أهل الكهف.. "أسلمة" الشخصية المسيحية في السينما المصرية

 لفت تريلر فيلم أهل الكهف أنظار الأقباط في مصر، وشارك بعضهم الإعلان الرسمي متحمسين لرؤية صناعة مختلفة للسينما القبطية بأسماء فنية كبيرة وإنتاج ضخم، من خلال قصة شهداء أفسس السبع بحسب التراث المسيحي والتي تعيد لهم الكنيسة السريانية في 24 أكتوبر والأرثوذوكسية في 27 أغسطس.

وعلى الرغم من المصادر المتعددة للقصة، تحمست للمشاهدة، وذهبت إلى شارع عماد الدين، لأرى إعلانات الأفلام وبصعوبة وجدت أخيرًا حفل واحد في إحدى السينمات يعرض "أهل الكهف" فسألت بائع التذاكر عن عدم عرض الفيلم في المواعيد المعلنة، أجابني أن الفيلم سيرفع قريبًا لأن إيراداته ضعيفة وليس له جمهور، وبالفعل كانت صالة العرض تضمني و تسعة آخرين فقط.

ظهر على تتر الفيلم ذات الموسيقى التركية، المعالجة السينمائية، أعدّها الكاتب أيمن بهجت قمر، وأن القصة مقتبسة عن مسرحية "أهل الكهف" لتوفيق الحكيم، وتوالى ظهور أسماء نجوم العمل وأبرزهم؛ خالد النبوي في دور القائد سبيل، محمد ممدوح "القائد بولا"، غادة عادل في دور الأميرة بريسكا،  محمد فراج "التوأم نور ونار"، أحمد عيد "يمليخا"، رشوان توفيق "الكاهن"، ريم مصطفى الجارية تنسيم وزوجة القائد بولا، مصطفى فهمي"الإمبراطور دقيانوس"، صبري فواز الوزير اليهودي، جميل برسوم "الأسقف"، وبيومي فؤاد في دور الإمبراطور المسيحي.

دارت أحداث الفيلم حول سبعة قديسين "سبيل، بولا، الكاهن، الحفيد الطفل، نور ونار، وميليخا" آمنوا بالمسيحية سرًا في أيام الاضطهاد الشديد للامبراطور دقيانوس، فلما اكتشف أمرهم حاول قتلهم فاختبأوا في كهف بجوار حظيرة لراعي الغنم الذي انضم إليهم، وحين أرهقهم التعب ناموا ولما استيقظوا وجدوا أنفسهم في زمن يبعد عن زمنهم بثلاثمائة عامًا كاملين.

من هنا يبدأ صراعهم النفسي والإيماني والسياسي والاجتماعي، وعلى الرغم من تأكيد الفيلم في جملة قصيرة أن الأحداث لا تمس قصة أهل الكهف الواردة في القرآن الكريم، وإنما مستوحاة من مسرحية توفيق الحكيم، فإن التتر لم يغفل أيضًا ذكر أن الأزهر الشريف –وحده- من قام بالمراجعة، وهو ماتسبب في قصور كارثي في حوار الشخصيات فيما بعد.

"أهل الكهف" ومصادرها الثلاثة

تعد الرواية المسيحية للقصة هي أولهم وأقدمهم، فبحسب دائرة الدراسات السريانية، وصلت القصة بلغة سريانية أصيلة، نثرًا ونظمًا، النثر كتبه زكريا الفصيح (536 +) ويوحنا الأفسسي (587 +) وهما قريبا العهد من زمن الحادثة، أما النص الشعري السرياني لقصة أهل الكهف، فهو للشاعر السرياني مار يعقوب السروجي (521 +) الذي نظم قصيدة على الوزن الإثنى عشري، تقع في أربعة وسبعين بيتًا، وقد أضفى على القصة الخيال لكنه احتفظ بعناصرها الرئيسية، وقد أجمع المؤرخون السريان، على أن رقاد أهل الكهف كان على عهد الملك داقيوس (249 ـ 251 م) أما استيقاظهم فكان على عهد الملك ثيودوسيوس الصغير (450).

والقصة تضم 7 فتية عملوا بقصر الإمبراطور الوثني ولما أمر بعبادة الأوثان رفضوا وهربوا يوزعون أموالهم على الفقراء ودخلوا إلى كهف فلما عرف داقيوس أمر بغلق الكهف حتى يصبح قبرًا، فارتعبوا وناموا كالموتى، وكان أحد خدم الإمبراطور مسيحي بالسر فكتب قصتهم وألقاها إلى جوارهم في الكهف، وبعد قرون استيقظ الفتية واكتشفوا أمر الزمن فجاءهم الإمبراطور المسيحي ثيودوسيوس ومعه أسقف المدينة فسمعا قصتهم وبكوا ومجدوا الله ورقد الفتية السبعة في سلام لموتهم الأخير.

أما الرواية الإسلامية، وردت بعد مئة عامًا تقريبًا من اكتشاف النص السرياني، حيث تناولت قصة الفتية أصحاب الكهف والرقيم بعباءة إسلامية، فهم الذين أمنوا بالله "ولم يشركوا بعبادته أحدًا ولم يقولوا أتخذ الله ولدًا" فنجاهم الله بعد دعائهم " رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا"فناموا ثلاثمائة عام وتسعة حتى استيقظوا ليشهدوا لله الواحد أمام الكافرين، ولم تذكر سورة الكهف عددهم سبعة كانوا أم أقل.

 أما المصدر الثالث فكانت مسرحية توفيق الحكيم والتي نُشرت عام 1933 وهي من 4 فصول لثلاثة أشخاص وكلبهم عانوا من الاضطهاد، ويعد الفيلم أقرب لقصة المسرحية، لكن نهايتها موت الثلاثة في الكهف بعد رجوعهم له مرة ثانية ودخول بريسكا لتموت إلى جوار حبيبها بعد حلمها عن أنها تدفن حية.

وكانت "أهل الكهف" من أوائل المسرحيات تستلهم القصص الدينية في الدراما التمثيلية، وتعتمد على نصٍ ديني لتناقش عدد من القضايا الاجتماعية والسياسية.

 فيلم أهل الكهف والأسلمة 

 لم يلتزم الفيلم بمصدر واحد لقصة "أهل الكهف" بل جاء بصورة أشبه بالمزج بين المصادر الثلاثة، عطفًا على الإضافات الدرامية، فخرج النص مرتبكًا بين الروح الإسلامية والأبطال المسيحيين وعناصر مسرحية الحكيم.

وبين اللغة العربية الفصحى واللهجة العامية المصرية، خرج الحوار مهلهلًا، بداية من مباشرة وسذاجة الحوار بين ثنائية الخير والشر في حالة التوأم "نور ونار" ، مرورًا إلى المشاهد السطحية لفكرة تحالف الدين مع السياسة، فضلًا عن رسم شخصية اليهودي بطابع الخبث واللؤم وهي عادة روتينية ساذجة متبعة، نهاية بالمشهد الختامي الذي يبدو وكأنه يضع الرسالة مباشرة في فم المشاهد ليبتلعها بالإكراه ويهضمها.

وعلى مستوى آخر، فإن الحوار على مستوى طبيعة الشخصيات المسيحية بثقافتها وعقيدتها جاء بعباءة إسلامية، فلم يهتم صناع الفيلم بالرجوع إلى مصدر مسيحي واحد لمراجعة شكل الحوار ليخرج بهذه الدرجة البلهاء في أصغر التفاصيل.

 "المسيح عليه السلام" هذه العبارة وردت على لسان المعلم المسيحي "الكاهن توفيق رشوان" وهو يقرأ في كتابه المقدس ويعلم جماعة المؤمنين المسيحيين، وهو وصف عقائدي مسيحي خاطئ، فلم يحدث وأن استخدمها مسيحي ذات مرة.

بديهيات الإيمان المسيحي تشير إلى أن السيد المسيح هو الإله الواحد، أما العبارة الواردة فهي ذات طبيعة إسلامية ترى بالضرورة أن المسيح واحدًا من الأنبياء، وبالتبعية حتى نٌطق "مصطفى فهمي" الإمبراطور لكلمة المسيح بالميم المكسورة بنفس طريقة النطق الخاطئة لعامة الناس.

 الأمر المُربك أيضًا كان لحظة دخول القديسون السبعة للكهف، والكاهن يرفع بصره إلى السماء ويردد آية سورة الكهف " رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا" فلم يكن توظيف الآية على لسان شخصية دينية مسيحية بهذا الشكل إلا استكمالا لأسلمة الشخصية نفسها، فكان وقعها أثناء المشاهدة غريبًا منزوعًا نزعًا كاملًا عن سياقه.

 الأمر نفسه وقع فيه توفيق الحكيم في مسرحيته الخالدة، إذا ألزم الشخصيتين المسيحيتين مرنوش و مشلينيا المقابلين لسبيل وبولا، بذكر كلمتي الله والمسيح متلازمتين  ليخرج من مأزق تأليه المسيح وكأنهما أثنان، الأمر الذي ظهر أيضًا منزوعًا عن طبيعة الشخصيات المسيحية المرسومة والتي لا تستخدم هذه المتلازمة أبدًا بل ترى أن الله والمسيح واحدًا.

ولم يكن سوى يمليخا المعتدل في حديثه كمسيحي إذا يذكر جمل قصيرة مثل "هذا من فضل المسيح، دع الأمر للمسيح".

 فإذا كانت القصة قرآنية من حيث المصدر الإسلامي –والذي ينكر مسيحية أهل الكهف- ولم يعتمد عليها الفيلم بحسب ما كتب، فإنه اعتمد على مسيحية الشخصيات الواردة في مسرحية الحكيم والذي استوحاها نفسه من القصة السريانية القديمة، فإن المبرر الدرامي وطبيعة الشخصيات المسيحية في العمل يقتضي بالضرورة الالتزام بالخط الحواري الصحيح الإيماني والعقيدي.

هذا الأمر أغفله صناع العمل في إثر المعالجة المتخبطة وعدم الرسم المحكم للشخصيات، والذي بالمناسبة جاء أدائهم/ن التمثيلي في عدد من المشاهد قويًا ومؤثرًا، إلا أن الحوار كان بمثابة الصفعة المتتالية التي ما أن يندمج المشاهد حتى تفيقه.

فيلم أهل الكهف - صورة أرشيفية
فيلم أهل الكهف - صورة أرشيفية

ثيمات السينما والدراما المصرية

 ثيمات متطابقة ساذجة وتنميط لا يتزعزع لشخصية المسيحي/ة في السينما والدراما المصرية، فتظهر الأسماء بين مينا و جرجس أو تريز وجانيت وأنجيل، أو المغالاة في ردود الفعل وكأنهم من كوكب أخر بالنداء على العذراء مريم والقديسين، فضلًا عن الأخطاء الكبيرة والصغيرة في الحوار والرتب الدينية والملابس الرهبانية والكهنوتية والتاريخية حتى في الأعمال التي تمثل أغلبيتها شخصيات مسيحية.

وكان مسلسل نجيب الريحاني الذي عرض مؤخرًا نموذج قوي على عدم الاهتمام بمراجعة التفاصيل أو حتى معرفة الغير وتقديمه دراميًا في شكله الصحيح.

المنتج والمخرج مارك لطفي، يقول: إن الحديث عن تمثيل المجتمع المسيحي في السينما والدراما لا يؤخذ من المنظور الكمي، إنما من نوع الأسئلة التي تطرحها هذه الأعمال، وهذا إن كانت أصلًا تُسأل، فالأعمال لا تخوض في مجتمعات الأقليات المصرية ولا تعبر عنها بشكل جريء و نقدي وواعي و مفتوح، وهذا هو الحال ونحن نتحدث عن أقلية بحجم الأقباط، والتي هي أكبر أقليات الشرق الأوسط ، فكيف يصبح الأمر عند تناولنا الأقليات المصرية الأقل عددًا، الأمر هنا يخرج من أزمة التسطيح و السيطرة و المحاذير الموضوعة سلفًا إلى المنع الكامل والرقابة المُطلقة.

وحين سألناه عن مدى واقعية الحوار بين الشخصيات المسيحية في السينما والدراما أجاب مارك: أن الأمر أوسع من تقنيات الحوار في السيناريو، فالأقليات الأخرى ممنوعة من الظهور كليًا، أما المسيحيين يخرجون كأنماط مكررة مسطحة حتى لا تفتح الباب لأي نقاش مجتمعي أو تساؤل من أي نوع.

 ويضيف المنتج والمخرج، أن الاستثناء الأهم والوحيد من كل هذا، كان فيلم "بحب السيما" وهو فيلم استثنائي فريد بلاشك، كُتب من عمق مجتمع الأقليات و بجرأة وصدق وفهم عالي لدينماكيات العلاقات العائلية في المجتمع المصري المسيحي، لكن هل يٌمكن إنتاج مثل هذا الفيلم اليوم؟  أظنه مستحيل!

مارك يرى أن الأساس في تعديل هذا الوضع هو طلب المستحيل نفسه، وهو أن ترفع الرقابة أو تخف يدها بشكل كبير وهذا أصبح أمرًا معقدًا، والسبب أن هناك رقابتان أولها من وزارة الثقافة  والتي تنقسم في الكواليس إلى رقابات داخلية كثيرة من الأزهر والكنيسة والأجهزة الحكومية بفروعها، بل أيضًا رقابة نقابية على بعض المهن المختلفة،  والرقابة الثانية هي رقابة المنصات نفسها علي الدراما والتي تضع حدودًا أخرى ومحرمات كثيرة .

 ويضيف مارك أن الحل يكمن في السينما البديلة التي تسعى إلى إنتاجات أصغر و قد تمتلك مهارات لمراوغة القيود الرقابية  والاقتصادية، ولازال لديها الفرصة حتى ولو ضعيفة لكن يمكنها فتح الأبواب المغلقة برغم كل الضغوط الاقتصادية و برغم الضغوط العالمية لقولبتها في أطر خطابات غربية مُعدة مسبقًا.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة