أن يُحبكِ "مينا" وأنتِ "مسلمة"!

*جميع الأسماء الواردة في هذا المقال مستعارة لكن أصحاب القصة الأصليين سيعرفون أنفسهم حتما حينما يقرءونها.

 

لم أتصور يوما أن تكون غيرتي من فتيات بأسماء "مارينا، ماري، فيرونيكا، ..". آخر مرة وُضعت فيها في هذا الموقف، كانت أسماء أخرى "شيماء، سمر، هدى،.."؛ لكن مع "مينا" كان كل شيء مختلف.

كان ذلك في صيف عام 2017، تعرفت إليه من خلال تقاطعات تخص عملنا، كان شابا لطيفا، مضحاكا، له رأي يختلف عن القطيع، ولا يشبه الأغلبية، أعرف منذ اليوم الأول أنه مسيحي ويعرف أنني مسلمة.

بعد أشهر من لقاءاتنا سويا -كأصدقاء جدد- نحضر حفلات التنورة، تلتمع عينانا سويا، عند سماع الإنشاد الصوفي أو نحضر حفلات "الخروج إلى النهار" و"طقوس السمو"، نذهب بخيالاتنا إلى عوالم حسية أخرى، نستمع إلى "صليب صوفي" ومزج نقرات الشماسين والمرنمين مع الإنشاد الديني والابتهال لنجل المبتهل -الأشهر- علي الهلباوي ابن الشيخ محمد الهلباوي.

كانت منطقة وسط القاهرة والقاهرة القديمة والغورية والحُسين وكل مكان به حفل "للمزاج" -صديقا- لنا.

على الرغم من أننا لم نكن في حالة ثراء وغنى فاحش؛ لكن لم تزد تكلفة تلك الحفلات وقتها عن الخمسة جنيهات، كان "مينا" عاطلا؛ باستثناء عملا واحدا يدر دخلا متواضعا رغم خبرته القوية في مجاله، وكنت كذلك. فري لانس. بمعنى أرزقية على باب الله.

وسط البلد
وسط البلد

الاعتراف

فجأة وقف "مينا" -منفجرا- في منتصف الشارع يبكي ويرفص ويركل الأرض ويقسم أنه يحبني. وربما أقول بغرور -أنثوي- إنها لم تكن المرة الأولى التي أرى فيهاز دموع رجل لي، بل كنت أشاهد تفاعل مشاعرهم -ليل نهار- وكُتبت قصائد فيْ وغُنت أيضا. 

لكن؛ جميعها في النهاية مشاريع عاطفية لم تكتمل. ما يدل أن كل تلك الأمور بالنسبة لي ليست إثباتا أو دليلا على الحب. فماذا أن يحبني شخص مسيحي وأنا مسلمة أعلن هويتي الدينية ليل نهار؟

ورطة؟ نعم.. خيبة أمل! ربما.. 

مفيش فايدة؟ أم.. "في أمل" مثلما تقول الست فيروز؟

ربما لم تجرب فيروز أن تتورط عاطفيا مع شخص من ديانة أخرى في بلد مثل مصر.

مرت أشهر ونحن نحاول التوصل لحل. تخللها أياما عديدة من الضحك والسعادة. كان "مينا" شخصا "يركب الهوا" كما كنت أخبره دوما، فقبل أن تصل يدي أو مجرد تحريك أصابعي في الهواء بجانب بطنه أو خصره يغرق في نوبة ضحك كبيرة يرتج فيها جسده الضخم، وعند تلك اللحظة أسقط أرضا من الضحك ويشاهدنا كل من في الشارع. يحسبوننا مجانين.

ومع حالة "التفليس" التي كنا فيها لشهور طويلة، كنا أحيانا نشتري سيجارة واحدة و"نخمس" فيها ونحن نتمشى -سويا- بمحاذاة الكورنيش. نسهر حتى الساعات الأولى من الصباح، في نميمة عن الجميع من المشتركين بيننا. أصنع لنا أكواب الشاي في البيت ونتمشى في الشارع ونجلس على الرصيف ونحن نرتشفها سويا.

جربت مع "مينا" أمورا لم أعتدها من قبل. مثل أن أغار من صديقاته المقربات المسيحيات لأنه سيكون من الأسهل له الارتباط عاطفيا معهن. مارينا، فيرونيكا، تريزا وغيرهن. بالأخص مارينا، صاحبة الشعر الكيرلي.

مع "مينا" كنت أتحسس في الحديث عن الديانة المسيحية وأن أقرأ كثيرا عنها، حتى لا أزيد الطين بلة، لشخص ربما عانى من تنمر وعنصرية وكراهية من متشددين طوال حياته بسبب وبدون، كأن ينهره أحد أنه كافر ويستحق القتل وسيدخل النار. وهذا أبسط ما يُقال ولا يقال مرة واحدة فقط في العمر.

بسم الصليب

كذلك جربت مع "مينا" أن يحدث شيء ما يجعله يفزع، فيهتز جسده الضخم وينتفض صليبه الفضي المخفي داخل قميصه، ليرتطم في وجهي قائلا "بسم الصليب".

لم يحاول أحدنا إقحام الدين إلا نادرا في حديثنا. ولم نذكر أي شيء يخص ديانتنا إلا عندما نريد السخرية من الوضع القائم. فنادرا ما كنا نأخذ الأمور -بجدية-. كنا نريد المحافظة على حالة السلام في العلاقة حتى لو لم يُكتب لها الاستمرار بأي طريقة.

كان يسميني "ابنة الله" فكلما تشاجرنا -سويا- أو لم أرضْ عن تصرف له، يحدث أمر سيئ. حتى لكان يهاتفني في منتصف اليوم يسألني إذا كنت غاضبة منه لأمر لا يعلمه، وعندما استفهم عن السبب، أعرف أن مكروه ما أصابه، ويكون معه حق -أحيانا.

اتفقنا على حب مريم العذراء والمسيح وكافة الرسل واختلفنا في طريقة صلاتنا.

بينما، لم تكن الأمور وردية على الدوام.

في أحد الأيام التقيت ومينا مع صديق له لنسميه "ماجد" كان مسيحيًا أيضا. كانت ساعات من الضحك المتواصل انفلتت أحشاؤنا من الضحك فيها، حتى كنا نقع أرضا وتتوجع أفواهنا من كثرة الضحك.

لكن؛ تلك الليلة السعيدة خُتمت بنهاية حزينة، حينما قال لي "مينا" :"أنا كنت خايف ليطلع منك كلمة أو حاجة غصب عنك تبين إنك مسلمة!".

عند تلك اللحظة علمت أن "مينا" لا يزال يصارع نفسه لتقبل مشاعره، وأنه لن يستطيع المجازفة. وأنا تفهمت الأمر، لأنني كنت في نفس الحالة من الصراع والتقبل والرفض. "مينا" من بلدة صعيدية شديدة المحافظة، أبسط ما يمكن أن يحدث لمسيحييها هو حرق منازلهم.

وهو التخوف الذي تحدث عنه -بصوت عال- معي. متخوفا مما سيصيب عائلته إذا تزوجنا كأن تُحرق منازلهم وسيكون حظهم جيدا إذا لم يكونوا بداخلها، ثم تُحرق منازل أقاربهم وكنيستهم وقد تُحرق المدينة بأكملها. لتُعمر واحدة أشرف -وفقا لرؤيتهم. أو يتم اتهامهم باختطافي.

بُليت مدينة "مينا" بالمتشددين من متخذي الدين الإسلامي ستارا لهم، يبررون به قتل المسيحيين والتضييق عليهم، حتى إذا فكروا في بناء مكان للصلاة.

لم ولن يغير "مينا" ديانته ولن أقبل أن يفعلها. كذلك أنا. وبناء عليه. انتهت قصة "مينا" عند هذا الحد، حينما قال وداعا ورأيته يدير ظهره راحلا لأول وآخر مرة.

 

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة