"الموضوع خطير.. لازم تيجي ضروري".. بنبرة تحمل الخوف من الغد، كانت هذه العبارة ومثيلاتها، تسيطر على محادثات العديد من الأطباء ومجموعات التواصل فيما بينهم، في الأيام الأخيرة، من أجل تمرير انعقاد الجمعية العمومية العادية لنقابة الأطباء، وإكمال النصاب القانوني، وهو ما حدث لأول مرة منذ 5 سنوات بالأمس.
وكانت كلمة السر التي حشدت أصحاب البالطو الأبيض هي ما أسموه "كارثة مشروع قانون الحكومة للمسئولية الطبية"، خاصة بعدما وصف الدكتور أسامة عبد الحي نقيب الأطباء مقترح الحكومة بـ"أكثر قانون يهدد المهنة في مصر".
انتهت الجمعية العمومية باتخاذ قرارات حاسمة لتدشين ما وُصف بأنه "معركة الأطباء" ضد المقترح الحكومي الحالي ومواده الخطيرة التي تهدد المهنة بأكملها، مع إقرار الميزانية، واتخاذ عدد آخر من القرارات.

لأول مرة منذ 2018
الثانية ظهر أمس، أعلن نقيب الأطباء الدكتور أسامة عبد الحي، اكتمال النصاب القانوني للانعقاد، لأول مرة منذ عام 2018، وهي أول جمعية عمومية لمجلس النقابة الجديد برئاسة النقيب الحالي.
وجاء اكتمال النصاب في الانعقاد الثاني للجمعية العمومية، ليعطي رسالة استعادة لروح العمل النقابي، وفق مراقبين، وذلك بعد عدم اكتمال النصاب فى الانعقاد الأول منذ أسبوعين.
وتضمن جدول أعمال الجمعية العمومية 11 بندًا، يأتي على رأسهم قانون المسئولية الطبية، ومناقشة الميزانيات المالية لنقابة الأطباء من عام 2018 وحتى عام 2023 واعتمادها، مع مناقشة تعديل بعض بنود لائحة آداب المهنة، وتعديل لائحة النقابة الداخلية.
لماذا احتشد الأطباء؟
رغم أن السبب الرئيسي العقد الجمعية العمومية هو إقرار الموازنة، إلا أن نقيب الأطباء طلب من الحضور، بدء جدول أعمال الجمعية العمومية بمناقشة مشروع قانون المسؤولية الطبية المعروض من الحكومة، وعرض ملاحظات النقابة حول مسودة مشروع القانون، وأخذ آراء الأطباء حولها والاستماع لملاحظاتهم، وتدوينها، تمهيداً لعرضها على لجنة تشكلها النقابة عقب الإنتهاء من فعاليات الجمعية العمومية، لصياغة تعديلات النقابة على مسودة مشروع القانون.

وخلال كلمته أمام الجمعية العمومية، أكد نقيب الأطباء، أن قانون المسؤولية الطبية يحتاج لتضافر جهود أطباء مصر، وتوحيد موقفهم، لأنه أكثر قانون يهدد المهنة.
وشدد عبد الحي على ضرورة حذف المادة 29 من مشروع القانون والتي تتعلق بالحبس الاحتياطي للأطباء، مشيرا إلى أن دواعي الحبس الاحتياطي هي أن يكون المشكو في حقه يخشى منه أن يقوم بالهروب، أو طمس معالم الجريمة، أو التأثير على الشهود وهي أمور جميعها لا ينطبق على مقدم الخدمة الطبية.
وأشار عبد الحي، إلى أن المسئولية الجنائية تقع على الطبيب إذا تجاوز قوانين الدولة أو قوانين ممارسة مهنة الطب، مثل أن يعمل في غير تخصصه أو يقوم بإجراء طبي غير مرخص او خالف قواعد القيد والتسجيل بالنقابة.
نقيب الأطباء طالب كذلك، بضرورة أن ينص مشروع القانون على أن اللجنة العليا للمسئولية الطبية مثل كل دول العالم ودول الخليج جميعها، تُعتبر الخبير الفني المساعد لجهات التحقيق والتقاضي وتتلقي الشكاوى من جميع جهات تلقي شكاوى المرضى أو من المرضى مباشرة.
"وتشكل اللجنة العليا لجان فنية من 3 أساتذة أو استشاريين، للتحقيق في الشكاوى والتحقيق مع الطبيب و مقدمي الشكوى، وتكون مسؤوليتها تحديد وجود مسؤولية على الطبيب من عدمه، وتعد تقريرها لتقديمه لجهات التقاضي" ، يقول د.عبد الحي
وأضاف أن المسئولية الطبية تنتفي عن الطبيب إذا كان الضرر الواقع على متلقي الخدمة هو أحد الآثار أو المضاعفات الطبية المعروفة في مجال الممارسة الطبية المتعارف عليها علميا، أو إذا اتبع مقدم الخدمة أسلوبا معينا في الإجراء الطبي مخالفا لغيره في ذات التخصص ولكن هذا الأسلوب متفقا مع الأصول العلمية الثابتة، أو إذا كان الضرر قد وقع بسبب فعل متلقى الخدمة أو رفضه للعلاج أو عدم اتباعه للتعليمات الطبية الصادرة إليه من مقدم الخدمة.
وفيما يخص العقوبات التي تقع على الجانب الطبي، طالب نقيب الأطباء بأن تكون العقوبات مدنية في صورة تعويضات تصرف من صندوق التعويضات لصالح المريض أو عقوبات تأديبية في حالة ما إذا كان الطبيب يقوم بممارسة مهنية في مجال تخصصه وكان مرخصا له بإجراء مثل هذه الممارسة، وكان خطئاً طبياً غير مقصود وعدم إقرار أي عقوبة في حالة المضاعفات الطبية المتوقعة.
وأشار إلى ضرورة وجود تأمين إجباري ضد أخطاء المهنة حتى تقوم شركة التأمين بدفع التعويض ونضمن حق المريض أو ذويه في التعويض المناسب لجبر الضرر الذي وقع عليه.
عقوبات البلطجية
اللافت أن الدكتور إيهاب الطاهر، المرشح السابق على منصب النقيب، في الانتخابات الأخيرة، انضم لمجلس النقابة في مواجهة القانون.
وأكد الطاهر فى كلمته أمام الجمعية العمومية، أن العقوبات الواردة على البلطجية الذين يعتدون على مقدمي الخدمة في قانون الحكومة هزيلة، وذلك على الرغم من كونه اعتداء متعمداً.
وشدد الطاهر على وجود سلبيات خطيرة تعصف بالهدف من طلب القانون منها: أن القانون أقر المشروع إمكانية الحبس العقابى بحكم محكمة فى قضايا الأخطاء الطبية، وبدون وجود شبهات جنائية فى المواد 26 -28 ، موضحا أن هذا ينسف الغرض المأمول من مشروع القانون، كما أقر المشروع أيضاً إمكانية الحبس الاحتياطى بقرار رئيس نيابة فى المادة 29.
اقرأ أيضاً : “الأطباء” تترقب موقعة 13 أكتوبر.. “الاستقلال” تعود للمنافسة على مقعد “النقيب”
نقاش في المحافظات
ويبدو أن الأطباء تجهز لمعركة طويلة من أجل اقرار قانون مناسب ، وفق مراقبين ومصادر نقابية لـ"فكر تاني".
البداية، بعد ساعات قليلة من انتهاء الجمعية العمومية، وتحديدا صباح اليوم السبت، حيث بدأت النقابات الفرعية للأطباء فى المحافظات في مناقشة قانون المسئولية الطبية و مشاكل تراخيص المنشآت ومشروع العلاج وتعديل لائحة الروابط.
جاء ذلك في فعاليات مؤتمر النقابات الفرعية للأطباء والتي تستمر على مدار يومين بمشاركة النقابة العامة للأطباء والنقابات الفرعية للأطباء بالمحافظات، ويتضمن جدول الأعمال عديد من القضايا المهمة للأطباء .

وأعلن الدكتور مايكل يوسف عضو مجلس النقابة العامة للأطباء ومقرر المؤتمر جدول أعمال المؤتمر الذي يضم خمسة ورش أساسية هي قانون المسئولية الطبية و مشاكل تراخيص المنشأت الطبية و مشروع العلاج وتعديل لائحة الروابط وحقوق العاملين في ضوء قانون منح الالتزام المستشفيات.
مؤتمر النقابات الفرعية ينص على انعقاده قانون نقابة الأطباء ولائحته التنفيذية و النقابة العامة للأطباء منظمة للمؤتمر، ولكن اقتراحات ورش العمل وإدارتها تقوم بها النقابات الفرعية للأطباء.
اقرأ أيضاً : جدل حول مشروع قانون المسؤولية الطبية ونقابة الأطباء ترد على مجلس النواب
أهمية تحركات الأطباء
يقول محمود فؤاد رئيس المركز المصري للحق في الدواء :"يبدو أننا مقدمون على معركة مهمة بين الحكومة والأطباء بمصر، فتلك التحركات ما هي إلا بداية ، فنحن نتحدث عن حاجة مهمة للقانون على مدار العشر سنوات الماضية، تم خلالها طرح أكثر من مقترح لمشروع قانون، سواء من نقابة أو مجلس نواب أو حكومة، وذلك لمعالجة الخلل الكبير في عدم وجود قانون يحسم الأزمات المتكررة من حدوث الأخطاء الطبية، والمشاكل الدائمة بين الأطباء والمرضى".

ويضيف فؤاد فى حديث خاص لـ"فكر تاني"، أن "القانون في حد ذاته ضرورة ملحة للمجتمع المصري، ويكفي أن أقول أن حجم الضحايا المتداول في هذا المجال كبير جدا، وأن هناك تقرير صدر سنة 2020 من النيابة الإدارية يذكر أنه مسجل في المستشفيات الحكومية فقط 553 حالة خطأ طبي خلال عام واحد فقط، وهو الجزء المحرر بأوراق رسمية".
ويوضح رئيس المركز المصري للحق في الدواء أن تلك المخالفات بخلاف مخالفات المستشفيات الخاصة التي لم يتضمنها التقرير، وكذلك هذا الرقم رغم ضخامته، لا يعبر عن الحجم الحقيقي للأخطاء داخل المستشفيات الحكومية، خاصة أن هناك العديد من الأزمات يتم حلها بشكل ودي عبر العلاقات والعصبيات القبلية.
"وهذا النوع من القضايا دائما مثير للجدل لطبيعته الحساسة، ولا يوجد قواعد قانونية تنظمه بشكل حاسم، وهو ما جعلنا نرى قضايا تستمر لمدة 7 سنوات، وفي النهاية لا يصدر حكما حاسما بها، فيكفي أن أشير إلى أنه على سبيل المثال، تعد نقطة المسؤولية داخل غرفة العمليات من القضايا المثيرة للجدل، فهل هي مسئولية الطبيب الرئيسي، أو طاقم التمريض المسؤول عن توفير أدوات الطبيب ومراجعتها قبل وبعد العملية، أم الدولة أو صاحب المستشفى المسئول عن توفير الأجهزة الطبية المناسبة وجودتها وصيانتها وتوفير مصادر الطاقة وضمان عدم انعقادها، وهكذا تتشعب تلك النقاط فى موقف أو حالة طبية" يقول فؤاد.
ويضيف رئيس مركز الحق فى الدواء أن الخطير في القانون المقترح، هو أن الحكومة اتجهت للحبس مع تحميل الطبيب مسؤوليات واسعة ومطاطة.
وأكد فؤاد أن تحركات النقابة تعد مسألة حياة أو موت للأطباء، لأن القانون الحالي إذا ما أقر بصيغته الحالية، فهو يذهب بالطبيب والمهنة إلى كارثة كبرى، مشيراً إلى أنه يتوقع مواجهة قوية في حال إصرار الحكومة على إقراره بصيغته الحالية.
اقرأ أيضاً : الدواء الذي تحتاجه ابنتك.. “ناقص” أو “رُفع سعره”
ترقب للقانون نيابيًا
وبحسب مصدر برلماني، طلب عدم ذكر اسمه، فإن القانون لم يصل بعد إلى المجلس، وأنه من المنتظر أن ترسل الحكومة القانون إلى المجلس بشكل رسمي، وذلك لبدء إجراءات إقرار القانون بإحالته إلى اللجنة المختصة لدراسته بعد الموافقة المبدئية على القانون فى جلسة عامة.

وهنا تبدأ المعركة الأساسية للقانون، وفق المصدر الذي تحدث لـ"فكر تاني "، فى ظل وجود عدد من الأطباء من أعضاء مجلس النواب ، بجانب حضور ممثلي نقابة الأطباء للنقاش في جلسات استماع.
ويوضح المصدر أن المواجهة في تلك المرة سوف تكون قوية، خصوصا أن المعلومات الواردة تتحدث عن تمسك الحكومة بجوهر القانون محل الرفض في عدد من مواده من النقابة.
ويرجح المصدر أن الخوف من الأغلبية المضمونة قد يجعل مناقشات القانون ساخنة في ظل توقعات بتحرك الأطباء سوياً داخل المجلس سواء معارضة أو من الموالاة ضد القانون، لأنه يهدد المصالح الشخصية لكل طبيب.