نسوية “البيض” والسود.. هادية غالب VS ماما دهب

قبل فترة ليست طويلة، تصدرت مصممة الأزياء المصرية الشهيرة، هادية غالب، تريند مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة بعد حلقة مثيرة للجدل ظهرت فيها مع شاب في “موعد أعمى” ببرنامج يبث عبر الإنترنت باسم The Blind Date Show.

اللافت أن هذه لم تكن المرة الأولى التي تتصدر فيها هادية غالب التريند. فدومًا ما تثير الجدل، سواء بفيديوهاتها لتنسيق الملابس التي يراها البعض لا تتسم بأي أناقة أو ذوق، أو بسبب أسعار المايوهات التي تصنعها شركتها الخاصة والتي تُقدر القطعة منها بحوالي 15 ألف جنيه مصري.

هادية غالب

النسوية البيضاء بنت الأكابر هادية غالب

قبل حوالي 100 عام، وتحديدا عام 1920، نشرت الكاتبة والمفكرة ورائدة “تعليم الفتيات”، نبوية موسى، كتابها “المرأة والعمل”. ذلك الكتاب الذي حكت فيه جزء من رحلتها الشخصية مع التعليم.

كانت نبوية موسى ابنة الأسرة الراقية تتنكر في زي خادمة وتهرب يوميا من منزل عائلتها، للذهاب إلى المدرسة وإكمال رحلة تعليمها.

عشقت موسى التعليم ودعت له، فكانت أول فتاة مصرية تحصل على البكالوريا. فيما بعد أصبحت إحدى رائدات الحركة النسوية في مطلع القرن العشرين وكان أول ما دعت له هو تعليم الفتيات.

لكن؛ شأنها شأن الرائدة النسوية الأشهر، هدى شعراوي. إذ كانت بداية الحراك النسوي في مطلع القرن الماضي، في مصر، تنادي بالحقوق الإنسانية للمرأة -فقط- بنت الأكابر.

بمعنى، نادت الحركة بضرورة تعليم الفتيات من الطبقة الراقية العلوم الاجتماعية والثقافية واللغات، حتى يستطعن تربية جيل مثقف ومتعلم، لأنه -وفقا لهما- هذا هو الدور الأسمى المنوط بالمرأة.

وحسبما قالت هدى شعراوي في مذكراتها إنه حتى تكون صاحبات المقام الرفيع متعلمات.

فيما قالت نبوية موسى في مذكراتها “تغالينا حتى أصبح الناس ينادون بتعليم أولاد الباعة والخدم، وماسحي الأحذية“. وقالت أيضا “لا يضر أمتنا أن يكون ابن الخادم خادما مثله، ..، ومن العبث أن نحاول أن يكون لخادمنا من المعرفة ما للخادم الغربي، ما لم نسع أن تتساوى معلومات أغنيائنا بمعلومات أمثالهم من الغربيين، فإن هذا الخطل في الرأي قد يؤدي لأن يكون الخادم أعلم من سيده، وهو ما لم يُر في أمة من الأمم”.

 

إذا، ما علاقة ذلك كله بهادية غالب؟

لنبدأ من البداية. عُرفت هادية من خلال السوشيال ميديا، عبر تنسيقات غير معتادة لملابسها، ترتدي جاكت بألوان مبهرجة ومع بنطال مبهرج أيضا وأكسسوارات عديدة وضخمة لافتة. وفي كل مرة تُنشر فيديوهاتها بأسفل تعليقات من نفس نوعية “عيني وجعتني“.

هادية “ابنة الأكابر” لم تبدأ من الصفر، أو وفقا للكوميك الأشهر فإنها بدأت من الصفر السادس، حتى أصبحت أصغر رائدة أعمال ثلاثينية في مصر.

وعلى الرغم من نجاحها في شركتها لتصميم ملابس السباحة للمحجبات والتي تروج لها أنها تمكين لهن؛ إلا أن ذلك التمكين كان لسيدات من نفس طبقتها، يستطيعون دفع 15 ألف جنيها مقابل مايوه سيتغير لونه بعد عامين.

في حلقتها الشهيرة في برنامج The Blind Date Show قالت إنها تعمل في نفس مهنتها منذ كان عمرها 19 عاما. بينما هي الآن 31 عاما، حققت خلالها الكثير. فأصبح لها من الشركات عدة وأصبحت مؤثرة على السوشيال ميديا لديها ملايين المتابعين.

بينما تنجح كل مرة في أن تحظى بملايين المشاهدات لفيديوهاتها. كذلك نجاحها في إثارة الجدل. لا أحد ينكر أن غالب ناجحة وفقا لمعايير طبقتها الاجتماعية.

حينما ظهرت غالب في ذلك البرنامج لم تقل إنها بحاجة إلى رجل ينفق عليها، أو يساعدها في تحقيق أحلامها. بل قالت إنها بالفعل متحققة، ولديها بيزنس ناجح وتريد من يطبطب عليها في نهاية كل يوم. وكلما استعرضت ما تمتلكه صُدمت برأي شريك يرى أن ذلك كله أقل مما لديه وأن نجاحها لا يساوي شيئا مقابل ما جناه.

كلما تكلمت غالب خلال البرنامج عن حقوقها كامرأة تحسست مسدسي. لأنها في الأغلب كانت تتحدث عن حقوقها كامرأة صاحبة رأس مال وشركة وبيزنس وليس لكونها امرأة في العموم وهذا من حق كل امرأة في بلدها. أن يكون لها كيان مالي وعمل خاص بها، أن تصبح مؤثرة وتختار مسار حياتها كيفما تريد، أن يراها الرجل شريكة لا تابعة.

هادية لا تبحث عن رجل يزيل كل أثر لوجودها في حياته. فيزيل قبلتها من على خديه إذا التقته. أو يزيل إحدى شعراتها التي تناثرت على ملابسه قبل أن تراها فتاة أخرى. أو يتحدث عن نجاحه باعتباره مجهود الخاص دون دعم شريكته. ولا تبحث عن رجل يرى نفسه أهم منها. أو رجل يضع -ببجاحة- كلمتي عنف وضرب مع الحب في جملة واحدة.

النسوية البيضاء. لم يكن هذا مصطلحا قد سمعت به من قبل؛ إلا بعدما دققت البحث عن نضال النساء السود تحديدا. ففوجئت أنه حينما بدأت الموجة الأولى من الحركة النسوية في أوائل العصر الحديث واستمرت حتى أوائل القرن العشرين، كان الهدف من هذه الموجة هو إتاحة الفرص للنساء، وكانت حركة في الغالب منظمة ومعرّفة من قبل النساء البيض المتعلمات من الطبقة المتوسطة، وركزت على القضايا المتعلقة بهن.

هادية غالب محيرة، مثلها مثل النسويات البيض وعلى رأسهن هدى شعراوي، التي كانت تجلس على مقعدها الوثير في قصرها الفخم تنادي بخروج النساء للعمل والتعليم؛ لكن فقط أبناء الطبقة العليا وتحارب ابنها الذي تزوج من راقصة ثم تنجح في ضم حضانة حفيدها وتبعده عن أمه، الراقصة.

اقرأ أيضا: بائعات جائلات.. 10 جنيهات مُطاردة على رصيف الفقر

ماما دهب وعلاقة البطاطس بالنسوية السمراء الحرشة

من خلف طاسة مليئة بزيت التموين يتم فيها تحمير الدجاج وطواجن الملوخية والبامية والأرز بالشعرية. هناك أنثى تقف بمفردها في حارة ضيقة جدا في وسط القاهرة. بالكاد يستطيع المرء أن يمر بها صحيحا دون الاضطرار إلى مواربة جسده أو شفط كرشه للعبور.

وبعد تلك الرحلة القصيرة نسبيا قد لا تجد لك مكانا على سفرة “ماما دهب“، هكذا تحب أن يناديها الآخرون، وتعتبر كل من يزورها هو ابنها وعليه أن يناديها بـ”ماما”. لكنها؛ تبرر ذلك أنها لم تنجب حتى الآن وتفضل أن يتم مناداتها بذلك.

المتأمل لقصة “دهب” الفتاة الشعبية البسيطة، سيجدها قبل أن -خير اللهم إجعله خيرا- تتصدر تريند مواقع التواصل الاجتماعي، وتصبح زبونة دائمة في المواقع الصحفية والقنوات الإعلامية، سيجدها كانت تحكي قصتها بمفردات أكثر بساطة.

تتحدث بفخر أنها اضطرت للعمل ومواجهة تحديات عديدة كفتاة تقف بمفردها في حارة تحدها المقاهي التي يديرها رجال من كل جانب. بينما تواجه كل ظروف الحياة وحدها دون رجل: لا أب أو ابن أو أخ أو زوج.

حتى الآن تبدو “دهب” الداعية في كل مقابلاتها السابقة للنساء أن يكون لهن عملا يدر عليهن دخلا بعيدا عن الرجال وحتى يصبحن قويات بمفردهن و”إنتي تقدري“.

لكن؛ “كت”.. فجأة “دهب” تتحول لإحدى هؤلاء الانفلونسرز. فتتحدث عن الحب والحياة. هذا الكلام المخلوط بطشة الملوخية والتمكين المشروط للنساء. فيما تطالب خلاله الفتيات ألا يرتدين “كت” أو جيبة قصيرة أو ملابس ملفتة وفقا لتقديرها.

إذا ضحكت فتاة بصوت عال تستفز “دهب” وعندها ستكون معرضة للطرد من مطعمها الأيقوني. وإذا زارت مطعمها عليها أن تراعي “دريس كود” لأننا في “مجتمع شرقي” له أصول وقواعد. حيث تعتبر أن مطعمها هو بيتها وعلى من يأتي أن يراعي تلك القواعد.

الحقيقة أن “ماما دهب” وفقا للرؤية السابقة هي نسوية “إلا حتة“. أو من يمكن أن يقال عنهم النسويات السود. اللاتي ظهرن في حركة تمرد ضد النسويات البيض اللاتي طالبن بحقوق بنات نفس لونهن وطبقتهن.

دهب مثلها مثل هادية وشعراوي وموسى والكثيرات، كل منهن تتحدث عن الحقوق للنساء من وجهة نظرها وتضع شروطا لهذه الحقوق. كأن تكون المرأة من لون معين أو طبقة معينة أو منطقة جغرافية بعينها وتستبعد نفس الحقوق عن باقي النساء؛ سواء بقصد أو بدون.

دهب ستظل تتحدث عن تمكين النساء، لكن أي نساء؟ نساء الطبقة الفقيرة اللاتي يستغلهن الرجال ويضطررن إما للانصياع لهم في النهاية والجلوس في المنزل. فتتسول هؤلاء النساء مصروفا لا يكفي لاحتياجاتهن أو يضطررن للعمل في ظروف صعبة وفي النهاية تذهب رواتبهن إلى الرجال.

 

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة