مصر وإسرائيل.. علاقات توترت في رفح لكنها لن تصل لإلغاء “كامب ديفيد”

طوال ما يقرب من 45 عامًا منذ اتفاق السلام التاريخي، تحولت العلاقة بين إسرائيل ومصر إلى شراكة أساسية، وهي علاقة وثيقة، وإن لم تكن دافئة أبدًا، إلا أن هذه العلاقة باتت مهددة الآن بالتراجع عن كل ما تم في السنوات الماضية -رسميًا وليس شعبيًا- بفعل الهجوم الإسرائيلي على رفح، وفق “وول ستريت جورنال.

وتدرس مصر، مركز القوة العسكرية والسياسية والثقافية العربية، الآن خفض مستوى علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل، كما يقول مسؤولون مصريون. كما أعلنت القاهرة في الأيام الأخيرة أنها ستنضم إلى قضية جنوب إفريقيا التي تتهم إسرائيل بالإبادة الجماعية. ورفضت كذلك إعادة فتح حدودها مع غزة، بعد أن استولت القوات الإسرائيلية على الجانب الفلسطيني من المعبر.

مصر وإسرائيل.. القاهرة في علاقة انعدام الثقة

وتنقل الصحيفة عن النائب الأسبق محمد أنور عصمت السادات، إن النزاع الحالي هو أسوأ أزمة ثنائية بين البلدين منذ نكسة يونيو وحرب أكتوبر 1973.

ويقول السادات، وفق الصحيفة، إن “هناك الآن انعدام للثقة، وهناك الآن نوع من الشكوك من كلا الجانبين في الواقع.”

ويرى مسؤولون مصريون أن المواجهة الحالية بدأت عندما أعطت إسرائيل مصر إشعارًا قبل ساعات فقط من إطلاق العملية العسكرية الأسبوع الماضي التي سيطر فيها الجيش الإسرائيلي على الجانب الغزي من معبر رفح الحدودي مع مصر.

وجاءت الرسالة المفاجئة، التي نقلت بشكل غير متوقع إلى مسؤولي المخابرات المصرية في 6 مايو، بعد أشهر من المفاوضات الدقيقة بين مسؤولي الجيش والمخابرات الإسرائيليين والمصريين حول الهجوم الذي هدد به منذ فترة طويلة على رفح، حيث يحتمي أكثر من مليون ونصف المليون فلسطيني.

وكانت إسرائيل قد أطلعت مصر في وقت سابق على خططها لمعبر رفح، مؤكدة للقاهرة أن نقطة العبور، وهي نقطة دخول رئيسية للمساعدات الإنسانية إلى القطاع المحاصر، لن تتأثر وأن الفلسطينيين هناك سيمنحون مهلة أسابيع لإخلاء المنطقة بأمان.

“لم يتحقق أي من هذه التأكيدات، حيث أعطتنا إسرائيل إشعارًا قصيرًا جدًا بدخول المعبر”؛ تنقل الصحيفة عن مسؤول مصري تصفه بأنه مطلع على الأحداث.

هل تتضرر الشراكة الأمنية بين إسرائيل ومصر؟

وبعد خوض سلسلة من الحروب، طورت إسرائيل ومصر شراكة أمنية مهمة منذ عام 1979. وقد عمل جيشا البلدين معًا بشكل وثيق، لا سيما خلال العقد الماضي في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، حيث تبادلا المعلومات الاستخباراتية للمساعدة في هزيمة متطرفي تنظيم الدولة “داعش” في منطقة شمال سيناء في مصر.

الحدود المصرية الإسرائيلية
الحدود المصرية الإسرائيلية

ولا يزال البلدان يتعاونان في تبادل المعلومات الاستخباراتية والقضايا الأمنية. وتعتمد مصر على مليارات الدولارات من المساعدات العسكرية الأمريكية التي تعتمد على معاهدة السلام.

لكن عملية رفح زادت من الضغط على العلاقة المتوترة للغاية، خاصة وأن مصر وسيط رئيسي في المحادثات غير المباشرة بين إسرائيل وحماس بشأن اتفاق يهدف إلى تحرير رهائن إسرائيليين تحتجزهم حماس وفرض وقف لإطلاق النار في غزة.

“إنهم لا يحبون أن يفاجأوا، ويعبرون عن وجهة نظرهم بصوت عال وبوسائل أخرى”؛ قال العميد الإسرائيلي المتقاعد عساف أوريون، الذي أشرف سابقًا على الاتصال العسكري الإسرائيلي مع مصر.

خطوة واشنطن تزيد الضغط على القاهرة

وتضيف الانقسامات بين مصر وإسرائيل إلى التحديات التي تواجه إدارة بايدن، التي كافحت للمساعدة في التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، وقررت الأسبوع الماضي إيقاف تسليم بعض القنابل التي استخدمت في الحرب في غزة إلى إسرائيل للضغط عليها للتراجع عن الهجوم على رفح. وقد أشادت الولايات المتحدة، التي توسطت في معاهدة عام 1979 بين البلدين، بدور مصر كوسيط في الصراع.

إلا أن الخطوة الأمريكية تزيد الضغط على القاهرة، المطالبة بموقف أكثر قوة لصالح غزة ضد إسرائيل.

اقرأ أيضًا: السادات في حوار خاص: مصر كلها “خسرانة” من استمرار الأوضاع الحالية.. و حمائم النظام الأقرب للرئيس

واحتجت مصر على غزو إسرائيل لرفح للولايات المتحدة ودول أوروبية، قائلة إن العملية تعرض معاهدة السلام للخطر. وفي علامة أخرى على تأثر العلاقات، قالت وزارة الخارجية المصرية يوم الأحد إنها ستنضم إلى قضية جنوب إفريقيا، التي تتهم إسرائيل بالإبادة الجماعية في محكمة العدل الدولية. وترفض إسرائيل بشدة هذه الاتهامات.

وتقول إسرائيل إن العملية الحالية في رفح ليست بعد غزوًا بريًا كاملًا للمدينة، على الرغم من أن الهجوم قد أدى بالفعل إلى نزوح ما يقرب من 360,000 فلسطيني، وفقًا للأمم المتحدة.

كما ترفض مصر التعاون مع إسرائيل لتشغيل معبر رفح، الذي كان حتى الأسبوع الماضي آخر نقطة دخول متبقية إلى القطاع الذي لم يكن تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة. كان المعبر واحدًا من نقاط دخول قليلة جدًا للمساعدات الإنسانية إلى القطاع، والمخرج الوحيد لعدد ضئيل من سكان غزة الذين ستسمح لهم مصر وإسرائيل بمغادرة القطاع.

مصر لن تصل إلى إلغاء معاهدة “كامب ديفيد”

ويقول مسؤولون مصريون إنهم يفكرون في خفض مستوى العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل من خلال سحب سفير البلاد في تل أبيب.

وقال مسؤول مصري آخر، وفق “وول ستريت جورنال”: “في الوقت الحالي، لا توجد خطط لتعليق العلاقات أو التخلص من كامب ديفيد”، في إشارة إلى اتفاقات كامب ديفيد التي أدت إلى معاهدة السلام عام 1979. لكن ما دامت القوات الإسرائيلية باقية على معبر رفح، فإن مصر لن ترسل شاحنة واحدة إلى رفح”.

السادات (يمين) وكارتر (وسط) وبيجن
السادات (يمين) وكارتر (وسط) وبيجن

وزادت الحرب في غزة من الضغوط الاقتصادية والسياسية على مصر، أكبر دولة في الشرق الأوسط من حيث عدد السكان.

وأثار الهجوم، الذي أجبر معظم سكان القطاع البالغ عددهم 2.2 مليون نسمة على الفرار من منازلهم، مخاوف في القاهرة من نزوح جماعي للفلسطينيين إلى مصر.

“المخاطر بالنسبة لمصر عالية حقا”، قال يزيد صايغ، وهو زميل بارز في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت. وأعتقد أنهم مستاؤون للغاية من أن الإسرائيليين لا يهتمون على الإطلاق بالمصالح أو المشورة المصرية”.

كما ضغطت الأزمة في الشرق الأوسط الأوسع التي أثارتها الحرب على الاقتصاد المصري الذي كان يكافح بالفعل في عهد السيسي.

إدخال المساعدات ووقف الحرب في غزة أولوية مصرية

وقال السيسي في فبراير إن الهجمات التي شنها المتمردون الحوثيون في اليمن على السفن في البحر الأحمر أجبرت السفن على تحويل مسارها حول القرن الأفريقي مما خفض تقريبا رسوم العبور المصرية من قناة السويس وهي مصدر مهم للعملة الأجنبية إلى النصف.

كما أدى استيلاء إسرائيل على معبر رفح إلى تفاقم مصر من خلال إزالة إحدى نقاط نفوذ البلاد على حماس ووسيلة رئيسية لإظهار تضامنها مع الفلسطينيين، كما يقول المراقبون من كلا الجانبين.

وقال مسؤول إسرائيلي إن تقديم المساعدات للفلسطينيين وتحقيق هدنة لا يزالان من أولويات مصر.

وقال مسؤول إسرائيلي: “لا يوجد اتفاق، وإسرائيل تعرّض (تدفقات المساعدات) للخطر، وهذا يضعها في موقف صعب حقًا”. وأضاف وفق ما تنقله الصحيفة: “حقيقة أن المساعدات لم تأت، إنها سيئة بالنسبة لهم، لكنها سيئة للغاية بالنسبة لنا”، مشيرًا إلى أن محكمة العدل الدولية مطالبة إسرائيل بإدخال المساعدات إلى غزة.

ولأن كلا من مصر وإسرائيل لديهما مصلحة في الحفاظ على معاهدة السلام بينهما، فإن الإجراءات الدبلوماسية مثل الانضمام إلى قضية جنوب إفريقيا ضد إسرائيل، كما يقول المحللون، هي وسيلة للضغط على كل من إسرائيل والولايات المتحدة، دون قطع العلاقات بالكامل.

وتذكر “وول ستريت جورنال” أنه بدون تفاهم بين البلدين حول كيفية تطور الحرب، ستستمر العلاقات في التدهور، كما يؤكد أوفير وينتر، الخبير في العلاقات الإسرائيلية المصرية في معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب.

“إسرائيل بحاجة إلى مصر كوسيط في صفقة تبادل الرهائن، وستحتاج إليها لاستقرار الوضع في غزة في أي سيناريو مستقبلي بعد الحرب”؛ يضيف “وينتر”.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة