الخميس, يناير 15, 2026
spot_img

الأصول المصرية.. من “الملكية الشعبية” إلى “لجنة التصفية”

تغيرت نظرة وزارة المالية للأصول على مدار السنوات السبع الأخيرة، فبعد التعامل معها كطروحات بالبورصة تستهدف “تعزيز الرقابة الشعبية” وزيادة الملكية الجماهيرية، أصبحت وسيلة لتخفيف الضغط على الموازنة العامة للدولة، بتخصيص 50% من عوائدها لسداد الديون، لتتغير طريقة تعامل الحكومة مع الأصول من طرح الطروحات إلى تعظيم الأصول ثم “التخارج من الأصول” وأخيرًا “لجنة تصفية الأصول“.

يتضمن برنامج الحكومة الجديدة، المقدم إلى مجلس النواب، مشروعًا لإنشاء لجنة لتصفية الأصول، تتبع وزارة المالية؛ بهدف تحقيق عوائد مالية تتراوح بين 20 و25 مليار جنيه سنويًا للخزينة العامة للدولة، وذلك من عائدات التخارج خلال الأعوام المقبلة.

ووفقًا للبيانات الحكومية، فإن حصيلة برنامج الطروحات الحكومية منذ إطلاقه إلى الآن بلغ 5.8 مليارات دولار، مؤكدةً الانتهاء من المرحلتين الأولى والثانية من جدول الطروحات المعلن بمعدل تنفيذ 100%.

الطروحات.. البداية بـ”الرقابة الشعبية”

بدأ التفكير في برنامج الطروحات الحكومية، منذ مطلع 2017، حينما كانت داليا خورشيد، وزيرة للاستثمار. حينها، بدأ الحديث عن طرح شركات حكومية في البورصة؛ بداعي توفير التمويل “الرخيص” لها من عائد اكتتابها، ما يساهم في سداد مديونياتها، وتنفيذ خططها التوسعية.

الخطة الحكومية، وقتها، تحدثت عن خطة تستهدف زيادة أرباح الشركات والعائد منها، وتطبيق قواعد الحوكمة والشفافية في إدارتها، بما يحقق مصطلح “الرقابة الشعبية”، وكذلك زيادة أحجام التداول بالبورصة وجذب شرائح جديدة من المستثمرين، وتعظيم عائد استثماراتهم.

لم تتحرك في تنفيذ خطة الطروحات بقوة طوال 2017. ووعدت وزيرة التخطيط السابقة هالة السعيد، في مطلع 2018، ببدء برنامج الطروحات لشركات الدولة في البورصة خلال الربع الأخير من العام ذاته، وقالت إن الحكومة فضلت عدم الطرح خلال الصيف.

غالبًا، ما يكون أداء البورصات صعبًا خلال الفترة من مايو وحتى أكتوبر خلال موسم الصيف الذي تكثر فيه المضاربات على الأسهم وتزيد الضغوط البيعية التي تسيطر عالميًا بعد انتهاء موسم الإعلان عن أرباح الشركات نصف السنوية.

اقرأ أيضًا: أن تنزع مصر “رأس حكمتها”

في 2019، بدأ الحديث عن الطروحات مقترنًا بعبارة “تعظيم دور القطاع الخاص”. حينها، تم طرح حصة إضافية من أسهم الشرقية للدخان، وتمت تغطيته 1.8 مرة بسعر 17 جنيهًا للسهم، بزيادة 3% عن سعر إغلاق السهم بالبورصة المصرية في مطلع مارس 2019.

استراحة كورونا.. هدوء يسبق العاصفة

شهد برنامج الطروحات الحكومية هدوءًا نسبيًا لقرابة العامين، مع تداعيات جائحة كورونا على الاقتصاد العالمي بشكل عام وعلى مناخ الاستثمار بشكل خاص، وحالة الإغلاق التي شهدتها الدول، لكنه سرعان ما استؤنف مجددًا.

كانت عودة الطروحات بعد انتهاء جائحة كورونا قوية، ليتم طرح 26.1% من أسهم شركة إي فاينانس للاستثمارات المالية والرقمية، بقيمة اجمالية بلغت 5.8 مليار جنيه، وحصص بشركات الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع، وأبو قير للأسمدة، وسيدي كرير للبتروكيماويات، ونادي غزل المحلة الذي تم تحويله لشركة، وشركة مصر الجديدة للإسكان والتعمير.

وقد تم الانتهاء من المرحلة الأولى من جدول الطروحات المُعلن بمُعدل تنفيذ 100% خلال الفترة بين (مارس – أغسطس) 2022، و100% للمرحلة الثانية خلال الفترة بين (أغسطس 2022 – يوليو 2023). كما تم التخارج الفعلي من 7 شركات تساهم بها الدولة، مع جذب استثمارات أجنبية بنحو 2 مليار دولار، خلال المرحلة الثانية لبرنامج الطروحات (أغسطس 2022 – يوليو 2023).

تغير الفكر الحكومي منذ تطبيق المرحلة الأولى بطروحات من الطرح العام في البورصة الذي بهدف توسيع مشاركة المواطنين المصريين في الملكية العامة، إلى البيع لمستثمر الاستراتيجي، يعنى الدخول لزيادة رأس المال، أو نسبة استحواذ على جزء من الشركة، وهي الفترة التي شهدت موجة من دخول رأس المال الخليجي.

وثيقة ملكية الدولة.. “التخلص” من 79 نشاطًا

بداية من منتصف 2022، تلاشى مصطلح الطروحات الحكومية لصالح “وثيقة ملكية الدولية” التي استخدمت لأول مرة لفظ “تخلص” الحكومة تمامًا من جميع استثماراتها وملكياتها في حوالي 79 نشاطًا في القطاعات المختلفة.

وكانت من الأنشطة التي استهدفت الدولة التخارج منها كليًا: الاستزراع السكنى والثروة الحيوانية وقطاع المجازر وقطاع التشييد وبعض مشروعات الإسكان الاجتماعي وأنشطة إنتاج برامج التليفزيون والأفلام السينمائية، وتجارة التجزئة وصناعات السيارات والأجهزة الكهربائية والأثاث والجلود والأسمدة والزجاج.

تضمنت الوثيقة إبقاء الحكومة على استثماراتها في 45 نشاطًا، مع الاتجاه لتخفيضها والسماح بمشاركة أكبر للقطاع الخاص، في صناعة الأسمنت والحديد والألومنيوم واللحوم والطيور والأعلاف والألبان والسجائر والدخان ومحطات توليد الكهرباء وشبكات النقل والتوزيع ومحطات معالجة مياه الصرف.

ووفق مسودة الوثيقة، فإن مما أبقت الدولة عليه من استثمارات في 27 نشاطًا مع الاتجاه لزيادتها مستقبلًا، أنشطة البنية التحتية والقطاعات ذات الأبعاد الاستراتيجية والاجتماعية، ومنها التعليم والصحة، مع السماح أيضًا بمشاركة القطاع الخاص، وأنشطة تجارة الجملة ومحطات إنتاج مياه الشرب وشبكات توزيع المياه، وإنشاء الأرصفة، والنقل البحري والسكك الحديدية ومترو الأنفاق والنقل الجوي وصناعات السفن، وخدمات التليفون الأرضي والاتصالات اللاسلكية والبث الإذاعي والتلفزيوني.

وفي فبراير 2023، أعلن مصطفى مدبولي، رئيس الوزراء، إن الحكومة ستبدأ حينها في تنفيذ ما ورد من إجراءات وخطوات بوثيقة سياسة ملكية الدولة تتعلق بملف الطروحات بطرح أسهم بـ 32 شركة على مدار عام كامل، يبدأ من الربع الحالي من عام 2023 وحتى نهاية الربع الأول من عام 2024 سواء من خلال البورصة المصرية أو المستثمر الاستراتيجي أو كلاهما.

من الوثيقة للتخلص ثم التصفية

مع تولي الحكومة الجديدة، تم الانتقال من لفظ التخلص إلى “التصفية”، بمشروع إنشاء لجنة تصفية الأصول، ضمن برنامج يهدف إلى تخفيض الدين العام في مسارات قابلة للاستدامة، وذلك باستمرار توجيه الفائض الأولي واستخدام جزء من حصيلة التخارج وبرنامج الطروحات الحكومية لزيادة إيرادات الموازنة وخفض حجم الاقتراض الحكومي.

يستهدف هذا البرنامج تحويل نسبة 1% من الناتج المحلي الإجمالي من عائدات التخارج إلى الموازنة لخفض دين أجهزة الموازنة، بخفض فاتورة خدمة دين أجهزة الموازنة لتصل إلى (42.6%) من المصروفات العامة في عام 2026- 2027 ضمن “استراتيجية متكاملة” لوضع معدل الدين في مسار نزولي.

المالية: لا نستهدف طرح الأصول الإنتاجية

مع جدل لفظ التصفية، قالت وزارة المالية إنها لا تستهدف طرح الأصول الإنتاجية، ولكن الاستغلال الأمثل للأراضي الفضاء والمباني القديمة التابعة لها لتحقيق أعلى عائد، مؤكدة -في بيان- أن الدولة ليس من دورها إدارة الأصول العقارية، لكن يمكن أن تدخل في شراكات مع القطاع الخاص، وفقًا لمقتضيات الصالح العام، ومتطلبات تعظيم موارد الدولة.

وبحسب بيان الوزارة، فإنها تستهدف تعظيم العائد على أصول الدولة من خلال دور أكبر للقطاع الخاص في إدارة أصول الدولة بالتوسع في المشاركة مع القطاع الخاص سواءً عبر نظام (P.P.P) -الشراكة بين القطاعين العام والخاص- لضمان تعظيم هذا العائد، مشددة على أن وثيقة سياسة ملكية الدولة جاءت استجابة لمجتمع الأعمال، وتفتح آفاقًا رحبة للاستثمارات الخاصة ودور أكبر للقطاع الخاص في النشاط الاقتصادي من خلال تحفيز الاستثمار.

موضوعات ذات صلة