تشهد الأراضي السودانية وفقًا لوكالات الإغاثة “أكبر أزمة نزوح على مستوى العالم”؛ وقد أُجبر ما يُقدر بنحو 6.7 مليون إنسان على ترك منازلهم والهروب من مناطق القتال العنيف بين قوات الدعم السريع التي يقودها محمد حمدان دقلو الملقب بـ "حميدتي" وقوات الجيش تحت قيادة عبد الفتاح البرهان. وعلى الرغم من مرور ما يزيد عن العام على الحرب، فإن بوادر التسوية لا تزال بعيدة المنال.
وبينما دفع تفاقم التصعيد في الفترة الأخيرة العديد من المحللين السياسيين إلى الجزم بحتمية تقسيم السودان، باعتباره “مسألة وقت” فحسب، طرح آخرون سيناريو حرب الكل ضد الكل، بالمعنى الذي قدمه المفكر الإنجليزي توماس هوبز، لاسيما مع دخول أطراف وميليشيات قبلية وأيديولوجية جديدة إلى ساحة القتال.
وبين هذا وذاك ورغم أن الصراع في السودان ليس في جوهره قضية إقليمية على ما يبدو، إلا أنه في حال استمراره وتوسعه، يحمل القدرة على إعادة تشكيل سياسة المنطقة، مع ما يترتب على ذلك من عواقب على شرق القارة الإفريقية ومنطقة الشرق الأوسط بأسرها.

سيناريوهات الوضع بالسودان
يخشى العديد من الخبراء والكتاب تكرار "السيناريو الليبي" في السودان، حيث تتصارع حكومتان- بدعم من قوى إقليمية ودولية- على السلطة.
ويصف "معهد السلام الأميركي" الوضع في السودان بأنه تجاوز النموذج الليبي، وأن الأوضاع في البلاد تقترب من شفا حرب أهلية فوضوية شاملة، محذرًا من هذا "السيناريو" كونه الأرجح والأسوأ، وفقًا للمؤشرات على الأرض، نتيجة اتساع نطاق القتال وانتشار خطاب الكراهية القائم على الأسس الإثنية والجهوية.
ويقول الدكتور أحمد عبد الرحمن، أستاذ العلوم السياسية، أن فشل الوساطات الدولية العديدة يثير المخاوف من أن يؤدي استمرار هذا الوضع لفترة طويلة إلى تقسيم السودان. كما تؤدي الموجة المتزايدة من تسليح المدنيين إلى تفاقم الانقسامات الاجتماعية.

وسبق للأمم المتحدة أن حذرت من أن العنف في السودان وصل إلى مرحلة "الشر المطلق"، وأعربت عن قلقها إزاء ما يحدث، لاسيما الهجمات ذات الدوافع العرقية في دارفور.
ومن المعتقد بشكل كبير أن يؤدي الفشل في التوصل إلى حل سياسي إلى وضع مماثل لما حدث في ليبيا، مع وجود أكثر من حكومة واحدة، لا تتمتع أي منها بفعالية حقيقية أو معترف بها دوليًا على نطاق واسع.
ويقول المدير الإقليمي لمعهد السلام الأميركي، حاتم بدين، الذي تنقل عنه "الشرق الأوسط"، إن سيناريو انزلاق السودان إلى حرب أهلية فوضوية شاملة، يعد أقرب السيناريوهات المحتملة في الوقت الحالي؛ وذلك استنادًا إلى مؤشر حملات التسليح الواسعة للمدنيين للانخراط في القتال، وتمدد خطاب الكراهية الذي يعمّق الانقسام السياسي والمجتمعي.
ويشير تقرير نشره المعهد إلى 4 سيناريوهات محتملة تواجه السودان، مقسمة إلى "عالية الاحتمالية"، وهي النموذج الليبي والحرب الأهلية، و"منخفضة الاحتمالية" بانتهاج طرفي النزاع سياسة فاوض وحارب.
سيناريو الحرب الأهلية
تذهب التحليلات إلى أن التقدم العسكري لـ"قوات الدعم السريع" على قوات الجيش سيؤدي إلى الحرب الأهلية الفوضوية، حيث تتمتع "الدعم السريع" بإمدادات مستمرة من الأسلحة وتجنيد مقاتلين من داخل السودان وخارجه؛ ما أدى إلى تحقيقها انتصارات عسكرية كبيرة في غرب ووسط البلاد.
اقرأ أيضًا: الفاشر أسوأ فصول حرب السودان

سيناريو "حارب وفاوض"
أشارت ملخصات مناقشات "معهد السلام" إلى أن سيناريو "حارب وفاوض"، ومحاولات الطرفين لتأمين امتيازات تفاوضية استراتيجية، تتمثل في حماية سلاسل التوريد وتعطيل إمدادات العدو، مع الانخراط والتعاطي مع الوساطات الجارية، يقلل من قيمته عدم رغبة الطرفين، أو أحدهما، في إنهاء الصراع.
سيناريو الاستنزاف
يشير تقرير "معهد السلام الأميركي" إلى أن الصراع وصل إلى حالة الجمود، وأن أيًّا من الطرفين عاجز عن تحقيق نصر حاسم أو إحراز تقدم ذي مغزى، وأنهما تكبدا خسائر فادحة في الأرواح، إلى جانب الأعباء المالية وخسارة في الأصول الحيوية، واستنزاف القدرات العسكرية، وتراجع الدعم الشعبي؛ ما أدى إلى تقليل القوى الإقليمية دعمها لطرفي القتال، فصارت تهتم بشكل متزايد بالحل السياسي، إضافة إلى الضغط الدولي لتقييد الوصول إلى الذخائر والأسلحة والمجندين الجدد؛ ما حد من قدرات الطرفين.
التوترات القبلية
خلصت النقاشات بين الفاعلين السودانيين، في ورشة عمل "معهد السلام الأميركي"، التي أقيمت في العاصمة الكينية نيروبي في فبراير الماضي، إلى أن تصاعد التوترات القبلية، وبناء تحالفات كل من الجيش و"الدعم السريع" على أساسها، سيؤدي إلى تعميق الانقسام القبلي في البلاد، إزاء الانقسامات في المجموعات المدنية.

وقال قيادي رفيع في تحالف "الحرية والتغيير" شارك في الورش، إن أسوأ السيناريوهات المحتملة هو انتصار أحد طرفي القتال وفرض شروطه بقوة السلاح على الجميع.
وأوضح أن "السيناريو الثاني المحتمل هو أن يصل الجيش و(الدعم السريع) إلى اتفاق وقف إطلاق النار دون عملية سياسية تشارك فيها القوى السياسية المدنية، ما يمكن أن يشكل مدخلًا لسلطة شمولية عسكرية جديدة في البلاد".
وحذر القيادي -الذي طلب حجب اسمه- مما أسماه "سيناريو الصوملة"، وتقسيم البلاد إلى مناطق نفوذ للمليشيات المسلحة، تسيطر كل واحدة منها على إقليم. وتابع: "كلما تأخر الوصول إلى حل سياسي عبر التفاوض، زادت فرص تقسيم البلاد إلى دويلات عديدة".
وقال عضو المكتب التنفيذي والهيئة القيادية (تقدم) في السودان علاء نقد سيناريو تقسيم السودان موجود، وشخصيًا تحدثت عنه كثيرا، فهو أحد أربعة سيناريوهات للحركة الإسلامية وتنظيم المؤتمر الوطني، الذي اتهمه بإشعال الحرب، حسب وكالة أنباء العالم العربي.
ومضى قائلًا "السيناريوهات الأربعة تتجلى: أولًا حسم الحرب عندما كانت لديهم احتمالية النصر السريع، وتحدث عنه (عضو مجلس السيادة ومساعد القائد العام للقوات المسلحة) ياسر العطا الذي هو الرجل الثالث في المنظومة العسكرية / الجيش، وهو يتحدث بلسان الإسلاميين والمؤتمر الوطني في جميع تصريحاته".
وتابع "هم يريدون التخلص من القوى المدنية التي أشعلت الثورة ضد نظام البشير، وسيناريو الحسم العسكري السريع عبروا عنه بمقولة اشتهرت عنهم في السودان هي أن ‘الحرب ستنتهي في أسبوع أسبوعين‘، ومن قبل قال العطا أثناء المشاكل والتصعيد بين الجيش والدعم السريع، قال ‘لن يأخذ الأمر معنا غير 6 ساعات".
وعن السيناريو الثالث يقول نقد إن "إشعال الحرب الأهلية أو القبلية كما حصل بالضبط بعد دخول الدعم السريع لولاية الجزيرة.. تصاعدت النعرات القبلية والإثنية والمناطقية، وتحت شعار خادع ومسمى المقاومة الشعبية، وسمعنا عن هذا في كثير من الولايات الشمالية بالذات، ونهر النيل".
وفيما يخص السيناريو الرابع الذي تحدث عنه والمتمثل في تقسيم السودان، فقال "يمكن أن نتجه نحوه في حال فشلت جميع السيناريوهات السابقة للحركة الإسلامية. فشلوا في حسم الحرب سريعا، فشلوا في تدمير البنية التحتية، فشلت الحرب العنصرية وإثارة النعرات القبلية والكراهية. الآن الحركة الإسلامية وفلول المؤتمر الوطني أو حكومة الأمر الواقع يتدثرون تحت عباءة الجيش. الآن الجيش بدأ ينفصل عنهم نوعا ما. لكن ليست لديهم مشكلة في أن يحدثوا دولة ولو كانت في ولاية واحدة من ولايات السودان".
اقرأ أيضًا: 25 مليون روح مطاردة بالمجاعة في السودان
تداعيات تقسيم السودان
نُشرت ورقة بحثية للمركز الديمقراطي العربي ناقشت تداعيات تقسيم السودان إلى دولتين، بينما أشارت إلى أن تقسيم السودان يطرح عدة تداعيات أمنية وسياسية ليس فقط بالنسبة للسودان، وإنما تتفاقم التداعيات إلى حد يشمل دول الجوار والإقليم بأكمله فضلًا عن تداعياتها العالمية.
وقسمت الورقة التداعيات كالتالي:
تهديد الأمن والسلم الدوليين: من المحتمل أن يشكل تقسيم السودان تهديدًا أمنيًا غير مسبوق على كل المستويات المحلية والإقليمية والدولية، حيث يتوقع محللون سياسيون فرار عشرات الملايين من السودانيين عبر القارة والبحر الأحمر هربًا من انزلاق البلاد إلى عنف الميليشيات العرقية.
وفي الوقت نفسه، فإن الجماعات الإسلامية المتطرفة التي ترهب حاليا منطقة الساحل المجاورة سوف تنجذب إلى المشهد غير الخاضع للحكم في السودان، مما يجعل في الواقع سيناريو تقسيم السودان مثيرًا للاضطرابات الأمنية على نطاق واسع، فضلاً عن التوترات والصراعات المحتملة مع الدول المجاورة مثل مصر وتشاد وجنوب السودان، نتيجة للنزاعات الحدودية والتنافس على الموارد والحقوق المائية.
استحالة تحقيق الديمقراطية مجددًا للشعب السوداني: سعى الشعب السوداني إلى وضع نهاية لنظام عمر البشير، ونظامه الأمني الذي مكن الحكومة المركزية من الاحتفاظ بالسلطة لمدة 30 عامًا مع إبقاء بقية البلاد منقسمة وتحت التهديد، وذلك في محاولة متعثرة لإرساء حكم مدني ديمقراطي.
ومع تقسيم السودان وتشكيل حكومتين مختلفتين، فإن حلم الحكم المدني الديمقراطي يصبح أشبه بالمستحيل، خاصة تحت حكم مرتزقة الدعم السريع التي ستستمر في قمع حريات السودانيين ونهب ثرواتهم عنوةً.
ظهور مأزق جديد أمام تحقيق الشرعية: يطرح سيناريو تقسيم السودان إلى حكومتين العديد من التساؤلات حول الشرعية، فبأي حكومة سوف يعترف المجتمع الدولي؟ وعلى صعيد المواطن السوداني، فكيف سيقرر الاختيار بين الحكومتين لتلبية احتياجاته كالزراعة، أو الاقتراض من البنوك، وجواز السفر، والرواتب؟ كل هذه التساؤلات تبرز أن تقسيم السودان سيطرح الكثير من التحديات غير المسبوقة والتي تجعل الوضع أكثر تعقيدًا.
احتمالية اندلاع حرب أخرى بين الدولتين الناشئتين: على الرغم من أن البعض يعتبر أن تقسيم السودان إلى الدولتين يعتبر حلًا فعالًا لوقف القتال بين الأطراف المتحاربة، إلا أنه لا يوجد ضمان لذلك في الواقع، فقد يلجأ أحد الفريقين بعد تقسيم الدولتين إلى الهجوم على أراضي الطرف الأخر ومحاولة الاستيلاء عليها، مما ينذر بأن سيناريو التقسيم لا يطرح حلًا مستدامًا في الواقع بل أنه قد يتولد عنه المزيد من التقسيم، خاصة في ظل تنامي النفوذ الخارجي لقوات الدعم السريع مما قد يدفعها إلى الاستيلاء على كافة الأراضي السودانية وعدم التقيد بتقسيم محدد.