بعد تخرجها في كلية التربية بجامعة الإسكندرية، عملت فاطمة الزهراء محروس، معلمة بإحدى المدارس الخاصة، ولأنها متفوقة دراسيًا، قررت استكمال الدراسات العليا، آملة أن يتم تعيينها بالجامعة، لكنها صُدمت بالتكاليف المالية الباهظة، التي دفعتها إلى تخصيص أغلب مواردها المالية لسدادها.
يتكلف اجتياز تمهيدي الماجستير في مصر نحو 18 ألف جنيه مصري في العام 2019، بينما تبلغ كلفة تسجيل خطة الرسالة في مركز البحوث قرابة 7 آلاف جنيه.
على مدار سنوات التحاقها بالدراسات العليا وصولًا إلى الدكتوراه، تكبدت "فاطمة" ما يقترب من 50 ألف جنيه؛ لأن “في تحضير الدكتوراه.. النفس بفلوس"، كما تقول.
ادفع لتنل الدرجة.. الحياة الأكاديمية في مصر
"10 سنين علشان آخد الدكتوراه وفي الآخر ما فيش تقدير من الدولة، والمصاريف بقت خزعبلية، أظن الهدف هو تقليل حملة الماجستير والدكتوراه"؛ تقول فاطمة، مؤكدة أنها بعد دراستها لنظم التعليم حول العالم، وحصولها على الدكتوراه في التقييمات الدولية من كلية التربية، لم تجن سوى زيادة قدرها 45 جنيهًا على راتبها الذي تتقاضاه من المدرسة، وتبددت آمالها في التعيين.
تعتمد جامعة الإسكندرية نظام الدراسة وفق الساعات المعتمدة في برامج الدراسات العليا، ويبلغ سعر الساعة المعتمدة بالنسبة إلى الدبلوم، الماجستير، الدكتوراه 300 جنيه مصري، ويصل عدد ساعات الماجستير في جامعة الإسكندرية 32 ساعة، والدكتوراه 42 ساعة، ويتراوح الدبلوم بين 24 و30 ساعة.
كما تبلغ التكلفة الخاصة برسم ملف الدراسات العليا 300 جنيه مصري، والرسوم الخاصة بالدراسة السنوية 1000 جنيه، بينما تبلغ رسوم التأمين الصحي لكل فصل دراسي 200 جنيه، وتبلغ رسوم عقد الامتحان بالنسبة للطالب 1000 جنيه، والرسوم الإدارية السنوية 1000 جنيه، والرسوم السنوية لتحسين الخدمة التعليمية 1000 جنيه للدبلوم، و2000 جنيه للماجستير، و4000 جنيه للدكتوراه.

البيروقراطية المكلفة
إضافة إلى ارتفاع مصروفات الدراسات العليا، اصطدم أحمد عادل ببيروقراطية الإجراءات، حين نقل ملفه من شؤون الطلبة إلى قسم الدراسات العليا؛ للتقدم بأوراق تسجيله في الماجيستير بكلية الآثار في جامعة القاهرة عام 2021، واضطر لتسديد رسوم نظير كل خطوة يتخذها.
دفع "أحمد" في استخلاص أصل شهادة التخرج من الكلية 200 جنيه، ونقلها لنفس الجهة التي أصدرتها من الطابق الأول للثاني، وسحب ورق تقديم اسم الموضوع المقترح للرسالة من موظف لآخر في نفس الغرفة نظير سداد 265 جنيهًا.
"مطلوب مني ألف وأدور وأدفع لكل واحد يقول لي صباح الخير عشان أنقل ورقي من شئون الطلاب لشئون الدراسات العليا اللي فوقها بدور واحد، بدفع عشان أخد ورق باليمين من شخص أسلمه لواحد تاني بالشمال من غير ما رجلي تتحرك خطوة، الموظف مش ممكن هيديني الورق قبل ما أدفع كل قرش عليا للكلية"؛ يقول أحمد، الذي سدد أيضًا مصروفات السنة الدراسية البالغة حينها 2300 جنيه، إضافة إلى المبلغ الرئيسي للتقدم لسمنار الموافقة على اسم الموضوع أو رفضه ويبلغ أكثر من 6000 جنيه.
الحياة الأكاديمية في بئر "قفزات الأسعار"
لا توجد لوائح منظمة لأسعار الجامعات الحكومية في مصر، لذا شهدت مصروفات الدراسات العليا قفزة كبيرة خلال الفترة من 2016 إلى 2023.
على سبيل المثال: زادت مصروفات الدراسات العليا والمواد التمهيدية التكميلية، بجامعة الإسكندرية في عام 2018 لأكثر من ثلاثة أضعاف:
- زادت المصروفات الإدارية لتمهيدي الدكتوراه لتبلغ 3 آلاف جنيه.
- مصروفات الساعات المعتمدة للمواد التمهيدية ارتفعت من 70 إلى 300 جنيه للساعة الواحدة (يحتاج الطالب إلى 22 ساعة معتمدة).

في العام 2019، قررت جامعة القاهرة زيادة المصروفات الدراسية لرسائل الماجستير والدكتوراه، لتبلغ 5000 جنيه للماجستير، إضافة إلى مصروفات عند تشكيل لجنة الفحص والمناقشة قدرها 1500 جنيه.
ووصلت مصروفات الدكتوراه إلى 6000 جنيه، فضلًا عن 2000 جنيه مصروفات فحص ومناقشة.
وأعلن قطاع الدراسات العليا والبحوث في جامعة طنطا زيادة المصروفات الإدارية:
- وصلت إلى 1000 جنيه بدلًا من 400 جنيه لطلاب الدبلوم.
- بلغت 2000 جنيه لطلاب الماجستير بدلًا من 600 جنيه.
- ارتفعت إلى 2000 جنيه لطلاب الدكتوراه بدلًا من 1200 جنيه.
كما أعلنت جامعة أسيوط عن زيادة قدرها 25% في الرسوم المقررة على الدراسات العليا، على بند دعم صندوق البحوث، بناءً على قرار مجلس الجامعة الصادر في 24/1/2017 اعتبارًا من العام الجامعي 2017/ 2018 على الكليات التي لا تطبق نظام الساعات المعتمدة؛ حيث ارتفعت رسوم الكليات العملية لتبلغ 2270 جنيهًا للماجستير و3207 جنيهات للدكتوراه، والنظرية لتبلغ 1520 جنيهًا للماجستير و1895 جنيهًا للدكتوراه.
كما قفزت أسعار الدراسات العليا بعدد من كليات جامعة حلوان بنحو 300%، وارتفعت قيمة مصروفات الدبلومة من 1300 إلى 4800 جنيه، في حين صعدت مصروفات الدراسات العليا بجامعة أسيوط بنحو 400%، وازدادت رسوم الدبلومة من 2800 لتقارب الـ4000 جنيهًا.
زيادات الأسعار تلك أدت إلى حالة غضب وارتباك بين طلاب الدراسات العليا، ودفعت بعضهم إلى تنظيم وقفات احتجاجية، وبددت أحلام البعض في الحصول على الدرجات العلمية، وهو ما دفع النائب البرلماني محمد فؤاد، بالتقدم بطلب إحاطة، في أغسطس 2018، بشأن ارتفاع مصروفات الالتحاق بالدراسات العليا بالجامعات، لكن ذلك لم يسفر عن خفض المصرفات، بل استمرت قفزات أسعارها بالجامعات الحكومية.
هبوط أعداد الحاصلين على الدكتوراه
وفقًا لتقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، الصادر في ديسمبر 2023، بلغ إجمالي عدد الطلاب المسجلين بدرجتي الماجستير والدكتوراه 210.5 ألف، منهم 46.3 % للدبلوم، 38.9% للماجستير، 14.8% للدكتوراه، بالمقارنة مع 249 ألف طالب سجلوا بالدراسات العليا بالجامعات المصرية في 2016، منهم 61.8% للدبلوم، و28.9% للماجسـتير، و9.3% للدكتوراه.

بينما تراجعت أعداد الحاصلين على درجة الدكتوراه من الجامعات المصرية والأجنبية، من 95 ألفًا و218 في عام 2014 إلى 9 آلاف و63 حاصل على الدكتوراه، عام 2021، بنسبة انخفاض 90.5%، حيث تراجعت في العام 2017 إلى 82 ألفًا و477 حاصل على الدكتوراه، بدلًا من 128 ألفًا و689 في 2016، ثم انخفضت بشكل كبير في عام 2021، وفقًا لبيانات المركزي للتعبئة والإحصاء.
وكانت أعداد الحاصلين على درجة الماجستير قد تناقصت عام 2017 إلى 17935 باحثًا، بدلًا من 20185 باحثًا في عام 2016، و21488 باحثًا في عام 2015، بحسب التعبئة العامة والإحصاء.
"فكر تاني" تحدث إلى عدد من طلاب الدراسات العليا وحاملي الماجستير والدكتوراه، والذين أبدوا استياءهم من ارتفاع الرسوم والمصروفات الدراسية وأسعار الكتب، غير المصحوبة بتحسن جودة التعليم، وبيروقراطية بعض الإجراءات بجانب إلزام بعض التخصصات كالتربية بأخذ دبلومتين عامة وخاصة قبل البدء في تمهيدي الماجستير، أو الدراسة لعامين بكلية الآداب.
كذلك، اشتكوا عدم توفر التعيينات لحاملي الماجستير والدكتوراه، في القطاع العام، وعدم الاعتراف بالشهادة التي حصلوا عليها، في بعض دول العالم. وكلها أسباب دفعت بعضهم لعدم استكمال الدكتوراه أو الشعور باليأس والندم على ما اعتبروه إهدارًا للوقت والجهد والمال دون جدوى، في حين فضّل العديد من الخريجين/ الخريجات الذين تحدثنا معهم، الحصول على دورات تدريبية وكورسات بدلًا من الدراسات العليا، لزيادة فرصهم في سوق العمل وتوفير سنوات الدراسة الطويلة، بجانب عدم توفر موارد مالية كافية بالنسبة إليهم.
الحكومة مسؤولة عن مشاكل الحياة الأكاديمية

تُحمل هالة أبو السعد، عضو مجلس النواب وكيل لجنة المشروعات المتوسطة والصغيرة، الحكومة مسؤولية تراجع أعداد الحاصلين على شهادة الدكتوراه، والذي أظهره تقرير الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، لكونها لا تعمل على تحفيز الدارسين للحصول على الدرجات العلمية، ولا تضع أولوية تعيين الحاصلين على الماجيستير والدكتوراه في وظائف حكومية، إضافة إلى زيادة مصروفات الدراسات العليا الذي يتزامن مع الأزمة الاقتصادية وارتفاع معدلات التضخم، مما يجعل الدرجات العلمية الإضافية تتراجع أولويتها لدى الكثيرين لوجود أوجه إنفاق أخرى أكثر أهمية بالنسبة إليهم.
وتوضح "أبو السعد"، في حديثها لـ"فكر تاني"، أن رد الحكومة على الإحاطة التي تقدمت بها قبل عامين، حول أزمة عدم تعيين أوائل خريجي الجامعات المصرية حملة الماجستير والدكتوراه، وطلب المناقشة الجماعية الذي تقدمت به ووقع عليه 42 نائبًا، جاء متزرعًا بمعايير واشتراطات للتعيين في القطاع العام، وفق امتحان ينفذه الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، وأن حاملي الماجيستير والدكتوراه ليسوا استثناءً، حيث رفضت الحكومة مقترح برلماني بتخصيص "كوتة" لحملة الماجيستير والدكتوراه في الوظائف الحكومية.

واستنكرت "أبو السعد" تطبيق اشتراطات اللياقة البدنية على هذه الفئة وإلزامهم باجتياز دورة تدريبية مدتها 6 أشهر في الكلية الحربية للتعيين في أي وظيفة عامة داخل مؤسسات الدولة، وفقًا لتعليمات مجلس الوزراء في نهاية أبريل الماضي.

وطبقا لقانون الخدمة المدنية رقم 81 لسنة 2016، يكون التعيين في الوظائف عن طريق امتحان ينفذه الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة من خلال لجنة للاختيار، ويشرف عليه الوزير المختص، على أن يكون التعيين بحسب الأسبقية الواردة في الترتيب النهائي لنتيجة الامتحان، وعند التساوي يقدم الأعلى في مرتبة الحصول على المؤهل المطلوب لشغل الوظيفة، فالدرجة الأعلى في ذات المرتبة، فالأعلى مؤهلا، فالأقدم في التخرج، فالأكبر سنًا.
أعدادهم تفوق احتياجات السوق
ويرجع د. محمد حلمي الغر، مستشار وزير التعليم العالي أمين عام المجلس الأعلى للجامعات الخاصة والأهلية، السبب الرئيسي لأزمة حملة الماجستير والدكتوراه إلى أن حاملي الدراسات العليا تقدموا للحصول على هذه الدرجات العلمية لرغبتهم الشخصية وسعيهم للحصول على ترقيات ومعدلات أجور أعلى في وظائفهم، وليس بناءً على احتياجات سوق العمل الذي يطلب درجات علمية أدنى للقيام بالأعمال الروتينية، لا سيما من خريجي الكليات النظرية، وبالتالي أصبحت أعدادهم تفوق احتياجات سوق العمل.

وينصح الخريجين بالحصول على الدرجات العلمية المهنية التي تؤهلهم لسوق العمل بدلًا من الدراسات العليا التي يفترض بها ترقية أعضاء هيئة التدريس بالجامعات، مستثنيًا في ذلك الكليات العملية وخاصة كلية الطب؛ حيث يكون الماجستير هو درجة التخصص الطبي، وفي هذه الحالة يضطر الطالب لتحمل التكلفة الكبيرة للماجستير الطب على نفقته الخاصة لأنها سبيله إلى ممارسة المهنة، لأن وزارة الصحة لا تنفق على الدراسات العليا لخريجي كليات الطب.
ويفسر "الغر" الارتفاع الكبير الذي شهدته مصروفات الدراسات العليا خلال السنوات الأخيرة بأن الدولة رفعت يدها عن الدعم المادي للدرجات العلمية؛ فأصبح العبء واقعًا على الجامعات والتي تعاني انخفاضًا في مواردها المالية من العملية التعليمية يؤثر على إنفاقها على الدراسات العليا، وبالتالي، باتت مضطرة لرفع رسومها للإنفاق على متطلبات العملية التعليمية وأجور هيئة التدريس.
الحق في مجانية التعليم
ويقول الدكتور كمال مغيث، الخبير والباحث بالمركز القومي للبحوث التربوية رئيس مجلس أمناء المركز المصري للحق في التعليم، إن الدولة استغنت عن تطوير سوق العمل الصناعي والزراعي والخدمي، للحاصلين على الماجستير والدكتوراه، واستبدلته بالإنفاق على البنية التحتية والطرق؛ فأصبح السوق مكتظًا بهم، مما أدى إلى عزوف الكثيرين عن الدراسات العليا، وهذا فضلًا عن ظاهرة تزوير الشهادات الجامعية التي أضرت بسمعة الجامعات المصرية بالخارج، وجعلت شهاداتها غير معترف بها لدى بعض دول العالم.

ويشير "مغيث"، في حديثه لـ"فكر تاني"، إلى ما نص عليه الدستور من مجانية التعليم في المؤسسات الحكومية، مستنكرًا فرض رسوم ومصروفات دراسية على طلاب الدراسات العليا تصل أحيانًا إلى عشرات الآلاف من الجنيهات، موضحًا أنه كان يسدد رسوم قدرها 6 جنيهات في العام، حين كان يدرس الماجستير والدكتوراه بالجامعة، خلال الفترة من عام 1986 إلى 1990، معللًا الزيادات بشعور الدولة بأن التعليم أصبح عبئاً عليها، وهو ما اتضح في تصريحات وزير التعليم السابق، طارق شوقي، حين قال: "اللي ماعهوش ما يلزمهوش"، وتصريح الرئيس السيسي بأن "ما فيش حاجة ببلاش"، وهو ما أطلق العنان للجامعات لتفرض رسومًا إضافية تحت مسمى بدل تفرغ للأساتذة، وبدل حضور سمينار، بدل المناقشة، وأجر الساعات المعتمدة، فأصبح الطالب يسدد آلاف الجنيهات بدلًا من مئات، بالمخالفة للدستور.
ويؤكد الباحث بالمركز القومي للبحوث التربوية أن جودة التعليم المصري أصبحت في الحضيض، معتبرًا أن نقص أعداد الحاصلين على الدكتوراه إن استمر، سيمنع تجدد الحياة الأكاديمية في مصر، وسيكون ذلك من أسباب تخلف المجتمع.
