لا يزال قصب السكر، المتهم المُحبب للحكومة بإهدار المياه في مصر، رغم وجود محاصيل أخرى غير أساسية، تتجاوزه أو تقترب منه في الشره المائي، ويمكن الاستغناء عنها دون أدنى مشكلة.
بحسب الدراسات الحكومية، فإن مصر تزرع 350 ألف فدان بالقصب في الصعيد، لكن بكمية المياه نفسها المستخدمة لري تلك المساحة أو نصفها يمكن زراعة مساحة تصل إلى 700 ألف فدان من البنجر.

ولهذا يرى الدكتور نادر نور الدين، الخبير الزراعي ومستشار وزير التموين سابقًا، أن المشكلة في كيفية حساب استهلاك القصب باعتباره يستمر بالأرض لسنة كاملة مقابل 5 أشهر فقط للبنجر، ونحن نزرع 330 ألف فدان فقط بالقصب، بينما نزرع 660 ألف فدان بالبنجر، وتعطي المساحتين رغم اختلافهما محصولًا شبه متساوٍ من السكر.
تراجعت مساحات قصب السكر بصورة ملحوظة، وبلغ إجمالي المساحة المنزرعة من القصب 300 ألف فدان في 2023/ 2024 مقابل 342.4 ألف فدان عـام 2020/ 2021.
هل يصلح البنجر للصعيد؟
بحسب نقابة الفلاحين، فإن المزارعين في الصعيد يتجهون لزراعة النباتات الطبية والعطرية بدلًا من القصب، نظرًا لأنها تبقى في الأرض أشهرًا قليلة مقابل بقاء القصب لمدة 5 سنوات متواصلة بوصفه محصول مستديم.
اقرأ أيضًا: أزمة السكر “مستمرة”.. والمواطن بين “الطابور” و”الكرتونة”
يقول “نور الدين” إن البنجر لا يصلح للزراعة بالصعيد بسبب المناخ الحار، وأن آخر المناطق التي يمكن إنتاجه بها هي المنيا، كما أن البنجر لو تمت زراعته بالصعيد سيستهلك ضعف كمية المياه بسبب أوراقه الضخمة التي ستفقد مياه كثيرة (بحكم التبخر) في المناخ الحار للصعيد.

وأكدت وزارة الزراعة أن القطاع الزراعي بالوادي الجديد تمكن من زراعة نحو 10 آلاف و971 فدانًا إنتاجية تصل لـ 50 طنًا للفدان. كما تم تنفيذ أول تجربة لزراعة بنجر السكر في الأراضي الصحراوية، باستزراع 1250 فدان بمشروع المليون ونصف مليون فدان غرب المنيا.
تحتل مصر المرتبة الثامنة عالميا من حيث إنتاج بنجر السكر بنسبة 56% من الإنتاج، والباقي من قصب السكر، على عكس التجارب العالمية؛ حيث إجمالي إنتاج السكر في العالم يمثل 33% منه من محصول البنجر، والباقي من القصب.
إنتاجية القصب أعلى بكثير من البنجر
يقول “نور الدين” إن فدان قصب السكر مرتين وربع سكر قدر فدان بنجر السكر، أي أن كل فدان قصب نلغيه سنزرع مكانه فدانين وربع من البنجر، فضلًا عن أن السكر يتم معه استخراج 18 سلعة توفر فرص العمل، منها العسل الأسود والخل والكحول الأبيض والخشب الحبيبي والأسيتون والفركتوز والسكر البني وغيرها.
وتعتبر شركة السكر والصناعات التكاملية من أوائل الشركات التي أنشأت مصانع لإنتاج الخشب الحبيبي لاستغلال مخلفات صناعة السكر من القصب، بينما يعتبر الخل عنصرًا أساسيًا في التصدير، باعتباره مادة حافظة طبيعية لمنع البكتيريا من النمو وإفساد الطعام.
كما تعتمد شركة قنا لصناعة الورق، التي تقع على مساحة قدرها 110 أفدنة، على مصاص القصب (الباجاس) كمادة خام لتصنيع اللب والورق بطاقة إنتاجية تبلغ 120 ألف طن ورق سنويًا.
خلال العام الماضي فقط، تم إنتاج 78 ألف طن فقط نتيجة تراجع كميات الباجاس.
ويوضح “نور الدين” أن إزالة قصب السكر من الصعيد يحتاج إلى 700 ألف فدان في الدلتا لزراعة البنجر بدلًا منه، حيث التنافس بين البرسيم والقمح والفول والعدس والحمص والشعير على أشده بتلك الأراضي، بينما لا يوجد شبر واحد في أراضي الوجه البحري يمكن زراعته بالبنجر.

يعتبر الموسم الشتوي مزدحمًا على مستوى الزراعة بمصر؛ إذ يتضمن محاصيل البطاطس والفول والبرسيم والقمح والكرنب والسبانخ والقطن، وتتنافس تلك المحاصيل على الرقعة الزراعية التي ارتفعت في عهد الرئيس السيسي لتبلغ 13.7 مليون فدان.
استثمارات ضخمة جديدة لاستبدال القصب
ويضيف “نور الدين” أن التوسع بالبنجر سيحتاج مصانع جديدة لاستخراج السكر من البنجر تكلفنا مليارات. وفي المقابل سندمر مصانع استخلاص السكر من القصب في الصعيد ونُكهنها ونخسر مليارات ثمن الماكينات ونحن في أزمة اقتصادية.
اقرأ أيضًا: قفزات السكر تحرم المصريين حلاوة “خمسينة الشاي”
يوجد بمصر بها 15 مصنع سكر بينها 8 لإنتاج السكر من القصب جميعها مملوكين للدولة، و7 للبنجر، بينها 3 للقطاع الخاص، ومصنع مملوك للقطاع الخاص تحت الإنشاء.
وبحسب نقابة الفلاحين، فإن مجمل مصانع القصب تعمل بنصف الطاقة المتاحة لديها بسبب تراجع معدلات التوريد، وهو ما أدى لإغلاق مصنع سكر أبو قرقاص بالمنيا.
هل القصب الأكثر استهلاكًا للمياه؟
يقول “نور الدين” إن الموالح التي تحتل مصر المركز الأول في تصديرها عالميًا تستهلك 8 آلاف متر مكعب للفدان في السنة، بينما يستهلك القصب 10 آلاف متر مكعب في السنة، والموز يستهلك 12 ألف متر مكعب سنة.
وعام 2020، بلغ إنتاج مصر من الموز 1.38 مليون طن متري، بمعدل نمو سنوي وسطي 5.92%، مقابل 95 ألف طن متري عام 1971، وهو محصول مكلف يصل إلى 30 ألف جنيه للفدان، وتحتاج الشجرة حوالى عامين كاملين حتى تنتج.
كما تحتل مصر المركز التصديري الأول عالميًا في الموالح، وتبلغ المساحة المزروعة منها 456 ألف فدان، المثمر منها 415 ألف فدان، وتنتج 4.5 مليون طن ثمار سنويًا.
لماذا نستصلح؟

النائبة مها عبدالناصر، عضو مجلس النواب، قالت طالبت بالتوسع في زراعة قصب السكر بمحافظات الصعيد بشكل خاص بصفتها المحافظات صاحبة أعلى درجات حرارة في مصر، مضيفة أن زراعة قصب السكر في الإقليم المصري أسهل بكثير من زراعة بنجر السكر، باعتبار الأول من المحاصيل الاستوائية التي يفضل زراعتها في المناطق الحارة وعلى رأسها قارة أفريقيا.
وكانت شركة السكر والصناعات التكاملية قد أعلنت في يناير الماضي، عن استعدادها لتوقيع بروتوكول تعاون مع مشروع مستقبل مصر للانتاج الزراعي، لاستصلاح وزراعة من 100 لـ120 ألف فدان قصب مقسمة على محافظات أسوان، الاقصر، قنا، سوهاج، اسيوط، المنيا.
كما دشنت وزير الزراعة ومحافظة أسوان ورئيس هيئة تنمية الصعيد محطة لإنتاج شتلات قصب السكر بتكلفة 300 مليون جنيه كبديل عن زراعته بالعُقل، وهي المحطة الأولى من نوعها في مصر والشرق الأوسط وإفريقيا لإنتاج شتلات قصب السكر.
واستهدفت المحطة استخدام أفضل أساليب الري الحديث من أجل زيادة الإنتاجية وتخفيض تكاليف الإنتاج مما يحقق مردود اقتصادي إيجابي للمزارعين ورفع مستوى معيشتهم في إطار المبادرة الرئاسية “حياة كريمة”.
البنجر والقصب.. هل يوجد فرق؟
وقالت عبدالناصر إن استهلاك فدان قصب السكر من المياه فى محافظات الصعيد وتحديدًا في المنيا وسوهاج وقنا والأقصر وأسوان، بصفتها المحافظات الاكثر حرارة ورطوبة في مصر، يتراوح ما بين 10 آلاف إلى 12 ألف متر مكعب فى السنة، وهي تقريبًا نفس كمية المياه التي يحتاجها فدان بنجر السكر الذي لا يُزرع في مصر إلا بمحافظات الدلتا بصفتها المحافظات الأقل حرارة، إلا أن أوراق نباتات بنجر السكر وهي أوراق عريضة الحجم، تفقد كميات كبيرة من المياه بالبخر مع كل ارتفاع بدرجات الحرارة.
وشددت على أن زراعة بنجر السكر في محافظات الصعيد ستستهلك كميات من المياه تعادل ما يستهلكه قصب السكر ولكن سيقل المحصول كثيرا عن القصب.
