يعيش الأسرى الفلسطينيون تاريخًا طويلًا موحشًا من التنكيل والتعذيب الممنهج داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي تشبه إلى حد بعيد ما كان يتم من انتهاكات جنسية وبدنية وتعذيب مميت في معسكرات الاعتقال النازية في أربعينيات القرن الماضي. وقد تضاعفت هذه المرارات ووصلت إلى ذروتها بعد السابع من أكتوبر 2023 مع تكثيف جيش الاحتلال عمليات انتقامه لصورته كأقوى جيش في المنطقة، والتي سقطت على يد حركة حماس في عملية عسكرية محدودة الإمكانات مقارنة بالقدرات الإسرائيلية.
خلال الأشهر الأخيرة، تفاقمت الانتهاكات بحق الأسرى بشكل كبير، حسب شهادات من أفرج عنهم من داخل السجون أو “مقابر الأحياء” كما يصفها الأسرى، لا سيما وأنها أصبحت مغلقة في وجه منظمات حقوق الإنسان الدولية وعلى رأسها اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي أوقفت إسرائيل زيارة مندوبيها للسجون منذ السابع من أكتوبر وحتى اليوم.
وفق آخر إحصائية لمؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان بتاريخ التاسع من الشهر الحالي، بلغ إجمالي عدد الأسرى 9300 أسيرًا، منهم 3410 معتقلًا إداريًا، و74 أسيرة من النساء، و250 من الأطفال، و300 من أسرى القدس، و200 من فلسطيني الداخل المحتل عام 1948، و15 من أعضاء المجلس التشريعي الأسرى، و899 من غزة، و22 من الأسرى القدامى ما قبل اتفاقية أوسلو.
كما بلغ عدد الأسرى الذين قضوا أكثر من عشرين عامًا 432، و40 أسيرًا قضوا أكثر من 25 عامًا. ويبلغ عدد الأسرى المحكوم عليهم بالسجن مدى الحياة 561 أسيرًا.

معتقل “تيمان” في النقب
في مايو الماضي، نقلت شبكة “سي إن إن” الأمريكية -في تحقيق- شهادات بانتهاكات وتعذيب تعرض له معتقلون فلسطينيون بأيادي جنود إسرائيليين نكلوا بهم في مركز اعتقال سري بالنقب. إذ كشف 3 إسرائيليين ممن عملوا هناك أن المعتقلين الفلسطينيين يعيشون ظروفًا قاسية للغاية في القاعدة العسكرية التي تحولت الآن إلى مركز احتجاز عنيف جدًا في صحراء النقب.
نقلت “سي إن إن” عن أحدهم أن الروائح الكريهة تملأ مركز الاعتقال، حيث يحشر الرجال معصوبي الأعين، ويمنعون من التحدث والحركة.
وقد أوردت وكالة “أسوشيتد برس” في وقت سابق -عن بيان للجيش الإسرائيلي- تأكيده أن 36 شخصًا من سكان قطاع غزة لقوا حتفهم في مراكز الاحتجاز الإسرائيلية منذ السابع من أكتوبر.
وبشأن الوضع في المعسكر، قالت “أسوشيتد برس” إن الاتهامات بالمعاملة غير الإنسانية تتزايد، وإسرائيل تتعرض لضغوط متزايدة لإغلاقه، في وقت يُمنع فيه الصحفيون واللجنة الدولية للصليب الأحمر من دخوله.
كما سلطت صحيفة “ليبراسيون” الفرنسية الضوء أيضًا على تقارير منظمات حقوقية تدق ناقوس الخطر بشأن تفشي التعذيب في المعتقل المذكور. وأشارت إلى أن الشهادات والمعلومات المسرّبة تؤكد أن المعتقل الذي يطلق عليه “تيمان” في النقب أصبح عنوانًا لتعذيب الفلسطينيين بأساليب بشعة مع امتهان كرامتهم.
شهادات الرعب في سجون إسرائيل
أحد أبرز قصص التعذيب تلك لفلسطيني يُدعى “عبد الرحمن”، الذي استشهد بهذا المعتقل منذ 4 أشهر، تحت وطأة التعذيب. يقول والده أحمد مرعي، لقناة “الجزيرة”: “بقي 6 أيام في زنزانة دون أكل ولا شرب، وكان يستغيث”.
لم تسمح سلطات الاحتلال حتى اليوم لعائلة الشهيد عبد الرحمن بمواراته الثرى في قريته قراوة بني حسان بمحافظة سلفيت في الضفة الغربية.
كذلك، لم يسلم إيهاب الحجوج، أسير محرر، من التعذيب والإهانات داخل سجون الاحتلال. يقول: “تعرضت للضرب أنا وكل الأسرى في زنزانتي، وشاهدت بعضهم يموت أمام عيني.. شفت ناس مقطعة ودم، كنت في فيلم رعب.. لقد تغير كل شيء بعد 7 أكتوبر، وصارت الحرب كأنها داخل السجون”؛ يقول.
![]()
وهذا ما أكدته أيضًا روان نافذ أبو زيادة، في حديثها لـ”بي بي سي”. تقول: “فترة اعتقالي كلّها بكفّة وفترة ما بعد السابع من أكتوبر في كفةٍ أخرى”، مؤكدةً أنّه منذ ذلك التاريخ شهدت هي وزميلاتها في السجن تغييرًا كبيرًا في تعامل إدارة السجن معهن، ما أدّى لتعرضهن للكثير من الانتهاكات.
ووفق شهادة “روان”، فإن إدارات سجون اعتقال الفلسطينيين اتخذت عدة إجراءات تنتهك حقوق الإنسان بعد هجوم السابع من أكتوبر، شملت: سحب كلّ الطعام من الغرف، بما فيها المنتجات التي اشتراها المعتقلون من قاعة الطعام “الكانتين” بأموالهم الخاصة، وتركت الزنازين خاويةً تمامًا من أيّ شيءٍ يمكن أن يؤكل، واستبدلت به طعامًا سيئًا جدًا من حيث الكمية والجودة.
كانت إدارة السجن تقدم علبة لبن صغيرة كوجبة إفطارٍ في الصباح، لا تكفي للشبع، وصحن شوربة واحد صغير به قليل من البطاطس والجزر كوجبة غداء لثماني معتقلاتٍ، وبيضة لكل معتقلة كوجبة عشاء. تقول “روان”: “كنا دائمًا نشعر بالجوع، ولا نستطيعُ النوم بسبب الألم”.
في فبراير الماضي، أُفرج عن الأسير جعفر عبيات من سجن مجدو، بعد أن أمضي 17 عامًا في سجون الاحتلال. يقول: “الأسرى يتعرضون لأبشع صور التنكيل والاضطهاد منذ بدأت الهجمة على الإسرائيليين في السابع من أكتوبر الماضي”.
وبحسب “عبيات”، شملت الانتهاكات تعرض الأسرى للضرب والتعذيب ومصادرة كل ما يملكونه من ملابس وأغطية وطعام وأجهزة تلفاز وراديو. “كل هذه الإنجازات التي حصلنا عليها في إضرابات ونضالات السنوات الماضية داخل السجون انتهت أعادت سلطات الاحتلال السجون لسنوات الخمسينيات من القرن الماضي”؛ يقول.
في سجون الاحتلال.. أجساد النساء والأطفال منتهكة
ويؤكد رئيس نادي الأسير عبد الله الزغاري، في لقاء مع “الجزيرة”، أن نسبة الاعتقالات بين صفوف النساء الفلسطينيات ارتفعت خصوصًا بين الفتيات القاصرات وطالبات الجامعات والأسيرات المحررات اللواتي تعرضن لتعذيب ولمعاملة سيئة وإهمال مقصود بحقهن، مضيفًا أن هناك نقصًا في توفير احتياجات خاصة للنساء تفاقم من ظروف احتجازهن غير الآدمية في ظل نقص الملابس والعلاج والأغطية والغذاء بهدف إذلالهن.
وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) وثقت أيضًأ بعض الشهادات، التي قالت إنها استندت إلى بيانات جمعتها بشكل مستقل وطوعي، من الفلسطينيين المفرج عنهم عبر معبر كرم أبو سالم الفاصل بين قطاع غزة والأراضي المحتلة عام 1948، وتضمنت تفاصيل حول الرجال والنساء والأطفال والموظفين الذين أفرج عنهم بشكل متتالي.
يغطي التقرير الفترة بين نوفمبر 2023 وديسمبر 2023، ويشمل اعتقالات لفلسطينيين في شمال غزة، بما في ذلك من مراكز المنظمة الدولية.
وقد وثقت الشهادات انتهاكات جنسية طالت الرجال والأطفال والنساء على حد سواء، حيث أجبر جيش الاحتلال “الإسرائيلي” الذكور، بمن فيهم الأطفال، على خلع ملابسهم الداخلية. كما وثقت الوكالة حالة واحدة على الأقل حيث أُجبر الذكور الذين لجأوا إلى منشأة لأونروا على خلع ملابسهم واحتجزوا وهم عراة.
وأفاد كل من الرجال والنساء بتعرضهم لتهديدات وحوادث يمكن أن تصل إلى مستوى العنف الجنسي والتحرش من جيش الاحتلال أثناء الاحتجاز، حسبما أكدت “أونروا” في تقريرها.
وأفاد أحد المحتجزين، البالغ من العمر 41 عامًا، بأنه أُجبر على الجلوس على مسمار كهربائي، ما تسبب له في حروق في فتحة الشرج، وأنه تعرض للضرب على أعضائه التناسلية.
وقال المحتجز: “ضربني الجنود بأحذيتهم على صدري، واستخدموا شيئًا يشبه عصا معدنية بها مسمار صغير على الجانب”.
أما بالنسبة للنساء، فقد أكدن -وفقًا للتقرير- تعرضهن للإيذاء النفسي والتحرش الجنسي، وشمل ذلك الإهانات والتهديدات والتفتيش بطرق غير لائقة، بهدف التحرش، وأجبرن على خلع ملابسهن أمام الجنود أثناء عمليات التفتيش وتصويرهن وهن عراة.
وقالت محتجزة، تبلغ من العمر 34 عامًا ووثقت “أونروا” شهادتها: “طلبوا من الجنود أن يبصقوا عليّ قائلين: ‘إنها عاهرة، إنها من غزة'”.
وأضافت: “كانوا يضربوننا ونحن نتحرك، ويقولون إنهم سيضعون الفلفل على أعضائنا الحساسة، وسحبونا وضربونا وأخذونا بالحافلة إلى سجن الدامون بعد خمسة أيام”.
ووثقت “أونروا” شهادات لموظفين لديها، عن تعرضهم للاعتقال على يد الجيش “الإسرائيلي”، أثناء قيامهم بمهامهم الوظيفية الرسمية في الوكالة الأممية، وخلال عمليات إنسانية منسقة.
ووفقًا للشهادات التي نقلتها، فقد تم احتجاز موظفي “أونروا” الذين اعتقلهم الاحتلال، في عزلة عن العالم الخارجي وتعرضهم لظروف مماثلة لسوء المعاملة التي تعرض لها المعتقلون الآخرون.
