رغم التراجع الواضح للتيار السلفي الوهابي في مصر على المستوى السياسي والاجتماعي في السنوات الأخيرة، خاصة مع تقليص المملكة العربية السعودية ودول خليجية أخرى من حجم التمويلات والرعاية السياسية للتيار السلفي، وظهور مراجعات عديدة من شيوخ ووعاظ هذا التيار، أعلنوا فيها تراجعهم عن أفكار وتصورات وفتاوى متشددة قدموها سابقًا، إلا أن المتابع للمشهد العام المصري والعربي يلاحظ استمرارية بل وتفاقم خطابات التكفير والترويع والعنف والكراهية.
مواقف ومشاهد كثيرة نتعرض لها في حياتنا اليومية أو على مواقع التواصل الاجتماعي، تعكس قدر كبير من التطرف والجهل والسلطوية الشعبية التي يمارسها قطاع واسع من الجمهور؛ بوعي أو دون وعي يتورطون في الهجوم على شخصيات عامة من رياضيين وفنانين ومفكرين حتى كبار علماء وشيوخ الأزهر لا يسلموا من هذا الهجوم، لمجرد إن هذه الشخصيات عبرت عن رأي مخالف أو تعيش بطريقة مغايرة للتصورات الشعبوية السائدة.
لا يقتصر الأمر على العنف المعنوي والسباب والبذاءات تجاه الشخصيات العامة التي غالبيتها ما تكون مسلمة، بل يمتد لعنف وإرهاب تجاه أبناء الطوائف والديانات والمعتقدات الأخرى؛ فالحوادث المتجددة تجاه الأقباط وعدم تمكينهم من بناء دور عبادة جديدة في قرى الصعيد والأحياء الشعبية في مصر.
مرورا بما يتعرض له البهائيين والشيعة والبهرة وغيرهم من تضييق وعنف شعبي، وهو ظاهرة متكررة في العديد من البلدان العربية بصورة أكثر حدة مما يحدث في مصر، كما شاهدنا في سوريا والعراق منذ عدة سنوات، وكما حدث ويحدث في السودان من حرب أهلية وطائفية.
تطرح هذه المؤشرات أسئلة جوهرية حول مدى تغلغل الأفكار السلفية الإقصائية المتطرفة في المجتمع المصري والعربي بشكل عام؛ فرغم حالة الانفتاح الرسمي من بعض الأنظمة والحكومات مؤخرا تجاه قضايا حقوق المواطنة وحرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية إلا أن المزاج الشعبي أو هكذا يبدو _في ظل عدم وجود بيانات وإحصائيات دقيقة_ مازال يعيد تدوير خطابات وفتاوى التطرف والعنف والتكفير.

بيئة داعمة
في كتابه "ذهنية التكفير.. الأصوليات الإسلامية والعنف المقدس" الصادر في طبعتين عن دار مصر العربية للنشر، والهيئة العامة للكتاب ضمن إصدارات مكتبة الأسرة، يشير د.حسن حماد أستاذ قسم الفلسفة في جامعة الزقازيق إلى أن "إن العنف الديني في مصر _وفي غيرها من الدول العربية التي أصابتها جرثومة التطرف الديني_ لم يعد مجرد ظاهرة. لقد تخطى هذه المرحلة وأصبح بنية ثقافية وعقلية متماسكة تفرز التطرف والإرهاب بصورة دائمة، وهو لم يعد أيضًا مجرد رد فعل لظاهرة أو لأزمة فقط، بل صار يدخل في شبكة متماسكة ومعقدة جدًا من العلاقات في مختلف القطاعات والمؤسسات".
بهذه الكلمات الموجزة والصادمة يفتتح حماد كتابه محاولًا فهم وتفكيك ظاهرة التطرف والإرهاب والعنف الديني عن طريق رصد وتحليل جذورها الثقافية والمعرفية وتجلياته النفسية، يتتبع الكاتب نشأة وتطور مفهوم "المقدس" في الذاكرة والتاريخ البشري، موضحًا أن المقدس مفهوم تاريخي عرفته الإنسانية باختلاف حضاراتها وأديانها "يمثل المقدس عنصرًا من عناصر بنية الوعي الإنساني، ولا يمثل فقط مرحلة من مراحل ترقي وتطور هذا الوعي، فالإنسان عبر تاريخه الطويل لم يتوقف عن إنتاج ضروب متنوعة من المقدسات".
ويضيف:" لقد أصبح الإرهاب المقدس في مجتمعنا العربي بنية متكاملة وبرغم من أن هذه البنية تتشكل من أبعاد اقتصادية وسياسية وثقافية، إلا أنها في جوهرها بنية معرفية تقوم على أساس أن الأصولي يعتقد أنه يفكر وينطق باسم الله، ومن ثم فإنه يتوهم امتلاك حقيقة مطلقة، وليست الأزمة في امتلاكه لفكرة مطلقة، ولكن الأزمة في أنه يريد فرض مسلماته على الآخرين. إنه لا يطيق أن يحيا في عالم مختلف ولا يتحمل أن يوجد فيه هذا العالم حقائق أخرى غير حقيقته. إنه ذو ذهنية قمعية مسكونة بهوس الاصطفاء والنقاء والطهر والتحريم والاستعلاء على الآخرين، ولذلك من السهل جداً أن يدمر نفسه والعالم".
بنية المقدس
يوضح حماد أن أزمة المقدس تكمن في البنية المتناقضة بين المطلق والنسبي، المتجاوز والواقعي في رؤيتنا للأديان والمعتقدات "يعكس المقدس في كافة أشكال تجلياته مفارقة صعبة ومربكة، فهو ينتمي إلى العالم الواقعي والتاريخي بكافة مفرداته وأشكاله ونواقصه، ومع ذلك فإنه يمثل نظامًا ثقافيًا واجتماعيًا يتجاوز حدود الواقعي والنسبي المحدود لينطلق إلى فضاء المتعالي، المعجز، الطاهر، الكامل .. الخ، بحيث يبدو وكأنه فوق البشري، فوق المساءلة والنقد، يفترض فيه ألا ينتمي لهذا العالم الدنيوي المدنس بخطايا البشر، فهو يعارضه ويناقضه. ومع ذلك فإنه يستمد منه مشروعية وجوده واستمرارية حياته وبقاءه".
يمكننا فهم مدى إشكالية سؤال وسلطة المقدس في الإسلام في ظل وجود تداخلات عديدة بين السياسي والاجتماعي والاقتصادي والديني وتمدد واتساع لهذه السلطة بصورة مستمرة "إن سلطة المقدس في الإسلام لم تعد قاصرة على الكتاب والسنة فحسب، ولم تتوقف عند حدود الرسل والصحابة بل امتدت للفقهاء والمفسرين مما جعل ساحة المقدس تتسع لدى المؤمن العادي البسيط لتشمل حتى هؤلاء الذين يمارسون الدجل والشعوذة والخرافة".
ويضيف "يمارس المقدس الديني سلطة لا محدودة لا على الحياة السياسية والاجتماعية فقد بل يمتد إلى التفتيش في الضمائر وإلى السيطرة على العقول أو إلغاءها تمامًا، ويمتد إلى السيطرة على الجسد والتحكم في كافة الأمور البسيطة والصغيرة والتافهة في الحياة اليومية للبشر".
أسباب متنوعة
يقسم الكتاب أسباب التطرف الديني وانتشار الإرهاب لثلاث نقاط رئيسية وهي: العوامل الذاتية، والموضوعية، والنفسية، مشيرًا إلى أن بنية التطرف الديني التي تغلغلت خلال العقود الماضية في المجتمع المصري أفرزت ذهنية عقلية متطرفة أصبحت تحكم السياق المجتمعي ككل.
"بنظرة سريعة نستطيع أن نلمس ذلك بصورة صارخة في مساحة الحرية الفكرية والإبداعية التي أخذت تضيق وتنحصر إلى أقصى درجة، وأصبح الخوف من تهمة التكفير والخروج على التقاليد سيفًا مسلطًا على رقاب المثقفين، وامتد الأمر إلى المدارس ونظام التعليم فازداد عدد المدارس الدينية واخترق أصحاب الجماعات الدينية المتطرفة المدارس وأصبحوا يبثون أفكارهم في عقول النشء الصغير".
ينطلق حماد في أطروحته من سبعينيات القرن الماضي كمرحلة فارقة في انتشار وتمدد الفكر المتطرف والإرهاب في مصر والوطن العربي، وهى الفترة التي تولى فيها الحكم الرئيس الراحل أنور السادات وقد نتج عنها تغيرات ضخمة في بنية المجتمع المصري على كافة المستويات الاقتصادية والاجتماعية والدينية.
"إن تفشي مناخ التطرف في مصر منذ السبعينيات وحتى الآن يعد مقدمة منطقية وضرورية لنشر الإرهاب، فالإرهاب بصورته الدينية لا يزدهر إلا في أرض مخصبة بالتطرف، ولا ينمو إلا في ثقافة تحرم الفن وتمنع الحرية وتمنع التفكير وتجرم الاجتهاد والإبداع وتحاصر المرأة وتفتش في الضمائر وتقف بالمرصاد لكل ما هو جديد بوصفه بدعة وضلالة".
يحدد حماد مجموعة من العوامل الذاتية والموضوعية والنفسية التي يرى أن لها دور بارز في انتشار التطرف والإرهاب خلال الثلاث عقود الماضية في مصر والوطن العربي وتتضمن العوامل الذاتية أربعة نقاط أولًا الأزمة الاقتصادية والخواء السياسي، ثانيًا هيمنة الخطاب الأبوي وغياب الحرية، ثالثًا تدني السياسة التعليمية وتفشي الجهل والخرافة، رابعًا تزايد مشاعر اليأس والخوف والتطلع لمجيء المخلص.
بينما تتضمن العوامل الموضوعية ثلاث نقاط هي سقوط النظام الشيوعي، وغزو أمريكا للعراق، وعولمة الإرهاب "المقصود بالعوامل الموضوعية للتطرف، تلك الأسباب أو العوامل التي تنتمي للعالم الخارجي، وهى عادة تقع خارج السيطرة بالنسبة للدول الفقيرة التي لا تمتلك قوة التأثير فيما يدور حولها من أحداث، إن لم تكن تفتقد حتى قوة التأثير بالنسبة لذاتها ومصيرها".
في الفصل الثالث من الكتاب الذي حمل عنوان "التحليل النفسي للعنف المقدس" يقدم حماد مجموعة من السمات النفسية التي يتسم بها الإنسان المتطرّف، ومن أبرزها التعصّب الشديد والنزوع العدواني التدميري والنرجسيّة والتمحور حول الذات والارتباط السّاديّ المازوخيّ بالعالم، والرؤية الأحادية، واليقين المطلق.
"العقل الأصوليّ هو عقل نكوصيّ ماضويّ، يقدّس الماضي ويتحرّق شوقاً للعودة إلى الأرحام المرجعيّة في الفقه واللغة والأفكار، ومن هنا يتّسم العقل الأصولي بهذا الحنين الجارف لاستعادة الماضي التاريخيّ للأسلاف والعودة إلى العصر الذهبيّ للسّلف الصالح، ومن ثمّ يتمّ نفي الحاضر والمستقبل لحساب هذا الزمن المطهّر من كلّ الخطايا، وتتحوّل منظومات الأفكار الفقهيّة وقيم وممارسات الأسلاف إلى منظومات مقدّسة لا يجوز نقدها أو مراجعتها أو مخالفتها أو حتى المساس بها".
فخاخ الخاتمة
رغم الجهد البحثي والتعامل بقدر من الموضوعية والتجرد على مدار فصول الكتاب إلا أن الكاتب يخلص لنتيجة تبدو منحازة ومفارقة لموضوعية البحث العلمي، مشيرًا في خاتمة الكتاب إلى أنه:"بعد هذا العرض الذي تناولنا فيه الجذور المادية والثقافية والمعرفية للعنف الديني وتحليلاته النفسية والسلوكية، يظل السؤال، لماذا يتصدّر التيّار الأصولي الإسلاميّ (كما يُسمّى تيّار الإسلام السياسي) المشهد السياسي المعاصر بهذه الصورة المرعبة؟".
ويضيف:لماذا ينشغل العالم بهذا الضجيج الذي لا ينتهي حول الخطر الإسلاميّ؟، ولماذا لا نجد مثيلاً لذلك لدى الديانات الوضعيّة: كالبوذيّة والزرادشتيّة والهندوسيّة؟"، يجيب حماد على هذه التساؤلات قائلًا "يعود ذلك إلى أن الإسلام وغيره من الأصوليات الإبراهيمية (اليهودية والمسيحية) تستمد قداستها من خلال انتسابها للأصل الإلهي، وهذا ما يضفي علي ممارساتها السياسية طابعًا جهاديًا وإرهابيًا وتسلطيًا".
بقدر منطقية ما يطرحه حماد من أسباب وشروحات حول جذور الديني والأصولية الإسلامية، إلا أنه الحكم بصورة عامة على الدين الإسلامي وغيره من الديانات من خلال تيار واحد فقط أو مجموعات تيارات ومفاهيم شائعة يحتاج إعادة نظر، لآن هناك طوائف وفرق وأفكار مختلفة ومتنوعة تعبر عن روح وتصورات مغايرة في فهمها للإسلام والديانات الإبراهيمية بصورة أبعد ما تكون عن العنف.
فضلًا عن أن هذه الرؤية التي يطرحها حماد في خاتمة كتابه تغفل وتتغافل عن العنف والجرائم والسلطوية التي تمارس تحت رايات البوذية والزرادشتية والهندوسية وغيرها من الجماعات والطوائف الدينية، ومن هنا يظل السؤال مطروحًا حول أسباب العنف والتطرف والهوس الديني المنتشر في العالم، وكيفية التعامل معها؟
اظن ان المدخل العلمى لكبح جماح العنف والتطرف الدينى هو اعادة تعريف المقدس بحياد علمى ومنهج بحث حقيقى ويتبع هذا بجهد تعليمى و تثقيفى و مجتمعى شجاع لإعادة صياغة تعريف المقدس فى عقول ملايين البشر المصابين بمرض تقديس اللا مقدس .