“عشان تبقي تقولي لا”.. تاريخ من استهداف النساء

ليس بالضرورة أن تكون امرأة بائعة هوى وفقًا لعرف المجتمع حتى يتم قتلها، مثلما فعل “سفاح التجمع“. أسباب عديدة وأحيانًا دون أسباب، دفعت عصابات إجرامية مشكلة وسفاحون، لاستهداف وقتل النساء في مصر، خاصة في القرن الأخير.

فيكفي أن تكون مرتدية خاتمًا من الذهب، أو سلسلة صغيرة لتستهدف، أو حتى رفضت أحدهم في علاقة عاطفية.

 

ريا وسكينة في المقدمة

 

قبل 100 عام استهدفت إحدى التشكيلات العصابية التي كانت تقودها نساء، نساء آخريات، وهي عصابة “ريا وسكينة“. بصحبة زوجيهما حسب الله وعبد العال.

تعتبر أقدم التشكيلات العصابية التي استهدفت استدراج وخطف وقتل النساء، وبلغ إجمالي عدد ضحاياهم نحو 17 امرأة.

ثم سفاح كرموز، وهو سعد إسكندر عبد المسيح، الذي بلغت حصيلة ضحاياه من النساء قرابة 19 سيدة. بدأت جرائمه بقتل زوجته السيدة العجوز -بمبة-، طمعاً في مجوهراتها. إذ كان يعتمد على وسامته في استدراج النساء وخديعتهن، خاصة المتقدمات في العمر؛ ألقي القبض عليه وتم إعدامه في النهاية.

أما قذافي عبد العاطي عبد الغني، المعروف بـ “سفاح الجيزة” فقد بلغت حصيلة ضحاياه ثلاثة نساء، وهم زوجته الأولى، حيث ظن أنها على علاقة عاطفية مع محاميه وبسبب هذه الشكوك قام بقتلها، وقتل شقيقتها كي لا تعترف عليه، ثم قتل زوجته الثانية.

 

لماذا يقتلون النساء؟ 

جرائم قتل النساء لا تحدث بنسب بسيطة في مصر، فوفقا لبيانات المركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية فإن الجرائم التي يرتكبها الأزواج، وصلت إلى 69% عام 2019. كما بلغت عام 2020 قرابة 338 جريمة، بينما عام 2021 بلغ إجمالي جرائم القتل 322 جريمة. 

وتقول سوسن الفايد أستاذ علم النفس بالمركزي القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية، أنه ليس هناك أي مبرر لقتل النساء بشكل عام؛ لكن هناك تفسيرات لسلوك القتل وسبب حدوثه ونتيجته.

وأضافت أن أحد الأسباب الرئيسة المؤدية إلى ارتكاب جرائم القتل، أن يكون الجناة مدمنو مخدرات. لا سيما المخدرات المُخلّقة التي تكون على هيئة أقراص.

لكن؛ السؤال المهم هو “لماذا يمارس الرجال المصابين بالأمراض النفسية جرائمهم ضد النساء بشكل خاص؟”.

يجيب المفكر دكتور بهي الدين مرسي، والذي نُشر له 12 مؤلفًا، أن سبب ذلك، اعتقاد البعض أن المرأة كائن ضعيف؛ لذلك يمارس الرجل ضدها السادية وأمراضه النفسية. خاصة أنها لن تعاقبه أو تعترف على جريمته، خوفاً من الفضيحة والازدراء المجتمعي.

ويعتقد مرسي في تصريحاته لـ”فكر تاني” أنه بالمثل قد يكون هناك العشرات ممن تعرضن لتحرشات يومية أو في سيارات النقل الذكي وتخوفن من الحديث عنها علنا.

 

قاتل النساء مريض نفسي

 

يقول محمد محمود المندلاوي، في كتابه “جرائم خطف النساء وأثرها على المجتمع“، الذي صدر عام 2017: “إن هناك علاقة طردية بين العنف في المجتمع المصري وصورة المشقة والضغوط التي تتعرض لها المرأة المصرية بشكل خاص والمجتمع بشكل عام”.

وأوضح أن جرائم العنف ضد النساء في مصر ترجع إلى أسباب نفسية أو عائلية، وما تسمى بـ”جرائم شرف“، وتعدد الزوجات.  

فيما يعتبر دكتور وليد هندي أن أي سلوك إنساني خارج عن الطبيعة والفطرة يعطينا مؤشر أن صاحب هذه السلوكيات يعاني من خلل نفسي أو تعرض لظروف قاسية دفعته إلى ارتكاب هذه السلوكيات.

وأضاف أن تطور هذا السلوك وظهوره في شكل جرائم بشعة، لأن المجرم قد يكون مصاب بضلالات العظمة “جنون العظمة” والتي تتكون من مجموعة من الأمراض النفسية كالذهان وأمراض ثنائي القطب التي تجمع بين الهوس والاكتئاب. 

فيما تشير دراسة بعنوان: “العوامل الاجتماعية المؤثرة في ارتکاب الجرائم داخل الأسرة المصرية” للباحثة هند فؤاد السيد، إلى الأسباب التي تؤدي إلى وقوع الجريمة داخل الأسرة وقد ذكرت منها: سوء الوضع الاقتصادي للأسرة إضافة إلى التنشئة غير السوية، وأيضاً التأثر بسلوکيات العنف المبثة عبر وسائل الإعلام التقليدية والحديثة في الدراما والأفلام، ثم العوامل الأخرى المتمثلة في الإدمان على المخدرات، وتؤكد الباحثة، أن الوسائل التکنولوجية الحديثة والإنترنت لهما دوراً کبيراً في الآونة الأخيرة لوقوع بعض الجرائم داخل الأسرة.

اقرأ أيضا: الثقافة المجتمعية وقتل النساء

هل عالجت الدراما القضية أم زادت الطين بلة؟

قدم المخرج هادي الباجوري، قصة “سفاح الجيزة“، في مسلسل من 8 حلقات وتم بثه على منصة “شاهد”، العام الماضي. لعب أحمد فهمي، شخصية السفاح، وشاركه التمثيل باسم سمرة، وصلاح عبد الله وداليا شوقي وحنان يوسف.

ويعلق المخرج أمير رمسيس، في تصريحات خاصة لـ “فكر تاني” بأن شخصية السفاح هي مادة جيدة لجذب وإثارة المتفرج. خاصة أنها خارجة عن المألوف الذي يعتاد المشاهد رؤيته على الشاشة.

ويضيف: “عرض شخصيات السفاحين فنيا يعتبر تطهير فكري للأفراد، حتى يأخذ الحذر من يعتنق أفكارا شبيهة بضرورة التخلص منها”. 

كما يرى رمسيس، أن اتهام الدراما الفنية المصرية بجميع أنواعها كأحد المسببات في انتشار الجريمة وغيره، اتهام قديم ومضحك. واعتبر أن السينما والتليفزيون يقدمون الواقع للجمهور. ويضيف: “ليس من المنطقي أن السينما هي سبب انتشار المخدرات؛ لأنها تحدثت عنها بعد انتشارها بين الناس”.

 

كيف دخلت المرأة عالم الجريمة؟ 

كانت الجريمة قديماً ذكورية بالدرجة الأولى، يحتكرها الرجل لنفسه ويجد في تنفيذها لذة. خاصة جرائم القتل بدافع السرقة أو للحفاظ على الأرض. ثم أوجد الرجال دافعًا جديدًا لقتل النساء، وهو الجرائم المسماة بجرائم الشرف.

سيدني سميث، طبيب التشريح البريطاني، في كتابه “قارئ الجثث” قال إنه في بداية عمله طبيباً في قطاع الطب الشرعي بمصر الملكية، عام 1917، أُرسلت شابة إليه لإجراء فحص عذرية لها. إذ كان هذا الإجراء شائعا آنذاك فإذا كانت الفتاة مارست الجنس قبل الزواج إنه يتم قتلها.

ويؤكد أنه كثيرا ما كانوا يجدون جثثًا لنساء في النيل وكان أول شيء يبحثون عنه إن كانت حاملًا أم لا.

بحسب بيان الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، فإنه منذ يناير وحتى سبتمبر من عام 2023 وقعت 1349 جريمة قتل، منها 290 واقعة بين أبناء عائلة واحدة.

بينما بلغت جرائم قتل الأزواج 68 جريمة قتل بينهم 10 شروع في قتل، ونفذ الأزواج 44 جريمة قتل ضد الزوجات. في المقابل، نفذت الزوجات 7 جرائم قتل ضد الأزواج وثلاث جرائم بالشراكة مع آخرين.  

وأوصى مرسي، أن تقليل جرائم العنف ضد النساء، يبدأ بتتبع مرتكبيها، وتأسيس عدد أكبر من المراكز لعلاج المرضى النفسيين المصابين بأمراض قد تؤدي إلى قتل النساء. ويضيف: “إذا أعدمنا قاتل للنساء فإننا لن نحل المشكلة لأن هناك مرضى صامتين ينتظرون فرصة للقيام بجريمة مشابهة. يجب علينا علاجهم قبل أن تتطور أمراضهم ويتحولون إلى مجرمين”.

اقرأ أيضا: القتل والفضيحة ثمن رفض النساء في مصر 

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة