طبقة "تكافل وكرامة".. اللي جاي مش قد اللي راح

في طابور الخبز الطويل، تراقب "دينا المحمدي" فى صمت، أرغفة خبز ساخن تغادر حرارة الفرن إلى حرارة الأسعار التي زادت بنسبة 300% أخيرًا. "العيش" انضم منذ أول يونيو الماضي إلى قائمة مستحيلات العيش الكريم الذي وعد معاش "تكافل وكرامة" بتحصيل الحد الأدنى منه.

كانت الحكومة تمنح الأسر المكونة من زوجين وطفلين دعًما نقديًا كاملًا 50 جنيهًا للفرد على البطاقات التموينية، بينما يحصل الطفل الثالث على دعم جزئي قدره 25 جنيهًا، لكنها، في 2020 أصدرت قرارًا رسميًا باقتصار الدعم على طفلين فقط.

مبروك كسبت 450 جنيهًا شهريًا

حال دينا، الأرملة وطفليها، لا يختلف كثيرًا عن أوضاع مماثلة لـ5 ملايين أسرة تستفيد من برنامج مساعدات "تكافل وكرامة" الحكومي النقدي، الذي يغطي قرابة 22 مليون مواطن، تحت خط الفقر.

بعد وفاة زوجها، تقدمت الأرملة الشابة -في رحلة بيروقراطية مرهقة- بمستندات عديدة للحصول على معاش "تكافل وكرامة"، وتمت الموافقة لها بعد مرور عامين. وبعد ماراثون من التنقلات فى دوامة الروتين الحكومي، فازت أخيرًا بالـ 450 جنيهًا "يفترض أن تدبر بها أحوالها وتوفر حاجات عيالها من أكل وتعليم".

خطوات الحصول على معاش "تكافل وكرامة":

1. التوجه إلى أقرب وحدة اجتماعية تابعة لمحل السكن.
2. تقديم صورة بطاقة الرقم القومي.
3. تقديم صورة من قسيمة الزواج أو الطلاق.
4. تقديم صور شهادات ميلاد الأبناء أو بطاقات الرقم القومي.
5. تقديم صورة من بطاقة التموين.
6. تقديم قيد مدرسي للأطفال من سن 6 إلى 18 سنة، وقيد للطلاب المقيدين في الجامعات.
7. في حال وجود إعاقة، يجب تقديم كشف الإعاقة من اللجان الطبية.
8. تقديم صورة شهادة وفاة الزوج أو الزوجة إذا كانت متوفاة.

شروط الحصول على معاش "تكافل وكرامة":

- ألا يكون المتقدم يتقاضى معاشًا تأمينيًا.
- أن يكون المتقدم من ذوي الإعاقة.
- أن يكون المتقدم من أصحاب الأمراض المزمنة.
- ألا يعمل المتقدم بأجر تأميني يزيد عن 400 جنيه.
- أن يعاني المتقدم من مرض مزمن يمنعه من العمل أو يقلل قدرته على العمل.

بين ضعف الدعم الذي تتلقاه من الحكومة وحصة التموين التي لا تكفي أسرتها، تحاول "دينا" جاهدة، التكيف وتوفيق الأوضاع بين مصروفات أطفالها والدخل المتدني، دون أي إدخار لأي طارئ. "لما ابني يسخن مقدرش اشتريله مضاد حيوى ولا خافض حرارة.. الأسعار فوق الـ100 جنيه"؛ تقول "دينا" التي تعيش أسرتها منذ أسابيع بلا كهرباء، بعد أن رفعت شركة الكهرباء العداد لعدم قدرتها على سداد الفواتير المتراكمة عليها، بينما تبني أمالًا كبيرة على شائعات حول زيادة جديدة في معاشات "تكافل وكرامة" تتراوح بين 25% و30% اعتبارًا من يوليو الجاري، لكن الحقيقة أن الزيادة تم تطبيقها بالفعل بنسبة 15% في منتصف شهر مارس الماضي.

ملعقة واحدة لكل مواطن

من طابور الخبز إلى التموين، اختلفت الأسماء والأشكال لكن الواقع واحد، فـ "أم محمد" التي حصلت، بعد ساعتي انتظار كاملة، على حصتها من التموين لأربعة أفراد يشكلون أسرتها، عادت بـ 4 أكياس من الأرز و4 زجاجات من الزيت وكيسين من السكر، سيقتسمها معهم طفلهم الثالث، الممنوع من الدعم التمويني بالقرار الحكومي الذي يقتصر الدعم على طفلين.

يظهر تقرير حديث صادر عن الجهاز المركزى للتعبئة والاحصاء، أن إجمالي المستفيدين من منظومة الدعم تراجعت من 68,8 مليون شخص في 2017 إلى 67,8 مليون شخص في 2018، بعد حذف مليون شخص غير مستحق للدعم -وفق التصنيف الحكومي- بينما يصل العدد حاليًا إلى 64 مليون مواطن.

تتساءل "أم محمد": "ازاي هنعيش بكيس رز واحد للفرد طول الشهر؟.. يعني مطلوب مننا ايه؟ نشم الرز ونوزع معلقة على كل فرد يوميًا؟! هو الحكومة عارفة أن الفطار لوحده بيكلف 100 جنيه؟".

لا تستطيع الأسر توفير احتياجاتها الغذائية دون حساب فاتورة الدواء والكهرباء والغاز وبند ميزانية تعليم الأبناء. "العيل الواحد بيحتاج ركوب مواصلتين عشان يوصل المدرسة وأجرة الميكروباص زادت لـ 5 جنيه والنقل العام والميني باص بقى بـ 7 و10 جنيه".

متى نترك الفقراء يعيشون الدنيا أيضًا؟

ينتقد المراقبون سياسة تحويل الدعم العيني إلى نقدي، التي قررت الحكومة اتباعها أخيرًا، خاصة وأنه في كل أحواله المطبقة إلى الآن لم يتناسب مع ارتفاعات الأسعار المتلاحقة في الخدمات والسلع الأساسية.

"احنا اللى بنتفرم في النص"؛ يقول عبد الله سعد، الذي أسقطه حظه في آخر طابور امتد على طوله أمام أحد منافذ التموين، منتقدًا اتجاه الحكومة المتكرر لتقليل الدعم رغم دوامة موجات الغلاء. "أنا راجل عندي 47 سنة عندي أسرة من 3 ولاد ومراتي ودخلي الشهري لا يتجاوز 1500 جنيه.. هيدوا دعم كام وهيعمل ايه حد يفهمني".

"سعد" عامل موسمي في أحد المصانع، لا يكفي دخله بند الأساسيات وحده، الذي يشمل فواتير الكهرباء والغاز وقيمة الإيجار لشقته المتواضعة، والذى يلتهم 800 جنيه من الميزانية التي يتبقى منها 700 جنيه فقط لمصروفات الطعام والشراب. لذا، كان من الضروري أن يلتحق بوظيفة ليلية إضافية تعيد بعض التوازن لحياته ولو على حساب صحته.

"أقل من الألف جنيه بشوية باخدها من الشغل التاني بسلمها لمراتبي على المرتب الأساسي ونحاول نوفر في أي حاجة وكل حاجة عشان نقدر نكمل الشهر من غير ما نمد ايدنا لحد.. بس على مين.. كل ما يدخلنا فلوس الأسعار تيجي تلهفها"؛ يقول "سعد" الذي ينفق 350 جنيهًا شهريًا على علاج زوجته الشهري في معهد الكبد.

لا تكافل ولا كرامة

"ليس هناك تكافل أو كرامة"؛ يقول الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب، في رده على سؤال "فكر تاني": إلى أى مدى تحمى برامج الحماية الاجتماعية الفقراء والمهمشين من أثار الاصلاح الاقتصادى؟

يقول: "معاش تكافل وكرامة أقل من معدل خط الفقر القومي الذي حددته الحكومة سنويًا في حدود 10 آلاف جنيه سنويًا عام 2020، فعند مقارنة هذا المعاش مع معدلات التضخم الحالية نجد أنه لا يوجد فيه أي كرامة تضمن للفقير حياة كريمة ولا يوجد فيه أي تكافل من قبل الدولة".

ويتوقع "عبد المطلب" تدهورًا بأحوال الأفراد الذين يعتمدون على تكافل وكرامة بصورة أساسية في العيش، ويستنكر الحديث عن زيادة جديدة لمعاش تكافل وكرامة، يصفها بأنها "لا تأكل عيش حاف"، فطبقًا لأرقام جهاز التعبئة والإحصاء لعام 2022، الأسرة المكونة من أربعة أفراد تحتاج إلى 2318 جنيهًا شهريًا للوفاء بمتطلبات الحياة الأساسية، وهو رقم من الطبيعي أن يتضاعف مع توقعات بتسجبل التضخم 35.5% في ديسمبر المقبل.

ووفق هذا وبناءً على الاعتراف بالأزمة الذي تُرجم حكوميًا بقرار رفع الحد الأدنى للرواتب إلى 6000 آلاف جنيه، والذي لا يتناسب أيضًا مع الأزمة الحالية التي يعيشها المصريون، تجعل أي زيادات في معاشات "تكافل وكرامة" لا تتناسب مع آثار سياسات الإصلاح الاقتصادي على طبقات محدودي ومعدومي الدخل والطبقات المهمشة الفقيرة "وهم يباع للشعب"، على حد قول "عبد المطلب"، الذي يشير إلى قرارات اقتصادية صعبة قادمة، تفرض ضرورة التعاطي الجاد مع هذه الأزمة.

سياسة "فرم الفقراء"

ولا يذهب الدكتور رشاده عبده، الخبير الاقتصادي، بعيدًا في آرائه، إذ يؤكد أن مراجعة منظومة الدعم على مدار حكومات متعاقبة تثبت أنه كلما وقعت الدولة في فخ "العجز بالميزانية" تسعى بالتعاون مع صندوق النقد الدولي إلى "فرم الفقراء"، على حد تعبيره، متسائلًا: "أي برامج حماية اجتماعية تتحدث عنها الدولة في ظل استمرار رفع أسعار الخدمات الأساسية وتقليص عدد من الموطنين من الدعم التموينى ودعم تكافل وكرامة بحجة توجيه الدعم لمستحقيه".

تحت شعار "توجيه الدعم لمستحقيه"، لجأت الدولة إلى شطب أعداد كبيرة من قوائم معاش "تكافل وكرامة"، بينما اقتصرت إضافة المقيدين الجدد في منظومة البطاقات التموينية على الفئات متدنية الدخل.

في خدمة صندوق النقد لا الفقراء

يقول الدكتور عمرو سليمان، أستاذ الاقتصاد بجامعة حلوان، إن أرقام موازنة 2024/ 2025 تشير إلى فوائد ديون تلتهم ما يقارب نصف مصروفات الدولة، بينما لا تمثل بنود الدعم سوى 8.56% من هذا الإجمالي.

ويضيف في تصريحاته لـ"فكر تاني": "الحكومة تحاول تسويق الدعم النقدي في مقابل رفع الدعم عن السلع والخدمات بعد عجزها عن توفير السلع المدعومة، وهو أمر يخل بالتزاماتها وفيه معارضة لمواد الدستور الذي ينص على مبدأ العدالة الاجتماعية. هذا قرار يخدم صندوق النقد وليس الفقراء".

ويوضح "سليمان" أن الحديث عن الدعم النقدي بدأ تداوله في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، حيث أكدت الدراسات حينها أن 85% من الأسر رفضت تطبيق الدعم النقدي بدلًا من الدعم العيني، نظرًا لتخوفات تتعلق بإمكانية استغلال الأموال بشكل غير مقبول من قبل بعض أفراد الأسرة وفي مقدمتهم رب الأسرة.

أبلغت الأسر حينها أيضًا أن الأموال عادة تتراجع قيمتها مع الوقت ومن الأفضل الحصول على السلع والخدمات المدعومة من الدولة، بحسب بيانات دراسة لعام 2009 أجراها خبراء اقتصاد لصالح الحزب الوطني، قبل أن يتم حله في أعقاب أحداث 2011.

ويؤكد "سليمان" أنه إذا أجريت مثل هذه الدراسات الآن فإن نسبة الرفض ستتجاوز بلا شك 100%، مشيرًا إلى أن الدعم النقدي لا يسد الفجوة التي تسببت فيها قرارات تخفيض الدعم عن الخدمات الأساسية وتكاليف المعيشة التي لا تكف عن الارتفاع.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة