أُدين ترامب في 34 قضيةً مُخلَّة بالشرف، استحال أول رئيسٍ أمريكي ذا سوابق جنائية، هكذا دخل التاريخ، في مشهدٍ دراماتيكيٍّ سوداوي، ما كان للآباء المؤسسين للولايات المتحدة، أن يتصوَّروه حتى في أسوأ كوابيسهم.
مذنب.. نطق أعضاء هيئة المُحلَّفين، وسط جعجعةِ المرَّشح الجُمهوري، بأن التهم مسيَّسة، وجعيرِه بأن أعداءه الديمقراطيين حفروا له حفرة، حتى يتعثَّر فتتهاوى أسهمه الصاعدة، في بورصة الانتخابات ضد خصمه، الذي يصفه بـ"العجوز المُخرِّف"؛ الرئيس بايدن.
لكن في مفارقة شديدة العبثية، لا تحول الإدانة دون خوض ترامب الانتخابات، فالدستور الأمريكي يقضي بتوافر اشتراطات ثلاثة، في مرشح الرئاسة، وتتمثل في أن يكون أمريكيًا منذ ولادته، وأقام في البلاد 14 عامًا بحد أدنى، ولا يقل عمره عن 35 عامًا، بل إن الأغرب من ذلك، أنه يُسمح للرئيس بممارسة مهام عمله، ولو كان قابعًا خلف القضبان.
اقرأ أيضا : ترامب يعلن ترشحه للانتخابات.. وبايدن: لقد خذل أمريكا

طرف القضية الثاني هي ممثلة الأفلام الإباحية، ستورمي دانيالز، ومسوغات الإدانة ليست تورط الرئيس السابق والمرشح الحالي، في علاقة جنسية معها، فهذا شأنه من وجهة نظر قانونية، وإنَّما لكونه "اشترى صمتها" برشوة بلغت 130 ألف دولار، كيلا تفشي القصة إبَّان انتخابات عام 2016، وهناك قرائن دامغة تؤكد ذلك، منها شهادة محاميه مايكل كوهين، بأنه سدد الرشوة للغانية، كما تلاعب بسجلات الضرائب.
صرخات ترامب الملتاثة، في الفضاء الإلكتروني والواقع، لم تؤثر على سير المحاكمة، ولن تؤثر بالطبع عليها في دوائر التقاضي الأعلى، التي يعتزم تحريك ملف القضية أمامها، فالقرائن دامغة، وهناك مستويات صارمة لاستقلالية القضاء في الولايات المتحدة، وسواءً أعجبنا أو لم يعجبنا، إنها ليست دولة عربية، إذا سرق فيها الشريف "أو الرئيس" تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه العقوبة.
كل حلفائك خانوك يا ترامب.. ستورمي تقول إنها تتمنى أن تراه خلف القضبان، وتقترح أن يتحوّل إلى "كيس ملاكمة"، في حين يعترف كوهين، الذي كان يُلقَّب دلالةً على إخلاصه، بـ"كلب ترامب البيتبول"، بأنه ارتكب أفعالًا غير مشروعة، بإيعاز مباشر منه.
للوهلة الأولى قد يهرع "تنويري" عربي، أو "تكويني" نسبةً إلى "تكوين"، مُتحسرًّا على حال أمته، إلى التشدق بمبادئ الشفافية في بلاد العم سام، وقد يمتدح النظام القضائي الذي لم يخضع بالقول، أو بالأحرى "يخضع بالحكم" لأن المتهم "فخامة الرئيس السابق"، ولم يرضخ لضغوط رأي عام، يُجسَّده تيار أمريكي يميني يزداد تطرفًا، إثر نمو "الظاهرة الترامبية"، بيدَ أن ذلك، وإن كان صحيحًا، لا يُعبِّر عن فسيفساء الصورة كاملةً، فالواقع ليس على هذا النحو من البساطة.
في التفسير يقرِّر الباحثون، أن "الترامبية"، على الصعيد الاصطلاحي، تؤشر إلى الأيديولوجيا التي اصطنعتها سياسات الرئيس السابق، استنساخًا للأنظمة الشمولية، ويعتبرونها بالتوازي امتدادًا لـ"الجاكسونية"، التي نشأت في القرن التاسع عشر، إبَّان حكم الرئيس الأمريكي التاسع "أندرو جاكسون"، الذي أصدر قانون "إزالة الهنود الحمر"، وبمقتضاه هُجِرَ السكانُ الأصليون قسريًا، من الجنوب إلى غربي المسيسبي، ليستولي المستوطنون الأوروبيون على أرضهم.
في تلك "الإزالة" قتل الرجل الأبيض، حسب بعض التقديرات، نحو 6 آلاف هندي، وسُميَّت العملية بـ"طريق الدموع"، وليس خافيًا بالقطع مدى تشابهها، مع ملامح نكبة الشعب الفلسطيني، بما يُحيل إلى التماثل الأمريكي الإسرائيلي، على مستوى التاريخ السياسي عامةً، وما يتصل منه تحديدًا بتشييد "العالم الجديد" و"أرض الميعاد" معًا، على حُطام ما بناه أصحاب الأرض الأصليون.
اقرأ أيضا : ماذا تعني عودة ترامب للنظام العالمي؟

تدفق التبرعات بعد النطق بالحكم
واستدراكًا بإدانة ترمب، وما أكده بُعيَّد ذلك، بشأن استئنافه حملته الرئاسية، فالواضح أن الظاهرة الترامبية تتعاظم أو قُل تتفاقم، حتى إنَّ المفكر والباحث والكاتب الصحفي، "والتر راسيل" يقول: "هناك رغبة أمريكية محمومة لوجود شخصية جاكسونية".
من آيات ذلك، أن التبرعات لحملته، انفجرت كالإعصار فورَ النطق بالحكم، لدرجة أنَّ موقعه الإلكتروني المخصَّص لتلقيها قد تعطَّل، فإذا بحملته تُعلِّق على شبكة التواصل "إكس": "لقد حدث ضغط جرَّاء زيادة المتبرعين، وسنعمل على استرداد الصفحة بأسرع وقت.. يدرك الأمريكيون أن المحاكمة صورية، ويقف وراءها الرئيس الفاسد بايدن".
هكذا لا تبدو "الترامبية" حالة غوغائية، يُمثلها المرشح الجمهوري منفردًا، ولا ينبغي التعاطي معها كذلك، بل هي نزوح سيكولوجي كبير للمجتمع الأمريكي -الذي يُفترض أن جذور الديمقراطية رسخت في أعماقه- إلى الشعوبية في أكثر تجلياتها الإقصائية فظاظة.
كان المجتمع الأمريكي، على تعدد عرقياته و مكوناته الإثنية، قد توافق على التعايش، على قواعد المواطنة، بعد أنهار الدماء التي أُهرِقت في الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب، وبين الرجل الأبيض والسكان الأصليين، وكذلك بعد تاريخ أليم، من مناهضة التفرقة العنصرية، إزاء ذوي الأصول الإفريقية، لكن يبدو أن هذا التوافق تعتريه شروخ عميقة، وما من ضمانات تحول دون أن يسفر بعث النعرات الإقصائية، عن استعادة سيرة البلاد الأولى.
ما من شطط في هذا القول، ولا مبالغة، والرأي لا ينبثق من "التفكير بالأماني"، الذي يتوق فيه العرب إلى التشفي في الولايات المتحدة، جزاءً وفاقًا على تأييدها العدوان الصهيوني، ودعمها الديكتاتوريات العربية، ونهب ثروات الشرق.
غنيٌّ عن البيان، أن من المآخذ على التفكير السياسي العربي، أنه يميل إلى تجميع المتناقضات وتضفير المتنافرات، بغيةَ الوصول إلى "استخلاصات مريحة"، فالنصر المنشود والعز التليد المفقود، سيتأتيان في لحظة قدرية، من دون عمل أو تدبير، وهي الحالة التي توصف حسب التعبير الديني بالتواكل.
من أمثلة ذلك، التعويل على انهيار إسرائيل من داخلها، إثر عدم تجانسها الثقافي والعرقي وحتى الديني، وهو انهيار حتمي لا مناص منه، وليس على العرب إلا انتظاره، وإلى ذلك الحين فليحتسوا القهوة، وينعموا بقيلولة الظهيرة اللذيذة، و ليقعدوا مع القاعدين.. فالنصر آت مهما تأخر.
على أنه وإن كان صحيحًا، أن الشروخ في الداخل الإسرائيلي، ليست من قبيل الخرافات، لكن الوهن البنيوي الإسرائيلي، أشبه بجدار يريد أن ينقض، لكنه لن يتهاوى بغير الطرق عليه، وبهذا المعنى يصحُّ القولُ إن عملية "طوفان الأقصى"، شكَّلت ضربةَ مطرقةٍ ثقيلة على ذاك الجدار.
اقرأ أيضا : كيف يمكن عزل ترامب وماهي الأزمة؟

ضربات من الداخل والخارج
وعلى الصعيد الأمريكي، تأتي الضربة داخليًا، من نزوع المجتمع إلى الشعوبية البربرية، وقد تجلى ذلك بفجاجة، حين اقتحم مؤيدو ترامب "الكابيتول"، فور خسارته سباق الانتخابات الأخيرة، في مشهد غوغائي غير مسبوق.
ثم تتجسد الضربة الثانية خارجيًا، في نزيف الولايات المتحدة، ما تبقى لها من هيبتها المعنوية دوليًا، والأرجح أن سياساتها الداعمة للجرائم الصهيونية، وتجاهلها مقابل ذلك ملفات دولية بالغة الحساسية، تتصدَّر أسباب ذاك النزيف.
هناك شروخ عميقة في الجدران الأمريكية، منها شروخ تنبثق عن نمو "الترامبية" داخليًا، وأخرى جراء تراجع المكانة الدولية، وترنُّح الأحادية القطبية للولايات المتحدة، التي مسها الوهن، وبلغت من العمر عتيًا، فأصابتها أمراض الشيخوخة، والمؤكد أن هذه وتلك ناجمتان تبادليًا عن بعضهما.
ولعله ليس خافيًا أن التنين الصيني، يرقب خارطة المتغيرات بعيون النهم، ويتحين الفرص من وراء سوره العظيم، لإنهاء الهيمنة الأمريكية، ساعيًا إلى تأسيس مكانته الدولية على مؤشرات نموه الاقتصادي المذهلة، فيما يسعى القيصر بوتين، إلى إحياء أمجاد الإمبراطورية السوفيتية الآفلة، بـ"عضلاته العسكرية" في أوكرانيا، بما يؤكد تشابك وتضافر العاملين الداخلي والخارجي معًا.
أيما يكن.. فإن مظاهر "الترامبية"، لا تقتصر إذن على ترشح رئيس يبني حملته الانتخابية، على نعرات إقصائية، ونداءات شوفينية بطرد المهاجرين، ودعوات متطرفة إلى انكفاء الولايات المتحدة على ذاتها، تحت شعار "أمريكا أولًا"، بل تمتد فتغدو ورمًا سرطانيًا، تنتشر خلاياه في نسيج الجسد الأمريكي كله.
إلى جانب القواعد الشعبية، تجتاح "الترامبية" الرأس السياسي الأمريكي، فزعيم الأغلبية الديمقراطية في الكونغرس؛ السيناتور تشاك شومر، لم يتقاطع مع موقف رئيس المجلس الجمهوري؛ ميتش ماكونيل، الذي طالب بنشر قوات الحرس الجمهوري، لكبح مظاهرات الطلاب المناهضة للعدوان على غزة.
قد يحسبنَّ البعض أن هذه مظاهر هامشية، أو حالة طارئة منبتة الصلة عن السياق الأمريكي، لكن التاريخ ينفي ذلك، فثمة شواهد متواترة، على تأهب "الكاوبوي" دائمًا لامتطاء حصانه، واعتمار قبعته، وارتداء سروال الجينز، وإطلاق الرصاص على الأبرياء، كما كان أجداده المهاجرون الأوائل، يفعلون مع الهنود الحمر.
من الرئيس أندرو جاكسون، الذي ارتكب التهجير القسري ضد الهنود، مستغلًا تأييد الانتهازية "البيضاء"، مرورًا بالسيناتور جوزيف مكارثي الذي أطلق حمى "المكارثية" خمسينيات القرن الماضي، إذ ادّعى أن عملاء الاتحاد السوفيتي يملؤون أروقة وزارة الخارجية، فاندفعت حملات اعتقال أشبه بما كان في مصر، ضد من كان يشتبه في تعاطفه مع الرئيس الراحل محمد مرسي، إلى بوش الابن الذي قصف أفغانستان ودمر العراق، تحت شعار "الحرب الصليبية"، وصولًا إلى ترمب.
من السابقين إلى اللاحقين، تبدو الجسور اليمينية متينة ومتصلة، فتتكشف هشاشة المبادئ المؤسسة للولايات المتحدة.. تتكشف إلى حد أن مدانًا جنائيًا، ومتطرفًا شعبويًا ويمينيا وغوغائيًا فظًا، وصاحب سوابق لم يخسر رغم جرائمه، القطاع الأكبر من دراويشه ومريديه، ولم تتبدد بعدُ فرص عودته إلى البيت الأبيض.
