انتخابات الاتحاد الأوروبي.. ماذا بعد صعود اليمين المتطرف؟

حققت الأحزاب اليمينية المتطرفة في جميع أنحاء القارة الأوروبية نتائج قوية في انتخابات الاتحاد، التي جرت في الفترة من 6 إلى 9 يونيو الجاري، لكن زخمها لم يتسبب في رضوخ مركز السياسة الأوروبية، كما توقع الكثيرون، وهو أمر سيحيل عملية التشريع في الاتحاد الأوروبي إلى كثير من التعقيد في الفترة المقبلة، كما تشير تقارير في صحيفة “الجارديان” البريطانية، وشبكتي “سي إن إن” الأمريكية، و”بي بي سي” البريطانية، تناولت التأثيرات المتوقعة لهذا الانقلاب الانتخابي.

الانتخابات الأوروبية.. كيف كانت النتائج؟

في النمسا، صرح المستشار النمساوي كارل نيهامر أنه يسعى لمعالجة مخاوف الناخبين، بعد تقدم حزب “الحرية” اليميني المتطرف في انتخابات الاتحاد الأوروبي بنسبة 25.7%، متقدمًا على حزب “الشعب” المحافظ الذي حصل على 24.7%.

أشار “نيهامر” إلى ضرورة اتخاذ إجراءات صارمة ضد “الهجرة غير الشرعية” قبيل الانتخابات الوطنية المقبلة. وأشاد زعيم حزب “الحرية”، هربرت كيك، بالنتائج، متوقعًا تصدر حزبه الانتخابات الوطنية في سبتمبر، رغم عدم وضوح قدرة الحزب على تشكيل أغلبية حاكمة.

وفي بلجيكا، التي شهدت انتخابات ثلاثية؛ شملت الانتخابات العامة والإقليمية، تقاسمت الأحزاب اليمينية المتطرفة “فلامس بيلانج” والحزب الليبرالي الناطق بالفرنسية “حركة الإصلاح” و”N-VA” القومي مقاعد البرلمان الأوروبي، حيث حصل كل منها على نحو 13% من الأصوات.

وعلى الرغم من تقدم “فلامس بيلانج”، لم يصل الحزب إلى مستوى التوقعات.

لا يمين فائز في الدنمارك

وقد حققت الأحزاب اليسارية والخضراء مكاسب في الدنمارك، حيث زاد دعم حزب “الشعب الاشتراكي” ليصبح الأكبر بنسبة 17.4% من الأصوات. بينما تراجع الحزب “الاشتراكي الديمقراطي” الحاكم إلى 15.6%. وأكدت رئيسة الوزراء ميتي فريدريكسن أن الأحزاب اليسارية في الدنمارك تميزت عن الاتجاه العام في أوروبا، الذي سيطر عليه اليمين.

ماكرون وشولتس يخسران

وفي فرنسا، دعا الرئيس إيمانويل ماكرون إلى انتخابات تشريعية مبكرة، بعد هزيمة حزبه أمام “التجمع الوطني” اليميني المتطرف بقيادة مارين لوبان، الذي حصل على 32% من الأصوات. بينما ارتفع الحزب “الاشتراكي الفرنسي” إلى 14% من الأصوات، مما يعد تقدمًا كبيرًا له.

كما خسر الائتلاف الحاكم بقيادة المستشار أولاف شولتس أمام المعارضة المحافظة في ألمانيا، حيث حافظت الكتلة المحافظة على مكانتها بنسبة 30% من الأصوات. وسجل الحزب “الاشتراكي الديمقراطي” أسوأ نتيجة له بنسبة 14%، بينما حقق حزب “البديل من أجل ألمانيا” مكاسب ملحوظة.

وفي المجر؛ حصل حزب “فيدس” بزعامة فيكتور أوربان على 43% من الأصوات، إلا أنه تراجع بنحو 10 نقاط مقارنة بانتخابات 2019. وفي المقابل، حقق حزب “الاحترام والحرية” بقيادة بيتر ماجيار، المنشق عن “فيدس”، نسبة 31% من الأصوات.

اقرأ أيضًا: غزة والبحر الأحمر والانقسام الأوروبي

حزب ميلوني يفوز بانتخابات إيطاليا

وشكرت رئيسة الوزراء الإيطالية جيورجيا ميلوني الناخبين بعد فوز حزبها “إخوان إيطاليا” بنسبة 28% من الأصوات، متقدمًا على يسار الوسط الذي حصل على 25%. وتوقع حزب ميلوني مضاعفة عدد مقاعده في البرلمان الأوروبي.

وحل حزب “خيرت فيلدرز” اليميني المتطرف في المرتبة الثانية بعد تحالف “اليسار والخضر”، الذي حصل على 21% من الأصوات، مقابل 17% لحزب الحرية.

كما فاز رئيس وزراء بولندا دونالد توسك بفارق ضئيل على حزب “القانون والعدالة” المعارض بنسبة 37% من الأصوات مقابل 35%. وأشاد “توسك” بالنتائج، معتبرًا أنها انتصار للديمقراطية والصدق في أوروبا.

وفي إسبانيا، تجاوز حزب “الشعب المحافظ” الأحزاب الاشتراكية الحاكمة ليحصل على 34.2% من الأصوات. وأشار زعيم الحزب ألبرتو نونيز فيجو إلى بداية دورة سياسية جديدة، بينما أكد رئيس الوزراء الاشتراكي بيدرو سانشيز على مواصلة العمل لتعزيز أوروبا التقدمية.

فرنسا وإيطاليا وألمانيا

تركزت معظم مكاسب اليمين المتطرف في البلدان التي تنتخب أعدادًا كبيرة من المقاعد: فرنسا وإيطاليا وألمانيا. ولكن لا يزال يتعين على الأطراف أن تعمل على بناء توافق في الآراء إذا أرادت تعظيم تهديدها السياسي، وفق “سي إن إن”.

وتقول هيئة الإذاعة البريطانية”بي بي سي”، إن جيل الألفية والناخبين لأول مرة من الجيل Z هم من بين أولئك الذين من المتوقع أن ينسحبوا إلى اليمين. وتشير الأرقام التي تم جمعها مؤخرًا لصحيفة “فاينانشال تايمز” إلى أن حوالي ثلث الناخبين الفرنسيين الشباب والهولنديين الذين تقل أعمارهم عن 25 عامًا، و22% من الناخبين الألمان الشباب، يفضلون اليمين المتطرف في بلادهم. وهذه زيادة كبيرة منذ انتخابات البرلمان الأوروبي الأخيرة في عام 2019.

ومن المتوقع وفق هذه المؤشرات أن تحصل الأحزاب اليمينية المتطرفة على ما يصل إلى ربع إجمالي المقاعد داخل البرلمان الأوروبي.

كيف تؤثر هذه الانتخابات على الاتحاد الأوروبي؟

صرح معظم الناخبين الأوروبيين، وفق ما تشير إليه “بي بي سي”، بأنهم لا يريدون مغادرة الاتحاد الأوروبي، رغم قلقهم من كيفية عمله.

تَعِدُ الأحزاب القومية اليمينية باتحاد أوروبي مختلف، يمنح المزيد من السلطة للدول القومية، ويقلل من تدخل بروكسل في الحياة اليومية. وإذا زادت قوتهم في البرلمان الأوروبي، قد يُعيقون المفوضية الأوروبية من توسيع اختصاصاتها على حساب الحكومات الوطنية، فيما يتعلق بملفات أوروبية مختلف عليها كالسياسة الصحية.

مزيد من قوانين الهجرة المشددة

صعد زعيم اليمين المتطرف في هولندا، خيرت فيلدرز، وحزبه PVV ليصبح أكبر مجموعة في البرلمان الهولندي بعد الانتخابات الوطنية. وقد وعد بتشديد قوانين الهجرة، وتوقعت الاستطلاعات أداءً جيدًا للحزب في الانتخابات الأوروبية المقبلة.

وتقول “بي بي سي”، إنه وبينما تُعرف سياسة الهجرة واللجوء في الاتحاد الأوروبي منذ فترة طويلة باسم قلعة أوروبا، حيث تُعطى الأولوية لإبقاء الناس خارجًا، إلا أن اليمين المتشدد قد يُعرقل سياسات التضامن التي تفرض على الدول الأعضاء تقاسم أعباء طالبي اللجوء أو دفع مساهمات كبيرة لدعم دول مثل إيطاليا واليونان.

توسع الاتحاد الأوروبي

أيضًا، دفع الغزو الروسي لأوكرانيا القادة الأوروبيين إلى تعزيز الأمن والدفاع، وتسريع عملية انضمام الدول المجاورة مثل أوكرانيا وجورجيا ودول غرب البلقان إلى الاتحاد الأوروبي. لكن اليمين القومي أقل حماسًا بسبب التكاليف المالية المحتملة.

وقد تحتاج الدول الأعضاء الأكثر ثراءً إلى زيادة مساهماتها، مما يقلل من الإعانات التي تتلقاها دول مثل رومانيا وبولندا، والمزارعين الفرنسيين.

الأمن والدفاع الأوروبي

يتفق معظم أعضاء الاتحاد الأوروبي على أن الإنفاق الدفاعي يمثل أولوية، خاصةً مع احتمال عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. إذ يشعر القادة الأوروبيون بالحاجة إلى تعزيز الاستعدادات الأمنية بشكل أفضل، بدلًا من الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة.

رغم كل شيء.. لا يزال اليمين منقسم

رغم أن الأحزاب اليمينية المتشددة تهدف إلى تغيير الاتحاد الأوروبي من الداخل، إلا أنها تظل منقسمة في قضايا مثل أوكرانيا، مما يجعل التعميم حول هذه الأحزاب كحركة موحدة أمرًا مضللًا.

ومع ذلك، إذا فازوا بمزيد من المقاعد في البرلمان الأوروبي وحكومات الدول الوطنية، سيزداد نفوذهم في السياسات الأوروبية، وسيزداد مع ذلك تخبط القارة العجوز في قراراتها الخارجية.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة