الذكرى 78 لنكبة فلسطين.. لماذا لا ننسى؟

بين مفاتيح البيوت القديمة والأرشيفات الرقمية الحديثة، يواصل فلسطينيون نقل حكايات النكبة للأجيال الجديدة، في محاولة للحفاظ على الهوية والذاكرة الجماعية في مواجهة التهجير ومحو الرواية الفلسطينية.

تقول رضوى عاشور، في رواية الطنطورية التي تستعرض وقائع تهجير الفلسطينيين بعد الاجتياح الإسرائيلي لأراضيهم، إن "الذاكرة لا تَقتُل، تؤلم ألمًا لا يُطاق، ربما، ولكننا إذ نطيقه تتحول من دوامات تسحبنا إلى قاع الغرق، إلى بحر نسبح فيه، نقطع المسافات، نحكمه ونملي إرادتنا عليه"، وفي العام الـ78 لذكرى النكبة الفلسطينية، لا يجد الفلسطيني شيئًا، إلا التمسك بالذكريات، وإن لم يعشها، وكأنه وطنه الذي يحمله فوق ظهره أينما حل، أو بقول محمود درويش "وطني حقيبة وحقيبتي وطن".

وتقول شادية نوفل، الفلسطينية الأصل، إنها لم تشهد النكبة "لأني مولودة بالستينات، لكني عشتها من خلال قصص والدي وأجدادي، فربما لم نرث أرضًا لكننا ورثنا ونورث أبناءنا الحكاية، كنوع من المقاومة ضد محو الذاكرة".

وحين تتحدث عن قريتهم، قرية حليقات، أو "حليجات" باللهجة الفلسطينية، وهي إحدى قرى قضاء غزة، فإنها تستعير وصف أبيها الذي عاش هناك قبل التهجير "كانت مشهورة بالفواكه وبيوتها الجميلة، ويتوسطها بئر بترول".

تقول شادية لـ"فكّر تاني": "كنا دايمًا نحكي لأولادنا عن القرى والمدن وأسمائها، وعن التراث الفلسطيني، ونتمسك بالعادات في الزواج والميلاد، والأكلات، نطبخ المقلوبة والمسخن ونعلم أولادنا الدبكة لتبقى الهوية حية، لأن الاحتلال يحاول سرقة حتى أكلاتنا وتراثنا، وكما قال الشاعر محمود درويش، إن المرأة الفلسطينية هي حارسة الوطن أنا أقول إنها حارسة الذاكرة".

زارت نوفل فلسطين عدة مرات، أولها وهي في السادسة عشرة من عمرها، بعد اتفاقية كامب ديفيد "ساعتها لم أستطع حبس دموعي، وكنت أحاول أن أحفظ كل شبر وكل تفصيلة في ذاكرتي"، كذلك زارت القدس وبيت لحم ورام الله ونابلس وجنين، أما غزة فكانت تزورها كل سنة تقريبًا لرؤية أهلها وإخوتها، وقد عاشت بعض الحروب في غزة ورأت بشاعة الاحتلال، لكنها تؤكد أن غزة التي عرفتها تغيّرت تمامًا بعد الحرب الأخيرة.

وبدأت الحرب على قطاع غزة في أكتوبر 2023 بعد عملية قامت بها فصائل فلسطينية ضد الاحتلال عُرفت باسم "طوفان الأقصى"، راح ضحيتها حتى الآن 72 ألفًا و740 شهيدًا و172 ألفًا و555 مصابًا، بخلاف المفقودين تحت الأنقاض، وفقًا لوكالة الأنباء الفلسطينية "وفا".

إنسان وأحلام

أطلقت سلمى خطاب، على ابنتها اسم "يافا" ليكون ذلك أول رابط لها بهويتها وبلدها، التي لا تعرف هل ستسكن فيها يومًا أم لا. لذلك قررت أن تتحمل ما وصفته بـ"العبء والمسؤولية" عن ربط جيل جديد بوطن لم يره، حتى عندما تكبر الطفلة، وتسأل "شو يعني يافا؟" فتجيبها بأن الاسم اسم مدينة من أجمل مدن فلسطين، ومعناه الجمال باللغة الكنعانية.

تأثرت سلمى، الفلسطينية المقيمة بالقاهرة، بقصص جدها وجدتها، المهجرين من فلسطين عام 1948، عن الوطن والنكبة والخروج والغربة وذكريات البيوت والحياة القديمة، تقول "قديش كانت البيوت جميلة وواسعة والعيال كتار". وتضيف لـ"فكّر تاني" بصوت يملؤوه الحنين إلى أرض حرمهم الاحتلال من العيش فوقها، أن جدها حارب في الجيش نفسه مع الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر على أرض غزة، وظل محتفظًا بمفتاح بيته، وكان يتابع أخبار فلسطين على مدار اليوم حتى وفاته.

وتضيف أنها حرصت على أن تكون حياتهم محاكاة للحياة في الوطن، فكانوا يتحدثون باللهجة الفلسطينية، وتعلمت الدبكة، وأسست مع بعض الأصدقاء فرقة كنعان للفنون الفلسطينية بهدف الحفاظ على التراث، وعلمتها لابنتها مع الأغاني الشعبية، إلى جانب تفسير الأحداث الجارية لها، مثل الحرب على غزة وفكرة المقاطعة.

ويشير الدكتور محمد المهدي، أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر، حين يتحدث عن كيفية انتقال الصدمة إلى من لم يعشها، إلى إن الانتقال لا يحدث بطريقة سحرية أو غامضة، وإنما عبر آليات منها السرد العائلي، حيث ينشأ الطفل وسط قصص التهجير وأسماء القرى ومفاتيح البيوت، حتى إن الصمت نفسه قد ينقل الصدمة أحيانًا.

ويضيف، في تصريحات لـ"فكر تاني" أن هناك أيضًا قرارًا واعيًا بعدم النسيان، وأن كثيرًا من الشعوب تتبنى "واجب التذكر" للحفاظ على الهوية، أو لمنع محو الرواية، أو للمطالبة بالحقوق، أو لمنع تكرار الكارثة.

الفلسطيني ليس بطلًا دائمًا ولا إرهابيًا كما ترسخت صورته الذهنية، كما تقول الدكتورة سمر دويدار، مؤسسة مبادرة "حكايات فلسطينية"، فهو إنسان عادي له حياته اليومية البسيطة وأحلامه، قد يكون شريرًا وقد يكون طيبًا، قد ينجح وقد يفشل، لكنه إنسان يملك حكاية يجب أن تُروى.

وقد فتح خطاب شخصي بين رجل وزوجته أو أخيه الباب لعالم كبير من القصص الإنسانية والصور والفيديوهات، حياة كاملة نابضة، عادية أو غير عادية، لتجمع صاحبة المبادرة والمتطوعون معها أرشيفات عائلية فلسطينية، إلى جانب 4500 شهادة من الحياة اليومية في غزة أثناء الحرب.

وتقول دويدار، المولودة في مصر لأب مصري وأم فلسطينية، لـ"فكر تاني"، إن المبادرة بدأت في ديسمبر 2019 انطلاقًا من أرشيف عائلي شخصي ورثته عن جدها، وهو ما كشف لها أهمية الأرشيفات العائلية بوصفها تاريخًا حيًا وليس مجرد مقتنيات شخصية. وقد أقامت معارض في مصر وأمريكا وإنجلترا، ومع فترة الإغلاق أثناء جائحة كورونا بدأت العمل على توثيق الأرشيف رقميًا وبناء قاعدة بيانات له.

وتضيف أنها اكتشفت من خلال الرسائل والوثائق القديمة أن التفاصيل اليومية العادية، مثل الخطابات العائلية أو الأسهم في شركات وبنوك فلسطينية قبل النكبة، تتحول مع الزمن إلى أدلة تاريخية على حياة الفلسطينيين الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وتؤكد وجودهم الطبيعي والإنساني قبل التهجير. ومن هنا جاءت فكرة إنشاء موقع يتيح لكل عائلة فلسطينية بناء أرشيفها العائلي أونلاين، خاصة مع تشتت العائلات الفلسطينية في دول كثيرة، وكان الهدف الحفاظ على الرواية الفلسطينية وربط الأجيال الثالثة والرابعة بجذورها وقصص عائلاتها، خاصة من لا يتحدثون العربية أو ابتعدوا عن تفاصيل تاريخهم، إلى جانب تركيز المبادرة على "أنسنة" الفلسطيني بعيدًا عن الصور النمطية.

في نهاية عام 2025، بلغ عدد الفلسطينيين المقدر في العالم نحو 15.49 مليون نسمة، بينهم 5.56 مليون في دولة فلسطين، بينما يعيش 1.86 مليون نسمة في أراضي عام 1948، كما تُظهر التقديرات أن عدد الفلسطينيين في الشتات بلغ نحو 8.82 مليون نسمة، يتركز 6.82 مليون منهم في الدول العربية، في حين يتوزع الباقون في دول أخرى حول العالم، ما يعكس اتساع رقعة التشتت السكاني نتيجة عوامل سياسية وتاريخية قسرية، وفقًا لنص بيان الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.

وترى صاحبة مبادرة "حكايات فلسطينية" أن الفرق بين نكبة 1948 واليوم هو أن الناس وقتها لم تكن تدرك حجم الكارثة، كما لم تكن هناك أدوات توثيق متاحة، بينما اليوم تحدث الأحداث أمام الجميع بشكل مباشر، ومن ثم فإن عدم توثيقها يعني ضياع الحقيقة. ولذلك بدأت منذ الأسبوع الأول للحرب في جمع الشهادات وتوثيق ما يجري، وتحول المشروع تدريجيًا إلى جمع شهادات وقصص الناس العاديين تحت الحرب عبر بناء قاعدة بيانات تضم نصوصًا وصورًا وفيديوهات ومنشورات من السوشيال ميديا. والفكرة الأساسية فيه هي الحفاظ على "صوت الإنسان الفلسطيني العادي" بكل تفاصيله اليومية، خوفه ومزاحه وغضبه ودعاءه وبحثه عن أحبائه وتحليلاته للحياة والحرب.

وتستطرد دويدار، قائلة إن الموقع أُطلق في يونيو 2023 كمبادرة مستقلة غير ممولة، قائمة بالكامل على العمل التطوعي لمتخصصين في مجالات مختلفة، ومع اندلاع حرب الإبادة على غزة في أكتوبر 2023 تحول المشروع تدريجيًا إلى توثيق الحرب وجمع الشهادات وبناء قواعد بيانات تحفظ ما يحدث لحظة بلحظة، انطلاقًا من قناعة بأن ما يجري هو "نكبة ثانية"، وأن عدم توثيقه الآن يعني ضياع جزء كبير من الحقيقة والتاريخ.

وحتى الآن جُمعت أكثر من 4500 شهادة، وجرى إدخال نحو 1700 شهادة إلى قاعدة البيانات بشكل منظم، مع حفظ الروابط والمحتوى خوفًا من حذفه من الإنترنت. وهنا تبدو الصورة، في نظرها، حربًا جديدة على جبهة حديثة هي الفضاء الإلكتروني ومنصات التواصل الاجتماعي، تهدف إلى محو الرواية الرقمية الفلسطينية، ومنها على سبيل المثال حذف حسابات الصحفي الفلسطيني صالح الجعفراوي عقب استشهاده.

ذاكرة مثل السكين حادة

عندما يُسأل محمد المهدي عن سر عدم نسيان النكبة، يجيب بأن الحدث لم يُغلق تاريخيًا، وهذه ربما هي النقطة الأكثر حسمًا نفسيًا، فالعلم النفسي يميز بين صدمة منتهية وصدمة مستمرة. وإذا استمرت الظروف المرتبطة بالحدث بقي الجهاز النفسي في حالة استدعاء دائم للذاكرة.

وبمعنى آخر، ليس الأمر فقط أن الفلسطينيين يرفضون النسيان، وإنما الواقع يعيد تنشيط الذاكرة باستمرار. ويشرح أن الصدمة الفردية في علم النفس تحدث عندما يتعرض الإنسان لحدث يفوق قدرته المعتادة على الاحتمال والتفسير والسيطرة، مثل الحرب أو التهجير أو المجازر أو فقدان الأمان أو فقدان الأحبة.

أما الصدمة الجماعية فهي تجربة عنيفة أو كارثية تصيب جماعة كاملة، وتهدد ليس فقط حياة الأفراد، وإنما معنى العالم لديهم، وإحساسهم بالأمان، واستمرارية هويتهم الجماعية، وتحطم لديهم ما يسمى بـ"الافتراضات الأساسية في الحياة"، وهي أن الإنسان كائن له احترامه وله الحق في الحياة، وأن جسده وحياته وكرامته مصونة، وأن ذريته تعيش في أمان على الأرض التي ورثوها عن أجدادهم. وإذا انتقلنا إلى الحالة الفلسطينية فنحن أمام صدمة فردية لكل شخص، وصدمة جماعية للشعب الفلسطيني بأكمله، وهي صدمة، أو بالأصح صدمات، مستمرة منذ عام 1948، ولهذا يصفها المتخصصون في العلوم النفسية بـ"كرب الصدمة المزمن"، وأحيانًا "كرب الصدمة المركب".

ومن ثم يمكن وصف النكبة الفلسطينية علميًا ونفسيًا بأنها صدمة جماعية وعابرة للأجيال، وهذا ليس توصيفًا أدبيًا، وإنما إطار مستخدم في علم النفس وعلم الاجتماع ودراسات الذاكرة الجماعية ودراسات الاستعمار والعنف السياسي، ولذلك يرى كثير من الباحثين أن النكبة نموذج كلاسيكي للصدمة الجماعية المستمرة.

ووفقًا للتقارير الواردة من "الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني"، فقد جرى تشريد نحو 957 ألف فلسطيني من قراهم ومدنهم من أصل 1.4 مليون فلسطيني كانوا يقيمون في فلسطين التاريخية عام 1948 في 1300 قرية ومدينة فلسطينية، حيث انتهى التهجير بغالبيتهم إلى عدد من الدول العربية المجاورة، إضافة إلى الضفة الغربية وقطاع غزة، فضلًا عن التهجير الداخلي للآلاف منهم داخل الأراضي التي أخضعها الاحتلال الإسرائيلي لسيطرته عام النكبة وما تلاها، بعد طردهم من منازلهم والاستيلاء على أراضيهم.

ويعرّف المهدي الصدمة العابرة للأجيال بأنها تعني أن آثار الصدمة لا تبقى محصورة بمن عاش الحدث مباشرة، وإنما تنتقل نفسيًا وثقافيًا واجتماعيًا، وأحيانًا بيولوجيًا، إلى الأبناء والأحفاد، وقد جرى دراستها عند الناجين من المحرقة اليهودية وضحايا الاستعمار والسكان الأصليين الذين جرى إبادتهم والأرمن والأفارقة المتأثرين بتاريخ العبودية وشعوب عاشت حروبًا وتهجيرًا جماعيًا، وخاصة مع الاستمرار الفعلي لنفس الظروف، وهذه نقطة مهمة جدًا في الحالة الفلسطينية تحديدًا، ففي الطب النفسي من الصعب التعافي من صدمة إذا كانت أسبابها مستمرة أو تتكرر. لكنه يرى أيضًا أنه من المهم الإشارة إلى أن التمسك بالذاكرة لا يعني أن المجتمع يعيش فقط في الماضي، فكثير من المجتمعات التي تحمل صدمات جماعية تحاول في الوقت نفسه أن تعيش وتبني المستقبل وتتعلّم وتحب وتعمل وتستمر، فالذاكرة ليست نقيض الحياة دائمًا، وأحيانًا تكون إحدى الطرق التي يحافظ بها البشر على معنى وجودهم.

وتقول شادية الجدة الفلسطينية، المقيمة خارج بلادها، إن "النكبة مستمرة، والتهجير مستمر، ومازالت الناس تخرج من بيوتها على أمل الرجوع"، ثم تؤكد أملها الدائم في أن تتحرر فلسطين ويعود الغائبون، مشددة على أن جيل 2023 استوعب درس 1948 جيدًا، لذلك يتمسكون بأرضهم ويرفضون التهجير، "لا بديل عن الأوطان".

ويقول محمود درويش في معنى التمسك بالأرض إنه كتب اسمه بأسنانه على أشجارها وصخورها وترابها الحاني، ويتساءل "أأنساها وتنساني؟".

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة