أصبحت ملاحقة الممثلات الشابات أشبه بالموضة، حملات ممنهجة على صفحات التواصل الاجتماعي تستهدف تشويه نجمات مصر بشكل عام، حملات تٌغلفها مفاهيم السلطوية وخطابات “قيم الأسرة المصرية”، وقد يبدو ذلك واضحًا عقب كل عمل فني تشارك فيه ممثلة أو مطربة مصرية يلقى رواجًا إعلاميًا.
الفنانة منى زكي، عقب مشاركتها في فيلم أصحاب ولا أعز 2022، تعرضت لحملة شرسة حد أنها طالت أسرتها.

فيفي عبده، هي الأخرى واجهت وتواجه باستمرار حملات تشويه بشكل خاص لأنها راقصة، ويتم توجيه “سباب” للمصريين عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشتائم على غرار “يا ولاد فيفي عبده، يا ولاد الرقاصة، يا بلد الرقاصين”.
اقرأ أيضًا: شخلعة.. “لأن كل الأجساد تستحق الاحتفاء بها”
يتلصص الكثيرون على حياة المشاهير، عبر صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، يبحثون في حياتهن الشخصية، ويقومون بالتشهير بهن، كما حدث مع صانعة المحتوى هدير عبد الرازق، بعد تسريب فيديو خاص لها، بهدف فضحها مما نتج عنه إثارة البلبلة حولها ودفعها لنشر فيديو تطلب فيه عدم مشاركة الفيديو المسرب لها والذي تسبب في إهانة أسرتها وتشويه سمعتها.
مؤخرًا، تعرضت الفنانة أسماء جلال لهجوم شديد في الفترة الأخيرة وأصبحت “تريند” على مواقع التواصل الاجتماعي، سواء بالتعليقات الجارحة أو بمنشورات الصور التي تنتقد شكلها، بل إن أحدهم بغرض -السخرية منها- قام بدمج صورتها مع صورة مغني البوب الراحل مايكل جاكسون على تطبيق “فوتوشوب”.
اقرأ أيضًا:ماذا تفعل صباح مع جنون أسعار الفوط الصحية؟
لكن جلال تتمتع بقدر كبير من الثقة بالنفس، وهو الأمر الذي جعلها قادرة تمامًا على التعامل مع هذا الموقف بأن أعادت نشرها صورة “بروفايل” ملفها الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك.
“خلعت الحجاب وتحررت من أجل المال والشهرة” جاء هذا التعليق على أحد المنشورات الهجومية التي برزت في الفترة الأخيرة ضد الممثلة الشابة أسماء، إذ أعاد مهاجموها نشر صور قديمة لها كانت ترتدي فيها الحجاب أثناء عملها كعارضة أزياء للمحجبات، مع تعليقات تصفها بأنها كانت محتشمة، لكنها الآن متبرجة.
فيما تداول مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي فيديو تظهر فيه جلال وهي تحاول منع أحد المعجبين من وضع يده على جسدها، أثناء العرض الخاص لفيلم “ولاد رزق 3”.
اعترضوا على معاييرها الشخصية، خاصة عندما صافحت صديقًا آخر كان بجوارها. وأساءوا فهم اختيارها الحر في لمس جسدها.
اقرأ أيضًا: وإذا شكت عُنِفت.. “تمارا” ورحلتها اليومية في المواصلات العامة
ترى الكاتبة والنائبة البرلمانية، فريدة الشوباشي، أن حملات تشويه المشاهير من النساء المصريات قد تعد جزءً من حملة كبيرة ضد نساء مصر بشكل عام.
وتضيف خلال حديثها لـ فكّر تاني: “إن هذه الحملات تتغذى على الثقافة الذكورية التي انتشرت بين شريحة كبيرة من المصريين، إذ يساعدون في رواج هذه الحملات بجهل واضح منهم”.
وتقول الشوباشي: “حرية المرأة تعبر عن حرية المجتمع وعدالته، ولن يضر الرجل شيئًا إن نالت المرأة حقوقها وحصلت على حريتها”.
كلكم عاوزين تبقوا فتوات
فيما يقول الناقد الفني، أحمد سعد الدين لـ فكّر تاني: “إن الناس نصبوا أنفسهم ليكونوا ظل الله في الأرض، حتى تحولوا إلى قضاة وجلادين يصدرون الأحكام وينفذونها”.

وأشار إلى مقولة الفنان توفيق الدقن الشهيرة: “كلكم عاوزين تبقوا فتوات أمال مين اللي هيتضرب”، وكأنهم منزهون عن الخطأ.
كما أضاف سعد الدين: “يجب أن يُنظر إلى الأدوار الفنية للممثل، ليس إلى حياته الشخصية وخصوصياته، كما أن المعجب من حقه أن يطلب من الممثل التقاط صورة معه، لكن ليس له حق أن يضع يده على جسده، الجسد له خصوصيته وعلى الناس أن يتعلموا حدود هذه الخصوصية”.
وتحدث الناقد الفني عن الصراع القائم حاليًا في مصر على مسألة الحجاب، الذي بدأ الحديث حوله عبر الشاشات المصرية منذ ما يقرب للـ30 عامًا -بحسب تقديره- خاصة بعد حملة الاعتزالات التي شهدتها الساحة الفنية لممثلات مصريات قررن ارتداء الحجاب والتوقف عن المشاركة في الأعمال الفنية.
فيما أضاف سعد الدين: “العاملون في مجال الفن دائمًا تحت الأضواء، إلا أن النجمات مستهدفات بشكل خاص، وتُوجه أسهم المطاردة نحوهن بالتحديد كوسيلة لمحاربة الفن”.
فضائيات “تحقير” المرأة
مع رواج القنوات الفضائية، في بداية تسعينيات القرن الماضي، انطلقت أصوات تنادي بتغطية المرأة والتقليل من ظهورها لاعتبارها عورة، ناقصة، وتثير شهوة الرجال.
كذلك كانت الحملات الممنهجة تجاه المصريات البارزات والناشطات جزء لا يتجزأ من أجندة اضطهاد النساء.
وفي كتابها “نساء في عرين الأصول الإسلامية” تشير الكاتبة رباب كمال إلى الحملات المتلفزة التي بدأت بنشر تلك الأفكار، استخدموا المنابر الإعلامية للتحقير من قيمة ودور المرأة في المجتمع بوصفها عورة، فأصبحت فكرة ازدراء المرأة واضطهادها، فكرة عابرة للحدود الجغرافية، استطاعت اختراق جدار البيوت العربية بفضل انتشار الفضائيات.
فراغ عاطفي وكبت
ومن جانبها ترى الدكتورة جيهان النمرسي، أستاذة علم النفس بجامعة الأزهر، أن شن حملات ممنهجة ضد النساء واضطهادهن، يعود إلى حالة التنافس الشديدة التي أصبحت تقودها المرأة بعد دخولها بشكل بارز في كثير من المجالات، خاصة التي كان يحتكرها ويسيطر عليها الرجال من ذي قبل.

قالت النمرسي في حديثها لـ فكّر تاني: “المرأة الآن تنافس الرجال بقوة في جميع المجالات، لكن هناك مثلًا “الصحف الصفراء”، يتسلقون على أكتافها للتربح”.
وأضافت: “يستغلون الأسماء النسائية من خلال اضطهادها أو السخرية منها أو الإساءة إليها ليكسبوا التفاعل ومنه يحققون الأرباح أو الانتشار”.
فيما أشارت جيهان، إلى سرعة انتشار الأخبار السيئة حول النساء، مقارنة بالإيجابية، وتقول: “المجتمع لن يُعلق على خروج المرأة من البيت لأداء الصلاة في المسجد، بل سيدعو لها، لكنه سيعترض على امرأة استقلت سيارة نقل خاصة في الرابعة فجرًا”.
وتؤكد أستاذة علم النفس بجامعة الأزهر، أن الأشخاص الذين يتفاعلون بشكل غير لائق مع الأخبار المتعلقة بالنساء يعانون من الفراغ العاطفي والاجتماعي ونقص في التربية والدين، وهذا ما يدفعهم إلى التربص بالنساء.
وأضافت بأنهم يعيشون في فوضى أخلاقية، وهذه الضريبة تدفع المرأة وحدها ثمنها لرغبتها في الحياة ورغبتها في تحقيق ذاتها وسعيها لنيل حقوقها.
مطاردة النساء بالترند
بدأت الدكتورة سامية خضر، أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس، حديثها لـ فكّر تاني مؤكدة على أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت وسيلة البعض في استهداف ومطاردة النساء، وتقول: “أخذنا من الإنترنت أسوأ ما فيه”.

وتضيف خضر: “إن هذه الظواهر تعود إلى الانحدار الأخلاقي في الشارع المصري” على حسب تعبيرها، وتفيد بأن برامج التوك شو، تشارك بمضامينها الإعلامية ركيكة المحتوى في تسطيح عقول المصريين وتفريغ أفكارهم وتوجيه أنظارهم إلى قضايا ليست هامة بالدرجة الأولى.
وتقول أستاذة علم الاجتماع: “إذا نظرنا إلى البرامج التليفزيونية سنجد أن اهتمام عدد كبير منها يقتصر اهتمامها على الملابس والمكياج والطهي، وهذا تسطيح واضح للعقول”.
فيما ترى أن المرأة يجب عليها ألا تخضع للأغراض الدنيئة التي تقلل من قيمتها بوصفها نصف إنسان أو إنسان ناقص، عليها أن تضع يدها على الهدف الذي تريده وأن تنتزعه، حتى لو كان بفم الأسد.



