أسئلة السلطة وإجابة الديمقراطيين

 

المبدأ الأهم الذي غاب - ولا يزال - عن دعاة الثورة والتغيير والديمقراطية في بلادنا هو مبدأ وحدة السلطة، الذي لا يجب أن تكون في دولة مركزية سلطوية مثل مصر لتشعر بأهميته، بل يكفي أن تنظر لتاريخ أى دولة لتعلم أنه السؤال المركزي في أى حراك سياسي أو أى تراكم لثروات وجهود أى مجتمع يسعى للتقدم والنمو.

لسنوات طويلة ظل ذلك السؤال – سؤال "من يملك السلطة؟" – سؤالًا سئ السمعة، فكان يكفي لمسئولي البروباجاندا الحكومية أن يتهموا أى معارض أو سياسي بأنه "يطمع في السلطة" حتى يبدو الأمر وكأنه اتهام جنائي مخل بالشرف، بينما الحقيقة التي لا تزال غائبة عن أدبيات مجتمعنا السياسي هو أن امتلاك السلطة هو أهم وأقوى الطرق للتغيير إن لم يكن الطريق الوحيد لذلك، فبدون الحصول على السلطة لا يملك أى سياسي أو مصلح أن ينفذ أو حتى يختبر أفكاره ومبادئه على أرض الواقع ولا يمكن لأى تيار أن يتحول من إنتاج الكلام والشعارات الفخمة لإنتاج القادة والرموز القادرين على إدارة الأمور وتصحيح المسارات.

وبالطبع فإن منع الناس من مجرد التفكير في تداول السلطة يعد أحد أهم أحلام المستبدين والمتسلطين على مر العصور، ولكن النجاح فيه بشكل كامل لا يؤدي إلا إلى موت السياسة والذي يؤدي بدوره إلى نهاية قدرة المجتمع على الاستمرار والبقاء ما يؤدي بالضرورة لانهيار قدرة المستبد على الحكم مع انهيار أركان المجتمع وهروب عناصره المنتجة وأهمهم الشباب. فعندما يفقد الشباب القدرة على الحلم بمستقبل أفضل في بلاده تصبح الهجرة هى الحلم، فإما هجرة إلى بلاد أخرى فيها فرص أفضل للمعيشة، أو هجرة إلى الانعزال في عالم خيالي من التصورات المشوشة والأفكار المبتورة التي تستهلك حياة الأفراد في قصص وهمية دون أن يخرج منها ما يفيد المجتمع.

اقرأ أيضًا:ملامح مرجوة للفترة الرئاسية الثالثة

لن أعيد ما قلته في مقالات كثيرة سابقة – وقاله غيري في أكثر من موضع - عن خطورة تحصن الفاسدين بالسلطة وخطورة استحالة محاسبتهم على جرائمهم على المجتمع كله، ولكن ألفت انتباه القارئ إلى أنه لا يمكن لأى قوة سياسية أن تحقق أى من أهدافها الإصلاحية دون أن تستحوذ على السلطة وأن القوى الديمقراطية، لو كانت موجودة حقا، فلا عذر لها في عدم السعي الجاد والدؤوب من أجل أن تصل للسلطة.

وبالطبع يسبق الوصول للسلطة السياسية جهد سنين من التنظيم والدعاية والنضال من أجل الوصول لما يمكن تسميته ب"السلطة الأخلاقية" حيث تكون كلمات ووعود الديمقراطيين أكثر مصداقية ونفعا من كلمات ووعود المتشبسين بكراسي الحكم، ولكن بدون رؤية عملية نفعية تضع في حسبانها تركيبة المجتمع المحلي والإقليمي واتجاهات السياسة الدولية الصاعدة والمتراجعة لا يمكن صياغة رؤية للسياسة الخارجية التي يجب أن تكون عصب رئيسي في كيان العقل السياسي المدبر للحراك الديمقراطي لتستغل كل فرصة وكل حدث في دعم مساعيها في تعظيم فرص المجتمع في الإصلاح والتطور.

يجب على الديمقراطيين تكوين تصور متكامل ومتفق عليه بين معظمهم عن دور الدولة الخارجي في حالة وصولهم للسلطة، ويجب أن يتسق ذلك التصور مع رؤية أشمل لمصالح المجتمع قبل وأثناء وبعد عملية التحول الديمقراطي. فعلى سبيل المثال يمكن القبول بأن تظل معظم اتجاهات السياسة الخارجية كما هي أثناء فترة التحول لتمرير مرحلة التحول بأقل قدر من المقاومة الخارجية مع تبني إصلاحات تدريجية في آليات عمل مؤسسات الدولة التي تتعامل مع العالم الخارجي تضمن تطور أداءها نحو المزيد من الكفاءة والفاعلية مع تدرج استيعابها للتحول في السياسات الخارجية نفسها.

يجب طرح أسئلة تتناسب مع الأوضاع الحالية لوضع إجابات يمكن البناء عليها في المستقبل.

فعلى سبيل المثال، إذا كانت مسألة مياه النيل من المسائل التي لا يمكن بأى حال من الأحوال التقاعس عن التعامل معها، فيجب على الديمقراطيين التوافق على صياغة إعلان مبادئ خاص تحديدا بهذه القضية لتنطلق منه سياساتهم الخارجية عند وصولهم للسلطة، فمن ناحية يلعب ذلك الإعلان دور نواة التجمع الداخلي لتعميق اتفاق وتعاون الديمقراطيين مع بعضهم البعض وجمع أصحاب الضمير والعقل حولهم، ومن ناحية أخرى يمكن أن يلعب دور هام للغاية في تقريب وجهات النظر بين الديمقراطيين الذين يسعون للوصول للسلطة في المستقبل وأجهزة الدولة التي لا يمكن للديمقراطيين أن يصلوا للسلطة - وينجحوا في تحقيق نتائج إيجابية منها – دون مستوى عالٍ من التنسيق والتعاون معها، ومن ناحية ثالثة يصبح بمثابة إعلان للقوى الخارجية بوجود تيار ديمقراطي قادر على صياغة توجهات محددة في قضية بهذه الخطورة، مما يفتح الباب للمزيد من فرص التعاون والتفاوض معه.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة