كتب -داليا موسي- أحمد عبد المعطي
راجت انتقادات واسعة في الساعات الأخيرة، ضد إعلان الحكومة المصرية قرراها بالغلق المبكر للمحلات التجارية في تمام الـ 10 مساءً كل يوم مع بداية شهر يوليو المقبل.
وفيما تراه الحكومة محاولة للسيطرة على أزمة القطع المتزايد للكهرباء، يراه البعض تراجع حكومي للحلول التي ثبت فشلها على طريقة المثل الشعبي المصري: ” رجعت ريما لعادتها القديمة”
وبحسب أصحاب محلات وعاملين في القطاع التجاري، تحدثوا لمنصة “فكر تاني” فإن القرار مثل صدمة كبيرة لهم، فيما حذر مختصون من توابع عشوائية القرار على الاقتصاد المصري.
ويبلغ عدد المحال في مصر بين خمسة وثمانية ملايين محل، تتوزع بين 316 نشاطًا ما بين تجاري وخدمي وترفيهي وحرفي، من بينهم قرابة أربعة ملايين محل غير مرخص، وفق احصائيات غير رسمية.
وقف حال
محمد الجمل صاحب “ميني ماركت” بوسط القاهرة، اعتقد في بداية الأمر أن القرار لا يشمله باعتبار محال البقالة مستثناه من القرار لكنه تفاجأ بأنه مجبر على غلق محله في الواحدة صباحًا، وهو ما أصابه بالحزن.
وأصدر مصطفى مدبولي، رئيس الوزراء، قرارًا بغلق المحلات التجارية 10 مساء باستثناء السوبر ماركت والصيدليات 1 صباحاً، في ضوء ما قيل إنه ضمن جهود الدولة لترشيد استهلاك الكهرباء، وذلك اعتبارا من الأسبوع المقبل.
يقول الجمل لـ”فكر تاني “: القرار له تأثير سلبي على السوق، وقف حال طبعا، وتقليل عمالة، وعلى الأقل هناك وردية هتمشي وأقلل المرتبات، وللأسف العمال اللي معايا كلهم من خارج القاهرة وعندهم بيوت والتزامات، ولكن لما تقلل الحكومة ساعات فتح المحلات الشغل هيقل وبالتالي سوف ينعكس الأمر علي وعلى العمال”.
ويضيف الجمل أن حركة السوق تبدأ من بعد الساعة السابعة مساءً، وبالتالي مختلف أنواع المحلات سوف تتأثر ، بجانب الناس التي تستفيد من خروج المواطنين للتسوق مثل التاكسي والمواصلات العامة والأجرة.
ويوضح أن الصدمة كذلك في أن وقت إجازة الصيف مهم في السوق، وينتظره التجار كي يقوي وضعهم المالي باقي السنة في ظل الظروف الاقتصادية الحالية التي وصفها بالسيئة.
ويشير الجمل إلى أن هناك الكثير من الرسوم التي يتم دفعها على المحلات مثل:” التراخيص، والمخالفات، وسجل تجاري وضرائب”، ولكن بعد القرار ستحدث أزمة جديدة، متسائلا: ” من أين أدفع كل هذه المبالغ اذا عملت فترة أقل؟”.
اقرأ أيضا: “على الساحة ” نشرة أسبوعية: تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر عيد الأضحي.. وانتقادات لقطع الكهرباء والأشجار وملف السجناء.. والحركة المدنية تعلن “التدشين الثالث”

ماذا يوفر هذا القرار للميزانية؟
من وجهة نظر التجار وأصحاب المحلات، أحمد عبدالمعطي، صاحب سوبر ماركت، لا يرى أهمية للقرار في توفير الكهرباء، قائلًا: “استهلاك السوبر ماركت الأكبر في الفريزر والثلاجات.. هذه الأجهزة حتى لو قفلنا المحل نتركها تعمل .. التوفير سيكون في لمبتين نور في المحل ومروحتين السقف”.
ووفقا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء حول أهم الأنشطة الاقتصادية التي تحول إليها أكبر عدد من المشتغلين خلال الربع الثالث “يوليو- سبتمبر” لعام 2023، سجل نشاط تجارة الجملة والتجزئة 505 ألف مشتغل عن الربع السابق ما يعادل 168 ألفا شهريًا.
وفي آخر دراسة للجهاز الحكومة ذاته “الإحصاء” لعام 2012 بلغ عدد منشآت تجارة التجزئة في القطاع الخاص نحو 35,327 شركة، منها 35,071 شركات أفراد و265 شركات أموال، أي أن شركات الأفراد تستحوذ على سوق تجارة التجزئة بنسبة 99.2%.
ويبلغ أعداد العمالة في قطاع التجزئة نحو 308,169 عاملاً، منهم 250,059 عاملاً لشركات الأفراد، و58,110 شركات أموال، أما إجماليات الأجور فقد سجلت نحو 1,713 مليار جنيه، منها ما قيمته 1,272 مليار جنيه لشركات الأفراد، والباقي نحو 411 مليون جنيه لشركات الأموال.
ضربة للعمال
في محافظة القليوبية، بالقرب من العاصمة القاهرة، لم يختلف الحال بحسب موسى محمد إبراهيم، أحد أصحاب المحلات التجارية بالمحافظة، لكنه كان غاضبًا أكثر من سابقه، مؤكدا أن القرار سيضر عمله بشكل مباشر.
وأعلن مصطفي مدبولي رئيس الوزراء أنه تم وضع خطة لتخفيف فترة انقطاع الكهرباء وتجاوز الأزمة في الصيف بتكلفة تقدر بمليار دولار، بجانب التعاقد على شحنات من المازوت تقدر بـ 300 ألف طن تصل بداية الأسبوع المقبل بتكلفة 180 مليون دولار.
ويوضح إبراهيم” أن حركة البيع والشراء، في الصيف، تنشط بعد انكسار درجة الحرارة، وبالتالي النشاط التجاري يبدأ من الساعة 8 مساء حتى الساعة 11 ونصف مساء، ولكن القرار يترتب عليه كسر عدد ساعات العمل الحقيقة، لوجود وقت لصرف الزبائن، وجمع البضائع وتقفيل الحسابات وهو ما يستغرق ساعة ونصف على الأقل.
ويشير “إبراهيم ” إلى ضعف حركة البيع والشراء في الشهور الماضية بسبب ارتفاع الأسعار، ما أثر على فرص العمل لديه، حيث اضطر لإنهاء عمل بائعة عنده واستبقى أخرى ، بسبب عدم قدرته على دفع راتب الاثنتين معًا.
وحذر “إبراهيم ” من توابع الإغلاق المبكر، على عموم المجتمع، مؤكدًا أن الإجبار على الغلق وتقليل فرص البيع والشراء والمكسب، سيدفعه إلى البحث عن فرصة سفر.
وبمشاعر الأب، أعرب “إبراهيم” كذلك عن ضيقه من قرار غلق الصيدليات في الساعة الواحدة صباحًا، قائلا: أين أذهب إذا احتاجت ابنتي دواء أو تعرضت لحالة صحية طارئة، أو إذا احتاج البيت دواء ضروري، هل أنتظر حتى موعد الفتح؟”.
اقرأ أيضا :أينما تكونوا يدرككم “الظلام”.. كيف تدير الحكومة قطع الكهرباء؟

حالة ترقب
يعمل “محمد ديمو”، دليفري في سوبر ماركت بمصر القديمة، من الساعة 9 مساءً حتى 9 صباحًا، دون الحصول على راتب، فدخله فقط من مقابل التوصيل الذي يتراوح بين 5 و15 جنيها حسب بعد الزبون عن المحل.
لا يعرف “ديمو” كيف سيعمل بعد قرار الحكومة تطبيق قرار إغلاق محال السوبر ماركت من الواحدة صباحًا، قائلاً:” في فصل الصيف والإجازات الناس صاحية في البيوت لحد الصبح.. أغلب الطلبات بتيجي في الفترة من 1 وحتى 4 الفجر”.
لا توجد إحصائية عن حجم التوفير الذي تستهدفه الحكومة من قطع التيار الكهربائي، لكنه يحمل ضرر بالغ على قطاع تجارة التجزئة الذي يبلغ حجمه 1.4 تريليون جنيه ومبيعاته بنحو 55 مليار جنيه.
خلال العام المالي الماضي، كان قطاع التجارة الداخلية من أكبر القطاعات الاقتصادية الحيوية على مستوى الدولة، ويساهم بنسبة 21% من الناتج المحلي الإجمالي بقيمة 1.4%، أي ما يعادل تريليون جنيه.
لا يستطيع “ديمو” نقل مواعيد عمله صباحا فصاحب السوبر ماركت لديه 3 للتوصيل صباحا واثنين ليلاً، وذلك العدد الكبير يقلل من حصة كل عامل من الطلبات وبالتالي العائد الذي يحصل عليه من رسوم التوصيل.

قلق بين عمال الورديات
حالة الترقب والقلق التي يعيشها “ديمو” الشاب الأربعيني، القادم من محافظة سوهاج، تاركًا أسرته هناك لعدم قدرته على إحضارها معه للقاهرة، يعيشيها كذلك العاملون بمحلات الملابس بوسط القاهرة الذين يعملون ورديتين.
أحمد مسعود، بائع ملابس في شارع 26 يوليو بوسط القاهرة، يقول: آذان العشاء 9.30 معناها إننا هنصليّ ونقف.. هذا الوقت هو الوقت اللي فيه ذروة دخول الزبائن.. الحر يجبر الزبون على النزول من بيته الساعة 9 بالليل يعني أفضل وقت نبيع فيه هو من الساعة الأخيرة من 10 لـ11 بالليل.
وكانت التنمية المحلية حددت موعد فتح المحال التجارية والمولات التجارية يوميًا من الساعة 7 صباحًا، وتغلق الساعة 11 مساءً في الصيف وحتى الساعة 10 في الشتاء لكن بعض المحال كانت تتجاوز تلك المواعيد خاصة الواقعة في شوارع جانبية.
لا يعرف أحمد مسعود كيف ستتعامل إدارة المحل مع ورديته التي تنتهي الساعة 11 ليبدأ بعدها على مدار ساعة إعادة تجهيز الملابس وترتيبها وانتظار الكاشير لعد المال وتوزيع اليومية”، لكنه يخشى أن يتعرض للخصم من راتبه”.
وينص قانون عقوبات مخالفي مواعيد غلق المحلات على فرض عقوبات تبدأ بغرامة من 300 جنيه لـ 4 آلاف جنيه وتصل إلى الحبس والأشغال الشاقة لمخالفي القرارات وتجاوز الميعاد المحدد.
ونظمت اللائحة التنفيذية لقانون المحال العامة عقوبات غير الملتزمين، والتي جاءت كالتالي: من يخالف القرار وتتم متابعته لمدة 15 يوما، وفى حال تكرار المخالفة يتم توقيع عقوبة الغلق لمدة شهر وعدم فتح المحل أو المقهى إلا بتصريح كتابى من المركز التكنولوجى للتراخيص، وأخيرًا حال مخالفة المواعيد المقررة للفتح والغلق يتم إلغاء الترخيص.

خلق الأزمات
“عشوائية “، بهذه الكلمة وصف الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني نائب رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي القرار الصادر عن مجلس الوزراء بخصوص غلق المحلات.
وقال لـ”فكر تاني”:” الأزمة الحقيقية التي نواجهها في مصر هى القرارات الاقتِصادية العشوائية وغير المدروسة التي تصدر لعلاج أزمة محددة فتسبب في عشرات الأزمات والكوارث الاقتصادية”.
ويضيف الميرغني أن الأزمة تطول حوالي 10 مليون محل تجاري وأكثر من 5 مليون عامل يعملون بالقطاع حسب إحصاء أجراه الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في عام 2021، فيما بلغت مبيعاته في 2020/2021 حوالي 53 مليار جنيه، وفق نفس الإحصاء.
ويوضح الخبير الاقتصادي، أن قرار غلق المحال التجارية الساعة العاشرة مساء سيتسبب في تخفيض 15% من يوم العمل وهو ما يعادل خسارة أولية تتجاوز ثمانية مليار جنيه، فيما تساءل الميرغني: “كم حجم التوفير الذي سيتم بتخفيض مبيعات المحلات التجارية بأكثر من 15%.
ويشير نائب رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي إلى أن هناك بعد آخر، لابد أن يؤخذ في الاعتبار، ففي ظل درجات الحرارة المرتفعة فإن المواطن لا يخرج للتسوق قبل الثامنة مساءً عندما تنكسر حدة الحرارة، وبالتالي فالشوارع خالية بالنهار، والمحلات خالية بالتبعية.
ويتوقع الميرغني أن يتسبب القرار في مزيد من الركود في السوق بما يفاقم خسائر القطاع التجاري الذي يلتزم بالإيجارات والأجور وكافة المصروفات الأخرى بغض النظر عن عدد ساعات التشغيل، بخلاف تطبيق التوقيت الصيفي بحجة ترشيد استهلاك الكهرباء رغم أن هذه الساعة لا توفر أكثر من 1.4% فقط من الطاقة المستهلكة في شهور الصيف وفقاً لدراسة سابقة أعدتها وزارة الكهرباء.
وعما أثير حول حجم استهلاك المحلات التجارية من الكهرباء وما سيوفره الغلق، يوضح الميرغني أنه لا يتجاوز 13% فقط من إجمالي الاستهلاك ولذلك فإن قرار إغلاق المحلات في العاشرة مساء لن يكون له تأثير كبير على استهلاك الكهرباء ولكن سيكون له تأثير كبير على الحركة التجارية والأسواق والركود.
ويؤكد الخبير الاقتصادي أن هناك أسئلة كثيرة كان ينبغي الإجابة عليها قبل اتخاذ هذا القرار الذي يزيد المصاعب والأعباء على الشعب المصري ولا يحقق سوي نتائج هزيلة مقارنة بالإضرار، وفق رأيه.
حقوق المواطنين

وفي السياق نفسه، أعرب محمد رمضان الباحث الاقتصادي بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية في حديثه لمنصة فكر تاني عن اندهاشه من إعلان رئيس الوزراء القرار بحالة من التفاؤل، وكأنه سوف يحل الأزمة رغم أن الحكومة صرحت قبل ذلك أن الأحمال على شبكة الكهرباء تزيد نهارًا وليس ليلًا.
ويضيف رمضان أن قرار غلق المحلات يمثل تقويض للحقوق الاقتصادية للمواطنين، وغير منطقي وغير متوافق مع فكرة تخفيف الأحمال، متسائلًا :” هل تستطيع الحكومة تطبيق القرار بشكل يحقق الغرض منه، وما هي تأثيراته بشكل مباشر على الاقتصاد، وكم سيوفر هذا القرار في استهلاك الكهرباء؟”.
تقديرات متضاربة
بحسب التقديرات الحكومية فإن تطبيق قرار تحديد موعد إغلاق المحال التجارية سيعمل على ترشيد استهلاك الكهرباء بنسبة 17%، لكن توجد تقديرات أخرى تقول إن الإغلاق يزيد في الوقت ذاته استهلاك الطاقة في المنازل خاصة في أوقات الليل، والتي تنتج عن زيادة تشغيل الأجهزة، كما يزيد من استهلاك الوقود في الفترات قبل إغلاق المحال واختناقات مرورية.
بحسب أصحاب ذلك الاتجاه، فإن إغلاق المحال مبكرًا يزيد الاستهلاك فأصحابها وزبائنهم سيعودون للمنازل وفي ظل ارتفاع درجات الحرارة سيضطرون لتشغيل أجهزة التكييف والمراوح والتلفاز فضلاً عن الأفران الكهربائية و بوتاجازات “البلت إن” التي انتشرت بسبب نمط الديكور الحديث.

لكن في المقابل، يرى متى بشاي، رئيس لجنة التجارة الداخلية بشعبة المستوردين بالاتحاد العام للغرف التجارية، أن قرار مجلس الوزراء بغلق المحال التجارية الساعة العاشرة مساءً يساعد في تخفيف الأحمال الكهربائية بشكل كبير، وتنظيم حياة المواطنين ما يسفر عن أداء جيد في مواعيد الدوام صباحًا.
وفقا لبشاي فإن القرار لن يضر التجار بأي أضرار مادية أو خسائر لأنه يُنظم حركة التجارة الداخلية، ويسهم في تخفيف الضغط على شبكات الطرق وخفض استخدام المحروقات وتقليل التلوث وحماية البيئة.
ويؤكد أن القرار يُساهم في زيادة الإنتاج وبالتالي تسهيل عملية البيع والشراء على المواطنين، إضافة إلى الانضباط والنظام في الشارع المصري، والحفاظ على سمعة مصر عند السائح، بحيث لا يكون هناك عشوائية في فتح المحلات وإغلاقها.









