فلسطين تاريخ شخصي.. ذاكرة عيسى صباغ من النكبة إلى حلم العودة

 

رغم عدالة القضية الفلسطينية، لكن في العقود الأخيرة هناك حالة من التشويش والادعاءات السياسية والدينية من أعدائها وبعض داعميها؛ لتحويل قضية فلسطين إلى صراع عقائدي/ديني (إسلامي _ يهودي)، وهذه الصيغة الدينية تفقد القضية الفلسطينية جوهرها الإنساني العادل، وتؤجج المزيد من الصراعات والانقسامات الداخلية التي لا تفيد إلا المحتل، والتيارات والجماعات المتطرفة.

لذلك نحتاج دوما للتذكرة والتأكيد على عدالة القضية الفلسطينية، كقضية إنسانية تخص كل شخص في العالم يؤمن بحق الإنسان في تقرير مصيره والحفاظ على ثقافته وتاريخه وأرضه. في كتابه “فلسطين تاريخ شخصي” يؤكد الكاتب والصحفي الإنجليزي من أصول فلسطينية كارل صباغ على هذا المعنى، حيث تتوارى السرديات والشعارات والصراعات السياسية لتفسح مجالا للذاكرة الشخصية للمواطن الفلسطيني ليروي حكايته.

اقرأ أيضًا:محرقة رفح.. هكذا ينجح نتنياهو بلا حدود

“أنا ابن رجل فلسطيني، إلا أنني لا أحمل سوى القليل من الصفات التي ترتبط بالصور التقليدية المنطبعة في أذهان بعض الشعوب عن الفلسطينين أو العرب، فأنا لست فقيرًا، ولا كث اللحية، ولا أعرف شيء عن تركيب القنابل، ولا علاقة لي بالجمال، أو الرمال، أو أشجار النخيل، لكنني أتعاطف مع شعب فلسطين ولي روح ترتبط بهم”.

كارل صباغ
كارل صباغ

بهذه الكلمات يفتتح كارل عيسى خليل صباغ كتابه الصادر في ترجمته العربية في طبعتين أحدهما عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر بترجمة محمد زيدان ومراجعة د. حسين ياغي،. والأخرى عن المركز القومي للترجمة في القاهرة بترجمة محمد سعد الدين زيدان ومراجعة د. محمد شاهين، متتبعًا تاريخ عائلته الفلسطينية التي عاشت لقرون طويلة في قرية “صفد” في منطقة الجليل شمالي فلسطين. كارل المولود في لندن لأم إنجليزية وأب فلسطيني هو الإذاعي الشهير في “بي بي سي” عيسى خليل صباغ.

عاني كارل سنوات طويلة من السرديات المضللة والأكاذيب التي طالما روجتها الجماعات الصهيونية عن فلسطين بوصفها “أرض بلا شعب”، كما عاني من جهل الكثير من البريطانيين بحقوق وتاريخ الشعب الفلسطيني، رغم تورط ومساهمة السياسات البريطانية في احتلال فلسطين؛ فقد كانت معظم منطقة الشام تحت الانتداب البريطاني في النصف الأول من القرن العشرين وفي ظله تأسست دولة إسرائيل عام ١٩٤٨.

“غادر عيسى صباغ فلسطين للدراسة في بريطانيا، وهو يعتقد أنه سيتمكن من زيارة وطنه في أي وقت يشاء، ليرى عائلته التي سكنت هذه الأرض على مر أجيال عديدة. لكن بعد تأسيس دولة إسرائيل اليهودية على أرض فلسطين، مُنع والدي والفلسطينيون كافة في الخارج من العودة إلى وطنهم”.

تتعدد أشكال المقاومة الفلسطينية على المستوى السياسي والعسكري والاقتصادي والثقافي والاجتماعي، وكذلك على مستوى الذاكرة التي يراها المحتل واحدة من أكثر أدوات المقاومة خطورة عليه لذلك يسعى لطمسها عبر ممارسات ممنهجة ومتنوعة سواء على المستوى المادي بالاستيطان وتغير ديموغرافية المدن الفلسطينية أو على المستوى المعنوي عبر ترويج سرديات مضللة.

“عشت في غمرة هذا الجهل معظم أيام طفولتي، إلى أن تجلت لي فيما بعد تلك القيود التي تحد من فهم البريطانيين لقضية فلسطين. فقد كانت النظرة السائدة في بريطانيا إلى فلسطين إنجيلية أو قائمة على المفهوم اليهودي للأرض المقدسة على وجه التحديد، وكان السكان العرب يعانون دومًا من محاولة تصويرهم بأنهم مجرد (سكان أصليين)، وهى النظرة التي تعززت في بريطانيا بعمل اليهود الأوروبيين، الذين سعوا إلى استغلال روح الاستعمار المتأصلة في الحكومة البريطانية”.

اقرأ أيضًا:أطعموهم القنابل.. مجزرة إسرائيلية بدعم أمريكي في “النصيرات”

أكثر ما يميز الكتاب تقديمه للتاريخ الفلسطيني في صورة حية، وليس مجرد أحداث مجردة، فعبر أربعمائة وخمسون صفحة، ينقل الكاتب مجموعة من الأحداث والشواهد والحكايات العائلية والتاريخية التي تجمع ما بين التاريخ والأنثروبولوجيا، مقدمًا سردية معاصرة لتاريخ فلسطين.

يركز الكاتب على تفنيد الأكاذيب والادعاءات الصهيونية، موضحًأ:”أن تأسيس دولة إسرائيل، ما كان له أن يقع إلا بنشر سلسلة من الأكاذيب، وهذه عملية لم تنقطع حتى الآن”، ومن أبرز هذه الأكاذيب والادعاءات التي يروجها العدو الصهيوني، وحلفائها سواء في الغرب أو الدول العربية من دعاة التطبيع، الحديث عن أن الهوية الفلسطينية لم تظهر سوى عام 1948 حين أراد اليهود تأسيس دولتهم، فظهرت فكرة الدولة الفلسطينية كرد فعل، كذلك أن اليهود حاولوا العيش بسلام مع العرب، لكن العرب هم من رفضوا وأعلنوا الحرب.

يوضح عيسى أن الفلسطينيين شكلوا أغلبية ساحقة منذ الوقت الذي بدأ فيه التعداد السكاني الموثق في تلك المنطقة حتى 1948، وقد بلغت نسبة الفلسطينيين في معظم الأحيان تسعين بالمائة. أما اليهود الذين كانوا يطالبون بأن يحكموا فلسطين في القرن العشرين، فلم يكن يربطهم بالمنطقة شيء سوى ديانة حكم أتباعها جزءا من المنطقة قبل حوالي “2000 أو 3000 عام”، ومن أجل إنشاء دولة فيها أقلية من غير اليهود بإجبار العديد من العائلات الفلسطينية العربية على مغادرة بيوتهم العام 1947-1948، ولا تفتأ إسرائيل حتى اللحظة تختلق الروايات التاريخية كي تخفي الظلم الذي وقع على الفلسطينيين.

يستدعي صباغ ذكرى مجزرة “دير ياسين” التي وقعت عام 1948، وراح ضحيتها نصف سكان  هذه القرية الفلسطينية من رجال ونساء وأطفال، موضحًا أنه رغم رفض سكان قرية “دير ياسين” المشاركة في أعمال المقاومة العربية، بل وتوقيعهم على وثيقة سلام طلبها رؤساء المستوطنات اليهودية المجاورة، إلا أن هذا لم يحم القرية وسكانها من خيانة العصابات الصهيوينة، فعقب أسبوعين من توقيع وثيقة ومعاهدة السلام، تم ارتكاب المجزرة.

“إن قرية دير ياسين من القرى الصغيرة على أطراف القدس ولم يكن لها أي شأن في حركة المقاومة ضد اليهود، حتى إن كبراء القرية رفضوا طلب المتطوعين العرب بالاستعانة برجال القرية لمحاربة اليهود، كما منعوهم من استخدام القرية لمهاجمة قاعدة يهودية قربها، فرد المتطوعون العرب بقتل رؤوس الماشية فيها. بل إنها وقعت على اتفاق للالتزام بالسلم وعدم العدوان مع جيرانهم من اليهود، فما الذي كان يلزمهم فعله ليثبتوا لليهود صدق نواياهم في الرغبة بالسلم والأمن؟ كان الحكم في نهاية المطاف يشير إلى أنهم عرب، يعيشون في أرض أرادها اليهود لأنفسهم”.

يرد الكاتب كذلك على مروجي خطاب “دعونا ننسى الماضي بكل مآسيه وننظر للمستقبل وسبل التعايش” هذا الخطاب الساعي لطمس جرائم دولة الاحتلال، ومحو التاريخ الفلسطيني، مشيرًا إلى أن:”من الانتقادات الموجهة للكتاب الفلسطينيين فرط تعلقهم بالتاريخ، فقد يقول قائل: الماضي مضى، وحتى لو وقع الظلم على الفلسطينيين فعلينا أن ننظر إلى المستقبل، إلا أن العجيب أن الثلة التي تنتقد إعادة التنقيب في تاريخ مئة سنة منصرمة هم الذين ينطلقون من دعمهم لإسرائيل من تاريخ أسطوري ضارب في القدم، فهل حقًا الماضي قد مضى؟”.

ويضيف:”قاسى اليهود صنوف الاضطهاد في العديد من الأقطار على مر القرون، وانتهت مأساتهم بفظائع مخيمات الاعتقال النازية، وظل الصهاينة يقولون إنهم لن ينجووا من الاضطهاد ما داموا مشردين بلا دولة تلم شعثهم، وبلا هوية وطنية تميزهم. بيد أن ذلك لا يسوغ حرمان شعب آخر من حقوقه، وإن كان الاضطهاد هو حجتهم للحصول على دولة لهم، فإن الفلسطينيين الآن يتقلبون على جمر الاضطهاد على يد إسرائيل. وتبقى الحقيقة التي تكدر على الصهاينة، هى أن اليهود الذين اختاروا العيش في بريطانيا أو أمريكا أو أوروبا لا يرون ضرورة العيش في دولة يهودية خالصة كي يكونوا في مأمن من الاضطهاد”

عيسى صباغ
عيسى صباغ

* كارل صبّاغ، كاتب بريطاني- فلسطيني، منتج أفلام وثائقية وناشر.تلقى تعليمه في كينجز كوليدج، في كامبريدج، وبعد ذلك عمل في تلفزيون هيئة الإذاعة البريطانية. له 12 كتابا، من بينهم اثنان عن فلسطين، ويدير حاليا دار نشر بريطانية مستقلة.

* عيسى خليل صباغ إعلامي فلسطيني مسيحي، وهو من أوائل المذيعين في إذاعة بي بي سي العربية، وأحد أبرز المذيعين العرب في كل من إذاعة بي بي سي العربية وصوت أمريكا، ويُعرف بـ «أمير الميكروفون العربي».

 

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة