبولي، فإن الحكومة جاهزة لجميع السيناريوهات حال تفاقم الوضع بالمنطقة (وكالات)
بحسب رئيس الحكومة مصطفى مدبولي، فإن الحكومة جاهزة لجميع السيناريوهات حال تفاقم الوضع بالمنطقة (وكالات)

كيف طبقت مصر اقتصاد الحرب؟

لمصر تاريخ طويل مع اقتصاد الحرب، إذ مرت به طوال الفترة من (1967-1973) أي ما بين نكسة 1967 وحتى حرب أكتوبر 1973، وحينها ارتفع الإنفاق العسكري المصري من 481.8 مليون دولار إلى 1.243 مليار دولار، بنسبة زيادة 158.4%، كما ارتفعت نسبة الإنفاق العسكري من الناتج المحلي الإجمالي من 6.68% إلى 13.51%.

وفي تلك الفترة، رفعت الحكومة أسعار السلع الكمالية وفرض الضرائب والحد من الترقيات في القطاع الحكومي وخفض الاستثمار المحلي الإجمالي، وارتفعت إيرادات الضرائب المباشرة والجمارك من 442.5 مليون جنيه عام 1970 إلى 574.7 مليون جنيه عام 1973، كما بلغت حصيلة الضرائب المباشرة نحو 255 مليون جنيه عام 1969/1970 بما يوازى 36.3% من إجمالي حصيلة الضرائب في ذلك العام.

وشهدت تلك الفترة طرح “سندات الجهاد”، تحت شعار “شارك في ملحمة النضال الوطني”، بفائدة تبلغ 4.5% سنويًا معفاة من الضرائب لمدة عشر سنوات، وتضمنت فئاتها المالية: 50 قرشًا، جنيهًا واحدًا، 5 جنيهات، 10 جنيهات، 100 جنيه، وبلغت حصيلتها 7 ملايين جنيه خصصت لاحتياجات القوات المسلحة والأمن القومي ولتلبية الإنفاق الدفاعي المتزايد بوتيرة مستمرة.

كما شهدت تلك الفترة طباعة المزيد من النقود ما رفع معدلات التضخم من 0.7% خلال عام 1967 إلى 5.11% خلال عام 1973 بجانب تطبيق سياسات التسعير الإجباري للسلع الأساسية حتى عام 1973.

وأعادت الدولة النظر بخطط الاستيراد والتصدير لمعالجة العجز في الميزان التجاري، وزيادة الاعتماد على المنتج المحلي، وتطبيق ما يُعرف بـاسم “سياسة الإحلال محل الواردات، ووقف استيراد السلع الكمالية أوائل عام 1972، بما في ذلك الملابس والأقمشة الفاخرة، وأجهزة التليفزيون والراديو والسجائر والأجهزة المنزلية والسجاد الفاخر.

كما رفعت الرسوم الجمركية على السلع الكمالية المستوردة للاستخدام الشخصي بنسبة 50%، واقتصرت تجارة الجملة للسلع الأساسية على القطاع العام بهدف منع التلاعب في أسعارها وضمان وصولها إلى المواطن المصري بأسعار مقبولة.

ما المتوقع حال تطبيق اقتصاد الحرب؟

حنان رمسيس الخبيرة الاقتصادية وعضو مجلس إدارة شركة الحرية للأوراق المالية
حنان رمسيس الخبيرة الاقتصادية وعضو مجلس إدارة شركة الحرية للأوراق المالية

وتقول حنان رمسيس، الخبيرة المالية وعضو مجلس إدارة شركة الحرية لتداول الأوراق المالية، إن المصطلح الذي أعلنت عنه الحكومة، حتى وإن كانت دلالاته سلبية على الاستثمار، فهو معنيٌّ في المقام الأول بالتمهيد لقرارات صعبة حال اشتعال الأوضاع في المنطقة، منها رفع الدعم، بحيث يقتصر على الفئات الأشد احتياجًا، فضلًا عن تحجيم استيراد العديد من السلع.

وقال كامل الوزير، نائب رئيس الوزراء للتنمية الصناعية، السبت، إن مصر استوردت خلال الفترة ما بين 2014 و2023 سيارات وجرارات وأتوبيسات بـ45.7 مليار دولار، وهواتف محمولة بـ8.7 مليار دولار، وسلعًا استفزازية بـ5.6 مليار دولار، منها أجبان وأثاث فاخر وأواني خزفية وحلي وورق فويل وسجاد وسيراميك وبورسلين وشوكولاتة بأنواعها.

هنا، تضيف حنان رمسيس أن الدولة ربما تقصد ترشيد الإنفاق الاستهلاكي، وتوجيهه نحو المجالات الأكثر أهمية، ووضع القيود على كثير من الأنشطة غير الضرورية وبعض الأساسية، وتحقيق أقصى استفادة من الموارد المتاحة، مع تقليل الهدر في الموارد.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة