أحيانا ما توصف آلام النساء بـ”الدلع” بخلاف التحكم في جسدها من ذكور العائلة، عند الشكوى من صحتها ولا تؤخذ بجدية مثل حليمة جارتي. عانت حليمة -سيدة لطيفة من بدو سيناء- آلاما مبرحة بالأسنان لقرابة العامين. لم يتحرك لزوجها ساكن ليأخذها لطبيب الأسنان في قريتنا التي لم يكن فيها سوى أطباء –ذكور. جعلته ذكوريته وتحكمه كرجل شرقي يرفض بشدة حتى لا يضطر طبيب -ذكر- للكشف عليها.
ظلت حليمة تعاني آلاما شديدة نتيجة تسوس أكثر من ضرس، الأمر الذي عرضها لمضاعفات خطيرة. على الرغم من أنها ضاعفت جرعة مُسكنات الألم. بقيت هكذا، حتى ظهرت أول طبيبة أسنان في القرية وحينها وافق زوجها على ذهابها للكشف العلاج.
طبيبة واحدة وأطباء ذكور كُثر
حالة حليمة التي انتظرت طبيبة امرأة بفارغ الصبر، لتنهي أوجاعها، هي نفسها لدى الآلاف والملايين من النساء حول العالم. لكن؛ التحكم والسلطة التي لا يزال يمارسها الذكور في العائلة تفاقم هذه الأوجاع. كما أن النساء تمثل 67% من العاملات في مجال الرعاية الطبية بينما يمثل الرجال 75% من الرواد في نفس المجال.
لذلك تغيب النساء عن التوعية بصحتها، وتصبح أكثر عرضة للإصابة بأمراض خطيرة ليس لأسباب بيولوجية فقط وإنما لأسباب اجتماعية أخرى. فتفرض العادات والتقاليد في بعض المجتمعات وصاية على أجساد النساء، وتمنعهن أحيانا من توقيع الكشف الطبي عليهن أو العلاج.
ومن الأمراض التي يمكن أن تتعرض لها النساء بكثرة مثل: العدوى المنقولة بممارسة الجنس كالتهاب المسالك البولية والفطريات وحتى الإيدز. كذلك الإصابة بأمراض المناعة الذاتية والتصلب المتعدد والسكري من النوع الأول.
أما هَنا شهاب (اسم مستعار) وكانت رفيقتي في الجامعة قبل عشر سنوات، فلها قصة أخرى، بنفس المعاناة رغم أنها تقيم في القاهرة لأسرة قاهرية.
عانت هنا مما تعاني منه بعض النساء اللاتي يتعرضن لفرض الذكور سلطتهم على أجسادهن بزعم الخوف من تعرضهم لانتهاكات جسدية من رجال آخرين.
عندما علم والدها بذهابها لطبيب الباطنة للكشف عليها، وبخها بحجة إنه كان من الممكن أن تتعرض للتحرش أو الاغتصاب من قبل الطبيب. على الرغم من ذهابها برفقة إحدى زميلاتها بعد تحملها آلاما شديدة في المعدة على مدار أسبوعين.
اقرأ أيضا: “الستات نكدية”.. عن الصحة النفسية للنساء
هل تحتاج المرأة رعاية طبية خاصة؟
ونظرا للاهتمام الضعيف والحاجة المتزايدة للاهتمام بصحة المرأة، تم اعتبار مايو هو شهر التوعية بصحة المرأة. يتزامن ذلك مع عيد الأم الذي تم تحديده فى ثانى يوم أحد من الشهر نفسه كل عام.
وترى بعض المنظمات والهيئات المعنية بالصحة، في هذا الشهر فرصة جيدة لنشر الاهتمام بالصحة النفسية والجسدية للمرأة. غالبا ما تصطدم التوعية بصحة المرأة، بعادات مجتمعية ترى أن أهم دورًا صحيًا مرتبطًا بالمرأة، هو دورها الإنجابي. اللافت أن هذا الدور يخضع أيضا للوصاية. فلا سبيل لتوافر وسائل منع حمل آمنة أو وجود نظام مريح لإجراء كشوفات دورية بمقابل زهيد.
لا توجد إحصائيات رسمية محلية في مصر، توثق الحالة الصحية للنساء بدقة. لكن؛ وفقا لتقرير صادر عن صندوق الأمم المتحدة للسكان، في 2021، لم تستطع 12 مليون امرأة الحصول على وسائل منع حمل مما أدى إلى 1.4 مليون حمل غير مخطط له.
حالات الحمل غير المخطط لها تسوء مع الوقت بسبب التغيرات المناخية، التي تشكل عائقًا آخر فى الحصول على احتياجات العيش الأساسية. ففي تقرير حديث لصندوق الأمم المتحدة للسكان، صدر عام 2022، هناك 50% من حالات الحمل حول العالم غير مخطط لها و60% منهم تنتهي بالإجهاض و45% من هذه الحالات تكون غير آمنة.
قبل عامين عانت مريم من أورام في الرحم وكان استئصاله هو الحل الأمثل لحالتها. ولكن؛ تطلب ذلك موافقة كتابية من الزوج الذي تعنت فى الموافقة. مما أدى إلى سوء حالتها الصحية. تلك القصة تحولت إلى قضية رأي عام. وانتشرت هاشتاجات داعمة مثل “#جسدها_ملكها” و”#جسد_مريم_ملكها” لدعمها، خاصة أن هناك قضية خُلع كانت منظورة بحق زوجها آنذاك.
في المجتمعات الريفية تكون الأولوية فى التغذية السليمة للرجال في أغلب الأوقات، ظناً بأن الرجل هو قوة عاملة مُنفقة على الأسرة. ذلك التمييز يؤدي إلى تدهور صحة نساء وفتيات الأسرة وانتشار معدلات السمنة وسوء التغذية بين النساء فيها.
أجساد النساء حقل تجارب العلماء
هناك مشوار طويل للطب والبحث العلمي دفعت النساء ثمنه قديما من أعمارهن، ونتج عن اعتقادات غير مُثبتة أن أجساد النساء والرجال متشابهة. وماتت الكثيرات بأمراض مختلفة بسبب سوء التشخيص و/أو العلاج.
وفقا لموقع “نيتشر” ففي منتصف القرن التاسع عشر خضعت 12 امرأة أمريكية من أصل إفريقي لأكثر من 30 عملية جراحية على يد جيمس ماريون سيمز، الملقب بأبو طب النساء الحديث.
وعلى الرغم من أنه أسس لقواعد حديثة مكّنت طب النساء من علاج العديد من الأمراض؛ لكن كان له أفكار غير أخلاقية، فهو لم يطلب موافقة النساء المشاركات في تجاربه الطبية، ولم يعرفن أنهن يخضعن لتجارب.
في ذلك الوقت كان التخدير أثناء العمليات الجراحية متاحاً. ولكن، سيمز كان يعتقد أن ذوي الأصول الإفريقية لا يشعرون بالألم. كما أن سيمز لم يكن على دراية بكيفية استخدام التخدير.
تلك الممارسات غير الأخلاقية لا يزال بعض الأطباء يمارسونها حتى اليوم مع النساء، معتقدين أن بعض شكواهن الصحية هي نتيجة لمشكلة نفسية أو عاطفية، لذلك لا يتعاملون -بجدية- مع آلام الدورة الشهرية مثلا، معتبرين أن الأمر “شوية دلع“.
اقرأ أيضا: سمراوات القارة يدافعن عنها.. تعرف على ناشطات المناخ الأفريقيات وعملهن المُلهم
بسبب صراخي من الألم وصفوني بالمتدلعة
تروي مها أحمد (اسم مستعار لمتعايشة مع مرض السكري من النوع الأول) أنها في أحد الأيام شعرت بآلام شديدة. بعد نقلها إلى المستشفى اتضح أنها كانت تعاني من أملاح بالكلى. وعند المتابعة ظهر السكري فى تحليل البول بنسبة مرتفعة تجاوز بها 400.
وقالت مها “كنت أعاني من السمنة؛ ولكن في هذه الأيام -تحديداً- نقص وزني أكثر من 30 كيلو بشكل مفاجئ وكنت أشعر بالإعياء طوال الوقت”.
كانت في الـ 25 عاما وقتها وهو النطاق العمري للسكري من النوع الأول. ولكن؛ لامها الأطباء على وزنها الزائد وارتفاع سكر الدم، رغم أنه عادة ما يتطور السكري من النوع الأول عند الأطفال أو الشباب.
عانت مها من ارتفاعات وانخفاضات متكررة لسكر الدم على مدار عام، حتى استقر عند الارتفاع لشهور، مع خسارة نصف وزنها تقريبا. وتصف نفسها في تلك الفترة قائلة “كنت أشبه مومياء متجولة. أشكر الرحمن أنني لم أفقد بصري أو إحدى كليتيّ نتيجة هذا الارتفاع”.
بعد أشهر من ذلك اليوم، تم تشخيصها نهائيا بالسكري من النوع الأول. خلال رحلة علاج طويلة بين أطباء من مصر وخارجها، لم تلتق فيها سوى طبيب وطبيبة كانوا على دراية بالدعم النفسي وعلى مستوى عالٍ من التفهم.
تعيش مها حاليا على نمط علاج مدى الحياة بالأنسولين؛ مع شعور دائم بالقلق. لكن؛ لا تنسى تلك الليلة حينما احتجزت -لأول مرة- في مستشفى، وتم توصيل شرايينها بالمحاليل. وقتها، لم تتعامل أي ممرضة -بجدية- مع خوفها من الألم، وتابعت “ظللت أصرخ وما كان منهن سوى وصفي بالمتدلعة“.



التعليقات