“حتمية” الحرب بين صهيون والهدهد

مع ارتفاع حدة التصعيد بين حزب الله وإسرائيل في الأسابيع الأخيرة، باتت احتمالات نشوب الحرب الشاملة في منطقة الشرق الأوسط أقرب من أي وقت مضى. وقد تزايدت وتيرة المواجهات الحدودية بين الطرفين، ولم يهدأ تواتر تحذيرات المراقبين من خطورة المرحلة الراهنة، مع ما يسودها من تكهنات بشأن طبيعة ما هو قادم من صدام إذا ما وقع، وقدرة الطرفين الرئيسيين (إسرائيل وحزب الله) على تحمل تبعاتها، سواء العسكرية أو الإدارية أو الاقتصادية أو السياسية.

إسرائيل ولبنان.. أي وضع ننتظر؟

يرى أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية الأميركية، الدكتور عماد سلامة، أن احتمالات الحرب الموسعة آخذة في التزايد خلال الفترة الأخيرة. ويضيف -كما تنقل عنه صحيفة “الشرق الأوسط“- أن ارتفاع وتيرة المواجهات ودخول أسلحة نوعية إلى ساحة المواجهة بين إسرائيل ولبنان يساهمان في اقتراب هذه الاحتمالات من حدها الأقصى.

ويقول “سلامة” إن حدة الخطاب والتهديدات المتبادلة، إلى جانب موافقة إسرائيل على خطة حرب واسعة في الجنوب اللبناني، كلها مؤشرات على هذه الحرب الشاملة الوشيكة في المنطقة.

كما حدث في غزة.. واشنطن ستدعم إسرائيل في حرب لبنان

قبل يومين، نقلت شبكة “سي إن إن” الأمريكية عن مصادر بالبيت الأبيض أن مسؤولين أمريكيين طمأنوا وفدًا إسرائيليًا رفيع المستوى، زار واشنطن هذا الأسبوع، بأن إدارة جو بايدن مستعدة تمامًا لدعم إسرائيل إذا اندلعت حرب شاملة مع حزب الله اللبناني.

وأوضح مسؤول أمريكي رفيع المستوى، شارك في الاجتماعات، أن إدارة بايدن ستقدم لإسرائيل المساعدة الأمنية التي تحتاجها، رغم أنها لن تنشر قوات أمريكية على الأرض في مثل هذا السيناريو.

اقرأ أيضًا: حدود جنوب لبنان.. معضلة أمريكا وإسرائيل

وأكدت المصادر أن المحادثات تناولت عدة ملفات، منها الوضع على الحدود الشمالية لإسرائيل، التوترات مع إيران، وقف إطلاق النار في قطاع غزة، والمفاوضات بشأن إطلاق سراح الرهائن المحتجزين في القطاع.

وأشار المسؤول الأمريكي إلى أن إدارة بايدن في حالة تأهب قصوى بسبب استمرار هجمات حزب الله على إسرائيل وعدم وجود وقف لإطلاق النار بين إسرائيل وحماس.

وأوضح المسؤول الأمريكي أن واشنطن تلقت تأكيدات من مسؤولين إسرائيليين بنقل موارد من جنوب غزة إلى شمال إسرائيل استعدادًا لهجوم محتمل من حزب الله. كما أعلن الجيش الإسرائيلي الثلاثاء أنه وافق على “الخطط العملياتية” لهجوم على لبنان، مع تصاعد حدة الخطاب بين إسرائيل وحزب الله.

ما عاد به الهدهد أقلق صهيون

خلال يوم الثلاثاء الماضي، نشر حزب الله مقطع فيديو يظهر القدرات الاستخباراتية المتقدمة للحركة التي تسيطر على الجنوب اللبناني، تحت عنوان “هذا ما عاد به الهدهد”، أظهر لقطات لمواقع في إسرائيل، بما في ذلك الموانئ البحرية والجوية لمدينة حيفا.

وفي خطاب الأسبوع الماضي، هدد زعيم حزب الله، حسن نصر الله، بأن كامل مساحة إسرائيل لن تكون بمنأى عن صواريخ الحزب حال اندلاع الحرب، مشددًا على استعدادهم لأسوأ الأيام.

وفي الإطار نفسه، حذّر المبعوث الأمريكي إلى لبنان، آموس هوكستين، المسؤولين اللبنانيين من أن الولايات المتحدة ستدعم أي هجوم إسرائيلي إن لم يوقف حزب الله هجماته على شمال إسرائيل، مشيرًا إلى ضرورة الحل الدبلوماسي لإجبار الحزب على التراجع عن الحدود اللبنانية الإسرائيلية.

اقرأ أيضًا: تهديدات إسرائيلية للبنان.. هل تتحمل تل أبيب وبيروت حرباً جديدة؟

كل الأطراف تُجلي رعاياها انتظارًا للقادم

هذا التصاعد في التوترات الإقليمية زاد من حدة القلق الداخلي في لبنان، حيث دعت بعض الدول رعاياها إلى مغادرة البلاد خشية توسع الحرب. وكان على رأس هذه الدول الكويت التي دعت مواطنيها لمغادرة لبنان في أقرب وقت، محذرة من السفر إليه حاليًا بسبب التطورات الأمنية المتسارعة. وأشارت وزارة الخارجية الكويتية في بيان لها يوم الجمعة إلى هذه التوصية، مشددة على مخاطر الوضع الأمني.

كما تجددت الدعوات لمغادرة لبنان من قبل السفارة الكندية في بيروت، كما أفادت صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية، التي نقلت أن وزيرة الخارجية الكندية، ميلاني جولي، أبلغت نظيرها الإسرائيلي بأن كندا تستعد عسكريًا لإجلاء 45 ألف مواطن كندي من لبنان في حالة اندلاع الحرب. وأوضحت الصحيفة أن كندا سترسل قوات عسكرية إلى المنطقة لدعم عملية الإجلاء إذا لزم الأمر. وتقليلًا من أهمية هذا الإجلاء للرعايا الكنديين، نقلت قناة “إم تي في” اللبنانية أن الدعوة الكندية لمغادرة لبنان منشورة منذ 7 أكتوبر وليست جديدة.

وبدوره، أشار رئيس بلدية كريات شمونة، أفيخاي شتيرن، إلى أن أكثر من 60 ألف إسرائيلي تم إجلاؤهم من منازلهم في الشمال، معبرًا عن استيائه من الوضع الأمني الراهن.

بينما على الجانب اللبناني من الحدود، تم إجلاء أكثر من 90 ألف شخص. في وضع يعكس حالة القلق والتوتر الشديدين على الحدود المشتركة بين الطرفين، مع تحركات دولية وإقليمية تعكس خطورة المرحلة المقبلة.

هل يتحمل لبنان كلفة الحرب؟

في فبراير الماضي، ذكر تقرير بموقع جريدة “الراي” الكويتية، أن لبنان يشهد تصاعدًا في المخاوف بسبب حربين محتملتين؛ واحدة اقتصادية وأخرى تنتظرها في الجنوب مع التهديدات الإسرائيلية بتوسيع القتال المتقطع بينها وبين “حزب الله” اللبناني.

وقد دفع هذا الوضع الخبراء إلى تقدير كلفة المواجهات، التي تشمل خسائر مباشرة وغير مباشرة في البنية التحتية والزراعة فضلًا عن النزوح السكاني.

يقول الباحث الاقتصادي، محمود جباعي، إن الخسائر المباشرة قد تتجاوز مليار دولار، مشيرًا إلى تدمير 4,000 منزل وتهجير 80,000 شخص. وهذا دون حساب الخسائر غير المباشرة، التي تشمل تراجع السياحة والانكماش الاقتصادي، بما يؤثر على الناتج المحلي والاستثمارات.

وهو ما تتفق مع الخبيرة الاقتصادية، سابين الكيك، فتقول إن تأثيرات الحرب تمتد إلى كل لبنان، مع تقديرات للخسائر تصل إلى 1.5 مليار دولار.

وتنتقد “الكيك” تعاطي الحكومة اللبنانية مع الأزمة، مشيرةً إلى أن الميزانية لم تأخذ في الاعتبار تكاليف الحرب. بينما يعاني لبنان أزمة هيكلية تعيقه عن تحمل تكاليف الحرب المتزايدة، مضيفةً أن البلاد لا يمكنها الاعتماد على المساعدات الخارجية كما كان الوضع في حرب 2006.

إسرائيل ولبنان.. الحرب حتمية ولا خيار

حرب اللاخيار“؛ هكذا أسماها سعيد عكاشة، الخبير المشارك في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية. يقول إن إسرائيل منذ تأسيسها في 1948، قدمت حروبها مع العرب على أنها اضطرارية، سواء كانت “وقائية” أو “استباقية”، وصنفتها تحت مسمى “حروب اللا خيار”.

ووفق هذا الطرح، فإن هناك عدة عوامل تجعل حرب لبنان مواجهة لا خيار فيها:

1. خسارة الردع: فقدت إسرائيل الردع الذي حققته مع حزب الله منذ عام 2006 حتى نشوب الحرب مع حركة حماس في 7 أكتوبر الماضي، مما يستدعي استعادته بغض النظر عن نتائج الحرب الجارية مع حماس في غزة.

2. رفض السكان العودة: يرفض سكان شمال إسرائيل، الذين نقلوا من منازلهم لمناطق بعيدة عن الحدود مع لبنان، العودة إلى منازلهم قبل إنهاء التهديد من حزب الله. وتقدر أعدادهم بأكثر من 80 ألف مواطن.

3. الضغط السياسي الداخلي: يسعى رئيس الوزراء نتنياهو إلى تحقيق تماسك الائتلاف الذي يقوده، خاصة بعد انسحاب بيني جانتس من حكومة الطوارئ ومطالبته بإجراء انتخابات مبكرة. هذا يفرض على نتنياهو الاستجابة لمطالب حزبي الصهيونية الدينية بشن حرب شاملة ضد حزب الله لتجنب انسحابهم من الائتلاف وإسقاط الحكومة.

4. ضغوط أجهزة الأمن: تمارس أجهزة الأمن ضغوطًا للاستمرار في عمليات اغتيال قادة حزب الله، رغم أن هذه العمليات تعد السبب الرئيسي لتصعيد حزب الله هجماته ضد إسرائيل.

5. دعم جانتس للحرب: رغم استقالة بيني جانتس من حكومة الطوارئ، إلا أنه أعلن قبل رحيله دعمه لحرب شاملة ضد حزب الله، بهدف إعادة سكان الشمال إلى منازلهم.

هذه العوامل تجعل من الحرب مع حزب الله أمرًا ضروريًا لإسرائيل، وفقًا لعكاشة، مما يعزز مفهوم “حرب اللا خيار” التي تتبناها إسرائيل في سياستها العسكرية.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة