“كان كيوم القيامة”.. شهادات الناجين من مجزرة “النصيرات”

كان السوق في النصيرات وسط غزة مزدحمًا صباح السبت، حيث كانت آسيا النمر تبحث عن صيدلية تحتوي على أدوية لأختها، بينما كانت أنسام هارون تأمل في العثور على ملابس جديدة تُدخل بها الفرحة على قلوب بناتها مع اقتراب عيد الأضحى.

كان هذا الجزء من غزة قد أُفرغ في بداية العام عندما اجتاحت قوات الاحتلال الإسرائيلية المنطقة، ودمرت منزل “أنسام” في غارة جوية. ومع ذلك، امتلأ السوق مجددًا منذ مايو عندما فر أكثر من مليون شخص هربًا من الاجتياح والغارات الإسرائيلية على مدينة رفح.

“سوق النصيرات دائمًا مزدحم، لكن الآن أكثر من المعتاد بسبب العدد الكبير من النازحين”؛ تقول “أنسام” (29 عامًا)، وتنقل عنها صحيفة “الجارديان” البريطانية بعد المجزرة التي راح ضحيتها المئات، أغلبهم من الأطفال والنساء.

كان كيوم القيامة.. ماذا حدث في النصيرات؟

كانت المرأة التي تقيم الآن مع عمها تبحث عن ملابس لطفلاتها عندما ضربت الغارات الجوية الإسرائيلية الأولى، وهرع الجميع فزعًا وصراخًا.

في الخارج، واجهت “أنسام” مشهدًا “مثل أهوال يوم القيامة”؛ كانت الحشود المذعورة تحاول الهروب من الهجوم، الذي انضمت فيه الطائرات الهليكوبتر والطائرات دون طيار، وبدأ القصف بينما كانت الأجساد تتناثر على طول الشوارع، وقد وثقتها الصور الواردة من المكان.

“كنت أركض في الشارع مع النساء الأخريات، كنا مرعوبات… مررنا بعيادات صحية ومدارس كانت توفر المأوى في السابق، لكننا تجنبناها بسبب الهجمات الإسرائيلية”؛ تقول آسيا النمر، الشابة الثلاثينية التي تعمل مهندسة برمجيات.

في البداية كانت طائرة هليكوبتر واحدة التي ظهرت أمام “آسيا” ومجموعة أخرى من النساء والأطفال، ثم بدأ إطلاق النار، وانضمت إلى الهجوم على المدنيين طائرة أخرى دون طيار، بينما كان حشد المدنيين يحاول الفرار من القتل. “لجأت إلى منزل قريب وسحبت معي امرأة كانت تعاني من نوبة هلع”؛ تقول “آسيا”.

بقى المدنيون هكذا لعدة ساعات قبل أن يكتشفوا أن هذا الهجوم المكثف قد شُن لدعم القوات الخاصة الإسرائيلية في مهمة لتحرير أربعة أسرى محتجزين في شقق قريبة من السوق، كما تنقل “الجارديان”، بينما سقط في هذا الهجوم الدموي أكثر من 270 فلسطينيًا شهيدًا، وأصيب أكثر من 600 آخرين.

النصيرات.. الموت في شاحنة مساعدات

وفق شهود العيان وما نقله مراسلوا الصحف الأجنبية ومنها “الجارديان”، وصل القوات الخاصة إلى وسط النصيرات في شاحنة مساعدات، متنكرين كفلسطينيين نازحين من رفح.

يقول رائد توفيق أبو يوسف، الذي كان يراقب حالة ابنه المصاب بجروح خطيرة في الهجوم، إن قريبه شاهد الفريق الإسرائيلي يصل في الشاحنة، حيث خرج “بعض الرجال، وقابلوا الناس أمام المنزل، ودخلوا، ثم بدأوا في قتل الجميع”.

وكان جيش الاحتلال الإسرائيلي أعلن أن قواته تعرضت لهجوم خلال عملية معقدة، وأكد أن “أقل من 100 شخص قتلوا”، بينما لم يعرف المتحدث عدد المدنيين بينهم.

نُقل معظم الضحايا والمصابين إلى مستشفى الأقصى القريب، حيث كان علي إبراهيم طويل (31 عامًا) يعمل في قسم أمراض القلب قبل الحرب، لكنه الآن يعمل كطبيب طوارئ يحاول علاج المصابين الذين يتدفقون أفواجًا في ظل استمرار المجازر الإسرائيلية ونقص الموارد الطبية.

يقول: “كان المصابون من جميع الأعمار: أطفال، نساء، رجال، كبار السن، وكانت هناك جميع أنواع الإصابات”.

إسرائيل نفذت بتخطيط أمريكي

استمر القصف لفترة طويلة على الأقل جزئيًا لحماية الأسرى وقوات الاحتلال، وتم تكثيف الهجمات بعد أن علقت مركبة إنقاذ تحمل الأسرى”، وفقًا لوسائل الإعلام الإسرائيلية، أفادت أن القوات الجوية والسفن البحرية قبالة الشاطئ وفرت الغطاء المناسب، حيث دخل مئات الجنود الإسرائيليين المخيم سيرًا على الأقدام وفي مركبات مدرعة ودبابات، وفقًا لموقع “ينيت” الإسرائيلي.

وعقب العملية، تم نقل هؤلاء الأسرى غربًا إلى شاطئ بالقرب من الرصيف الأمريكي الذي ادعت واشنطن أنه لتسليم المساعدات إلى غزة، ومن هناك تم نقلهم بالطائرة إلى إسرائيل.

 

في هذا الوقت، كانت غزال الغصين، 16 عامًا، جالسة مع أسرتها في مخيم من الأكواخ ذات الأسطح الحديدية في الحساينة، غربي النصيرات، على بعد نصف ميل من موقع المجزرة، حينما بدأ كل شيء.

تقول عمتها إيمان أبو رأس، التي أحضرتها إلى المستشفى: “سقط صاروخ إلى جانبهم، ما أسفر عن مقتل شقيقها وإصابة والدها ووالدتها وشقيقها الآخر”. كذلك، أصيبت “غزال” بشظايا في رأسها تسببت في نزيف في الدماغ وشُلت يدها وقدميها.

وتضيف عمتها التي تنقل عنها “الجارديان”: “لم يساعدنا أحد.. جرها والدها المصاب على فراشها وأمها وأخيها بعيدًا عن الخطر، لكنه انهار بعدها فاقدًا الوعي. كانت المنطقة محاصرة، وتمكنت سيارة الإسعاف من إجلائهم بعد فترة طويلة”.

أيضًا، لم يحم العيش إلى جوار المستشفى عائلة أبو يوسف (42 عامًا) من الغارات الجوية التي ضربت بالقرب من منزله مباشرة. فقد الرجل أطفاله الثلاثة الآخرين في وقت سابق من الحرب، وأكد الأطباء أن ابنه الأخير لديه فرصة ضئيلة للبقاء على قيد الحياة.

“منزلي بجوار مستشفى العودة، ورغم أنه يبعد مئات الأمتار عن المبنى المستهدف، كانت هناك الكثير من الضربات الجوية وأنواع الهجمات في المنطقة لتغطية عمليتهم الجبانة.. كل أفراد عائلتي وعائلات إخوتي إما قتلوا أو أصيبوا. ثلاث من بنات إخوتي ماتوا حتى الآن؛ وأختي ما زالت تصارع من أجل حياتها.. الكل مات أو ينتظر الدور”.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة