قرابة الشهرين من العام الثاني للحرب في السودان، ولا تزال مؤشرات حل الأزمة أو تخفيف حدتها غائبة، كما غاب أي أمن عن الشعب الواقع رهينة طرفين عسكريين انتزعا إدارة البلاد من الكتلة المدنية ثم تقاتلا عليها.
وقد احتدمت المعارك وتواصلت بين الجنرالين محمد حمدان دقلو الشعير بـ"حميدتي" قائد قوات الدعم السريع وعبد الفتاح البرهان قائد الجيش السوداني، الأمر الذي حال دون وصول المساعدات الإنسانية، وساهم ذلك في حركة نزوح أكبر للسكان، الذين يعانون واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في التاريخ الحديث، والتي باتت مرشحة بشكل أكبر من أي وقت آخر لأن تتحول إلى أكبر أزمة جوع في العالم، بحسب مسؤولي الأمم المتحدة.
الأمم المتحدة: حياة أطفال السودان في خطر جسيم
أمس الإثنين، أصدرت ثلاث وكالات تابعة للأمم المتحدة تحذيرًا شديدًا بشأن تدهور وضع التغذية للأطفال والأمهات في السودان، البلد الذي تمزقه الحرب. وأكدت الوكالات أن حياة أطفال السودان في خطر جسيم، مشددة على ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية جيل كامل من سوء التغذية والأمراض والموت.
اقرأ أيضًا: السودان وخطر التقسيم
وأجرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) وبرنامج الأغذية العالمي ومنظمة الصحة العالمية تحليلًا أكد أن الاقتتال الحالي يفاقم العوامل المحركة لسوء التغذية بين الأطفال، مثل:
- نقص الأغذية المغذية ومياه الشرب المأمونة وخدمات الصرف الصحي.
- زيادة خطر الإصابة بالأمراض.
- التهجير الهائل للسكان، نتيجة النزاع، بما يزيد من خطر وقوع مجاعة كارثية، ويؤدي إلى خسائر كبيرة في الأرواح، خاصة بين الأطفال الصغار.
وأوضحت الوكالات الأممية الثلاث أن الحرب المستمرة منذ عام تؤثر بشدة على تقديم الإمدادات الإنسانية، مما يترك النساء والأطفال دون دعم غذائي حيوي. ورغم محاولاتها المستمرة، يعيق العنف والإجراءات البيروقراطية وصول المساعدات إلى المناطق المتأثرة بالنزاع.

الوضع الإنساني الراهن في السودان
ووفق البيان الأممي، ففي وسط دارفور، يعاني 15.6 بالمئة من الأطفال دون سن الخامسة من سوء تغذية شديد، بينما تصل النسبة إلى 30 بالمئة في مخيم زمزم. وقد تفاقم الوضع في الأشهر الأخيرة دون أي دلائل على تحسن، إذ يستمر النزاع ويعرقل الوصول الإنساني بشكل كبير.
ويهدد سوء التغذية الشديد حياة الأطفال بشدة، إذ تزيد احتمالية وفاة الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية بـ11 ضعفًا عن الأطفال الأصحاء. كما أن سوء التغذية يزيد من حدة الأمراض، والعكس صحيح، ما يؤدي إلى تأثيرات سلبية تمتد مدى الحياة على تطور الأطفال البدني والإدراكي.
كذلك، فإن مستويات سوء التغذية بين النساء الحوامل والمرضعات مقلقة؛ ففي مخيم زمزم، أظهرت فحوص منظمة "أطباء بلا حدود" أن أكثر من 33 بالمئة من النساء الحوامل والمرضعات يعانين من سوء التغذية، ما يشير إلى أنهن يضحين باحتياجاتهن لتغذية أطفالهن. وهذا يشكل خطرًا كبيرًا على صحة الأمهات وأطفالهن، حيث أن سوء التغذية يبدأ من مرحلة الحمل.
أكبر حالة طوارئ من الجوع في العالم
وقالت المديرة التنفيذية لليونيسف، كاثرين راسل: "يعاني أطفال السودان من مستويات رهيبة من العنف والتهجير والصدمات، ويواجهون مجاعة محتملة. عندما يعاني الأطفال من سوء التغذية الحاد، يتضرر تطورهم البدني والإدراكي، ما يؤثر عليهم مدى الحياة"، وطالبت أطراف النزاع بأن يسمحوا بوصول المساعدات الإنسانية بسرعة لتوفير الأغذية والمياه والرعاية الصحية والمأوى للأطفال، والأهم هو تحقيق السلام، على حد قولها.
ومن جانبها، قالت المديرة التنفيذية لبرنامج الأغذية العالمي، سيندي ماكين: "إن النساء والأطفال في السودان يعانون من سوء التغذية، وقد جرّدتهم الحرب من احتياجاتهم الأساسية. نحن بحاجة إلى وصول آمن وفوري لتقديم المساعدة الإنسانية. ومن دون هذه المساعدة، قد تصبح هذه الأزمة أكبر حالة طوارئ من الجوع في العالم. إن ملايين الأرواح في خطر، ويجب على المجتمع الدولي أن يتصرف الآن".

اقرأ أيضًا: 25 مليون روح مطاردة بالمجاعة في السودان
وأضاف المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، الدكتور تيدروس أدهانوم: "سوء التغذية ليس أزمة مؤقتة، إذ يواجه الأطفال الذين يعانون منه صعوبات صحية مدى الحياة، ويكونون أكثر عرضة للوفاة بسبب الأمراض المعدية. الوقت ينفد، وأطفال ونساء السودان يواجهون المجاعة. نحن بحاجة إلى وصول إنساني مستمر ودعم مالي كامل لإنقاذ هذه الأرواح".
أيام أصعب متوقعة
وأشارت تقارير الأمم المتحدة إلى وجود فجوات في البيانات بسبب صعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة من النزاع. وأكدت الوكالات الثلاث أن الوضع حرج ويزداد تدهورًا، ما يعكس نقص الوصول الإنساني الضروري.
ومن المتوقع أن يتفاقم الوضع في السودان خلال الأشهر المقبلة، حيث سيبدأ موسم الأمطار في يونيو، ما يزيد من صعوبة الوصول إلى المجتمعات ويزيد معدلات الأمراض. كما يدخل السودان في موسم الجدب، حيث تقل كميات الغذاء تقليديًا. وتشير التقارير إلى أن الإنتاج الزراعي في 2023 كان أقل من المعتاد بسبب التهجير وانعدام الأمن.
ودعت الوكالات الثلاث إلى توفير وصول إنساني فوري ودون عوائق إلى المجتمعات المتضررة عبر جميع نقاط العبور والمسارات الحدودية مع البلدان المجاورة، إضافة إلى تهدئة الأوضاع في الفاشر ووقف إطلاق النار على المستوى الوطني. وأكدت على أهمية الدعم المتجدد والكبير من الجهات المانحة لتفادي تدهور الوضع أكثر.
شهادات نازحي السودان: نقتات على التراب وورق الشجر
في شهاداتهم، يقول النازحون إن التراب أصبح طعام بعضهم في بعض مناطق السودان المحاصرة بالقتال، بعد نفاد الغذاء، مثل مخيم اللعيت شمالي دارفور.
قرنق أشين أكوك، أحد النازحين في هذا المخيم، يقول وتنقل عنه "مونت كارلو الدولية"، أنه وزوجته وأطفالهما الخمسة تركوا منزلهم في منطقة كردفان في ديسمبر 2023 بعد أن هاجمت ميليشيات عربية قريتهم وأحرقت كوخهم . اليوم، هو بلا عمل ولا يستطيع إعالة أسرته، وفي بعض الأحيان يمضون يومين أو ثلاثة دون طعام، مما يضطرهم لتناول التراب.
ويحمّل السودانيون طرفي القتال مسؤولية الدمار في العاصمة ومحيطها، وإن كانوا يتهمون بشكل أكبر قوات الدعم السريع بارتكاب عمليات نهب وشن هجمات خلال فترة سيطرتها على المنطقة. ومن هؤلاء محمد عبد المطلب، أحد سكان المنطقة، قال لبي بي سي بالعربية إن قوات الدعم السريع نهبت المنازل وسرقت السيارات وأجهزة التلفاز، وضربت كبار السن وحتى النساء، وقد توفي البعض جوعًا".

الموت في السودان قريب من الجميع
في 23 أبريل الماضي، أعلن متطوعون وفاة ثلاث أطفال جوعًا في أمبدة بأم درمان، ثالث مدن العاصمة الخرطوم التي يعتمد العالقين فيها على مطابخ تكافلية ترعاها غرف الطوارئ الشبابية.
وقال عضو في لجنة طوارئ شرق النيل، لـ "سودان تربيون:، الأحد، إن "معلومات وردتهم حول تسجيل حالة وفاة بسبب الجوع في واحدة من الغرف القاعدية". وكشف عن تسجيل إصابات بالعمى الليلي لعدد من الأطفال بمنطقة أبو قرون، نتيجة لسوء التغذية، حسب الكشف الطبي.
أرقام وإحصاءات من جوف الجوع
تقول مانديب أوبراين، ممثلة اليونيسف في السودان، إن السودان يواجه أزمة إنسانية كبيرة، حيث يحتاج 14 مليون طفل إلى مساعدات منقذة للحياة في مجالات الصحة والتغذية والتعليم والمياه والحماية. وتوضح أن السودان بلد فتي، إذ يشكل الأطفال 24 مليونًا من سكانه.
وتشير أوبراين إلى أن أكثر من 3.5 مليون طفل اضطروا للفرار من منازلهم منذ بداية الحرب، مما يجعل السودان يواجه أكبر أزمة نزوح للأطفال في العالم. وتضيفت أن 7.4 مليون طفل يعانون من نقص حاد في مياه الشرب الآمنة، مما يعرضهم لمخاطر الأمراض المنقولة بالمياه.
وتلفت أوبراين إلى أن مليوني طفل بحاجة ماسة إلى لقاحات منقذة للحياة لحمايتهم من الأمراض. كما يعاني أكثر من 3 ملايين طفل دون سن الخامسة من سوء التغذية الحاد، بينهم 700 ألف طفل يعانون من سوء التغذية الحاد الشديد، ما يهدد حياتهم إذا لم يحصلوا على العلاج الطبي المناسب.
كما أن 19 مليون طفل في سن الدراسة لا يذهبون إلى الفصول الدراسية، مما يضع السودان على حافة أسوأ أزمات التعليم في العالم.
وتقول دومينيك هايد، مديرة قسم العلاقات الخارجية في مفوضية شؤون اللاجئين، إن عدد النازحين داخليًا بلغ 4.5 مليون شخص، بينما اضطر 1.2 مليون شخص للفرار إلى دول مجاورة مثل تشاد ومصر وجنوب السودان وإثيوبيا وجمهورية إفريقيا الوسطى. وتشير إلى أن النساء والأطفال يمثلون الغالبية العظمى من هؤلاء اللاجئين.
وتقول هايد إنها زارت ولاية النيل الأبيض في السودان، حيث يعيش أكثر من 433,000 نازح داخليًا، إلى جانب 300,000 لاجئ من جنوب السودان، وهي تصف تضرر الوضع الصحي في الولاية بالكارثي، حيث توفي أكثر من 1,200 طفل دون الخامسة بسبب تفشي الحصبة وسوء التغذية.
ووفق هايد، فإن وتيرة نزوح السودانيين إلى دول الجوار تتزايد بشكل كبير. ففي تشاد، يبلغ معدل وصول اللاجئين 700 شخص يوميًا.
وزارت "هايد" مدينة الرنك في جنوب السودان، التي شهدت ارتفاعًا حادًا في أعداد اللاجئين. ففي خلال أسبوع واحد، عبر أكثر من 20,000 شخص الحدود إلى جنوب السودان، معظمهم من السودانيين.
بينما يستوعب مركز الإيواء المؤقت في الرنك، الذي أنشئ لاستقبال 3,000 شخص، نحو 20,000 لاجئ، مع مؤشرا على مزيد من تدهور الوضع، مع تزايد مخاطر تفشي وباء الكوليرا بسبب تردي وضع المياه والصرف الصحي.
وتقول هايد إنها قضت 30 عامًا في هذا المجال، وهذا من أسوأ الأوضاع التي شهدتها. وتؤكد أن المجتمع الدولي يجب أن يتخذ إجراءات عاجلة لتقديم المساعدة الإنسانية للسودان، بهدف إنقاذ حياة الملايين من الأطفال والنساء الذين يعانون من هذه الأزمة.
