تكريم يأتي من خارج مصر.. نوال السعداوي في مناهج تونس التعليمية

“دولة تونس قررت تدريس كتبي ضمن المناهج في المدارس والمعاهد، وقرأها الشعب التونسي جيلاً بعد جيل”، هكذا كتبت نوال السعداوي، عقب علمها بقرارهم تدريس مقالاتها في المناهج التعليمية. العلاقة الطيبة بين تونس الخضراء والسعداوي لم تنته عند ذلك الحد.

فقبل أسابيع، أعلنت منى حلمي، ابنة الراحلة نوال السعداوي، أن تونس، أدرجت مقالات والدتها في مناهج التعليم الأساسي والابتدائي. ليحسب بذلك إنجازا تاريخيا جديدا لبلد عربي وإسلامي.

مُلهمة المناهج التونسية

نوال السعداوي هي طبيبة وكاتبة وروائية مصرية، ومدافعة عن حقوق المرأة. نشطت منذ الخمسينيات وعرفت بمحاربتها لظاهرة ختان الإناث (تشويه الأعضاء التناسلية) وصراعها الطويل مع العادات المجتمعية والقيم الدينية التي جعلتها عرضة لاستهداف تيار الإسلام السياسي. ولدت نوال السعداوي في 27 أكتوبر 1931 في قرية كفر طلحة التابعة لمحافظة القليوبية، لأسرة مكونة من 9 أفراد.

نشأت السعداوي في كنف والدها الريفي الموظف في وزارة المعارف، الذي كان مصرًا على تلقي جميع أبنائه التعليم. وذكرت العديد من المواقف في طفولتها التي أثرت على تفكيرها. قالت في إحدى كتبها: “أخي كان أكبر مني وحين رفع يده عاليًا ليصفعني، رفعت يدي أعلى من يده وصفعته”.

تلقت تعليمها في مدارس حكومية، ثم التحقت بكلية الطب بجامعة القاهرة وتخرجت منها عام 1955، ثم عملت في مستشفى القصر العيني. وفي عام 1966، اتجهت لدراسة الطب النفسي وحصلت على درجة الماجستير من جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة الأميركية. تابعت دراستها بين عامي 1973 و1976 في كلية الطب بجامعة عين شمس، وتخصصت في مرض اضطراب الشخصية والتوازن النفسي المسمى “العصاب”.

دعت آرائها إلى رفض التعصب الأعمى والتمييز بين الرجل والمرأة، والمساواة بينهما في التعليم والعمل والقانون وجميع مناحي الحياة، مما أدى إلى صراع ممتد معها.

اقرأ أيضا: في يوم المرأة المصرية.. “فيمنستس” دافعن عن حقوقهن وغيرن الواقع

لماذا مؤلفات نوال في المناهج التعليمية؟

على غير المتوقع، أن امرأة مثل نوال السعداوي، بكل ما أثير حولها من جدل وهجوم، يتم إدراج مؤلفاتها التي كانت سببًا كبيرًا في الهجوم عليها، في مناهج تعليم أساسي في دولة عربية. إذ كتبت سابقا في مقال لها نشر في عام 2013 :”عندي ذكريات حميمة مع تونس. أشعر فيها أنني وسط عائلتي وأهلي. بلاد الخضرة ونضارة العقل وحرارة القلب. دولة تونس قررت تدريس كتبي ضمن المناهج في المدارس والمعاهد، وقرأها الشعب التونسي جيلاً بعد جيل. كانت كتبي حينئذ تصادَر في مصر، ويطاردني بوليس السادات ومبارك، ويوضع اسمي على قوائم الموت”.

يقول كمال مغيث، الخبير بالمركز القومي للبحوث التربوية لمنصة “فكر تاني”: “كنت صديقًا شخصيًا لنوال السعداوي، وكنت دائم الحضور لندواتها في جمعية (تضامن المرأة العربية) التي أسستها في عام 1982. قرأت جميع مؤلفاتها منذ بدايتها وأثرت فيّ، وكنا دائمين النقاش معها”.

يحكي مغيث، أنها كانت تمتلك منهجًا متكاملاً ووجهة نظر واضحة وناضجة ومحددة في كيفية جعل المجتمع يحترم الحريات الشخصية والفردية ويتحرر من إطارين فكريين مهيمنين على عقول الناس وهما: الإيديولوجية الذكورية من ناحية والمتطرفة من ناحية أخرى. تستطيع مؤلفاتها تحليل كلا المحورين والخروج منهما.”

لماذا تونس وليس مصر؟

فيما يرى الخبير التربوي أن السعداوي كانت مشهورة خارج مصر، بسبب دعوتها المستمرة في المحافل الدولية وتكريمها لكونها تعرض قضايا حقيقية؛ لكنها كانت تدفع ثمن إيمانها بهذه القضايا. وأضاف أنه تم سجنها في عام 1981 إبان الحملة الأمنية التي شملت أكثر من 1500 شخص من جميع التوجهات.

بينما يرى أن تكريمها بإدراج مؤلفاتها في المناهج الدراسية، فهو أمر يتوقف على درجة النضج والاستنارة التي تتمتع بها الدول التي فعلت ذلك. كما أن تونس لا تشهد التطرف الديني بالدرجة نفسها التي نشهدها في مصر، بالإضافة لكون تونس دولة متقدمة في قضايا المرأة بشكل كبير، يظهر ذلك في عدة قضايا مثل: منع تعدد الزوجات، فكرة إخبار الزوجة الأولى بزواج زوجها من أخرى، والكثير من القوانين التي منعت الرجل من التعامل بحرية مطلقة مع زوجته. فمن المنطقي أن تونس وضعت نوال السعداوي بين مقرراتها الدراسية.

اقرأ أيضا: نساء مصر مابين النضال والقمع بحثًا عن الحرية

السعدواي في المناهج المصرية.. حلم

تقول وفاء عشري، مسؤولة لجنة العمل على قضايا النساء في حزب العيش والحرية “تحت التأسيس”: “كتابات نوال السعداوي أحدثت صدمة في أوساط المجتمع المحافظ وتعرضت للاتهامات بازدراء الأديان، حتى أن بعض الإسلاميين رفعوا دعوى قضائية تطالب بتطليقها من زوجها.

بينما ترى عشري أنه حتى نتمكن في مصر من فتح أفق لإدراج مقالات نوال أو تدريس سيرتها في المناهج المصرية، فإنه ينبغي على المجتمع المدني أن يقوم بذلك من خلال المدارس النسوية التي تطلقها بعض المؤسسات لتعليم الكوادر سيرتها، لتمكننا من التعاطي مع مؤلفاتها. كذلك من خلال التثقيف في الأحزاب اليسارية لمناقشة أفكارها.

ربما يكون حلم تدريس مسيرة السعداوي صعب في مصر -هذه الآونة- لأسباب عديدة. مسئولة لجنة العمل على قضايا النساء في حزب “العيش والحرية” تقول لمنصة “فكر تاني” :”نحن لسنا مثل تونس لأن جامع الزيتونة وهو بمثابة جامع الأزهر بدأ في تطوير وتحديث الخطاب الديني منذ وقت طويل”.

وترى منى عبد الراضي، أمينة المرأة بالحزب المصري الديمقراطي ومنسقة الجبهة الوطنية لنساء مصر، أن النظام التونسي يسبقنا في مجال حرية المرأة والعقائد الدينية، فما زلنا في مصر تحركنا معتقدات دينية جامدة لا تجديد فيها.

اقرأ أيضا: اسمي فيولا.. عن صداقتي بمسيحية حرمتها الفتاوى

التيارات المتطرفة ستوقف الأمر

فيما تؤكد عبد الراضي أنه إذا أثرنا هذا المطلب سوف نُصدم بهجوم لم نتخيله. فهذا يظهر كل فترة مع أي موضوع خاص بالمرأة، حتى عند وفاة امرأة، نجد من يروج بعدم جواز الترحم عليها لأسباب واهية.
أما عن تدريس مقالاتها في مصر، فترى أنها كانت تُهاجم قبل وفاتها، ويتم التشهير بها وبأفكارها أنها ضد الدين والتقاليد. وأضافت أن التيارات المتطرفة أباحت قتلها وإهدار دمها. بينما نسبة قليلة من المثقفين يقدرون كتاباتها وآراءها.
معظم الأحزاب السياسية، وخصوصًا اليسارية، تؤمن بحرية النساء وتمكينها سياسيًا واقتصاديًا؛ لكن -وفقًا لعبد الراضي- لا سبيل لتنفيذها، لأن الأحزاب لا تحكم، ولا تملك تنفيذ القرارات.

تتمنى تطوير المناهج التعليمية لتشمل مؤلفات تقدمية عن النساء، معتبرة أن الأمر بات ضرورة ملحة. فما زال كتاب القراءة في الابتدائي يصور البنت أن مهمتها مساعدة الأم في الأعمال المنزلية، بينما شقيقها الذكر يلعب.
وأكدت عبد الراضي أن التيار المدني يسعى لإبراز شخصيات تنويرية مثل نوال السعداوي عبر عقده لندوات والاحتفاء بذكراها. واختتمت: “لكن الغالبية العظمى من البسطاء لا يدركون أهمية حرية المرأة، نتمنى أن نصل للقرى والمحافظات وأن نغير الأفكار التي كُرست طوال عقود”.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة