هل راعت الحكومة "الأصول" في بيع الأصول؟

تستهدف وزارة المالية حصيلة إضافية من الطروحات (بيع الأصول) بنحو 1% من الناتج المحلي الإجمالي في مشروع الموازنة العامة للدولة للعام القادم 2024/ 2025 بدعوى المساهمة في خفض حجم الاقتراض الحكومي وتقليل نسبة مديونية أجهزة الموازنة العامة والحكومة حال مقارنتها بالناتج المحلي.

الشفافية في بيع الأصول

يبلغ الناتج المحلي الإجمالي بمشروع الموازنة الجديدة 17.1 تريليون جنيه، ما يعني أن الموازنة تستهدف التخارج من ملكيات تابعة لها بقيمة 17.1 مليار جنيه، وذلك ببيع حصص في شركات أو أصول وأراضي تابعة لها، لكن المستهدفات التي تسعى الحكومة لتحقيقها أبعد بكثير من هذا الرقم.

اقرأ أيضًا: أن تنزع مصر "رأس حكمتها" - ملف خاص

تعهدت الحكومة لصندوق النقد الدولي ببيع حصص في 4 شركات حكومية على الأقل خلال العام المالي الجديد، بقيمة إجمالية تصل إلى 3.6 مليار دولار (172.3 مليار جنيه)، بهدف تعزيز الاحتياطيات الدولية، وخفض الدين العام.

صفقة رأس الحكمة
صفقة رأس الحكمة

وسبق أن أعلنت الحكومة عن خطة لجمع ما يزيد عن 2 مليار دولار (95.8 مليار جنيه) من بيع حصص في شركات حكومية قبل نهاية العام المالي الحالي (يونيو 2024)، وقال وزير المالية محمد معيط إن الحكومة تستهدف جمع 5 مليارات دولار (239.4 مليار جنيه) من برنامج الطروحات الحكومية قبل ديسمبر 2024.

وبحسب البيان المالي للمشروع الموازنة الجدبلة، فإنها تستهدف تعظيم العائد من أصول الدولة عبر تبني سياسات اقتصادية سليمة؛ مثل المضي في تطبيق سياسة ملكية الدولة، واستمرار التعامل مع التشابكات المالية بين جهات الدولة بشكل يضمن تحقيق تحسين تدريجي في الأوضاع المالية لأجهزة الدولة، وكذا تحسين الخدمات المقدمة وتوسع في المشاركة بين القطاعين العام والخاص في المجالات الاستثمارية وإدارة أصول الدولة.

82% من الطروحات للإمارات والسعودية

تستهدف الحكومة، وفق بياناتها، تعزيز الملكية الشعبية، لكن مركز حلول للسياسات البديلة التابعة للجامعة الأمريكية، يقول في دراسة حديثة، إن 82% من صفقات برنامج الطروحات الحكومية عام 2022 و2023 كانت من نصيب الإمارات والسعودية؛ وكانت نسبة الاستفادة المحلية منها 18% فقط.

اقرأ أيضًا: قراءة جديدة في “رأس الحكمة” وما بعدها من رؤوس

وخلال الفترة من مارس 2022 وحتى يوليو 2023، حصلت شركة أبو ظبي القابضة على حصص مملوكة للحكومة في 5 شركات مدرجة بالبورصة، بإجمالي 2 مليار دولار، إلى جانب 3 شركات أخرى بـ 800 مليون دولار.

وحصل صندوق الاستثمارات السعودي على حصص بـ 4 شركات بقيمة 1.3 مليار دولار، بينما حصلت مجموعة طلعت مصطفى على حصص بـ 7 فنادق تاريخية بـ 700 مليون دولار، قبل أن يتم بيع 40.5 من حصص تلك الشركة لـ"أبو ظبي القابضة" ومجموعة "أدنيك" الإمارتين في يناير 2023.

خلال الأشهر التسعة الماضية، رُصدت زيارات لشخصيات رفيعة المستوى من السعودية وقطر، وكذلك الإمارات، في أماكن متفرقة على نهر النيل وعلى سواحل البحرين الأبيض المتوسط والبحر الأحمر، وبدعم من عائدات النفط والغاز الوفيرة، راحت الوفود تستكشف ما يمكن وصفه بصفقات القرن، بحسب "الشرق بلومبرج".

بيع الأصول له أصول

الدكتور أحمد جلال وزير المالية السابق
الدكتور أحمد جلال وزير المالية السابق

يقول الدكتور أحمد جلال، وزير المالية السابق، إن "بيع الأصول له أصول" وبرنامج الطروحات يجب ألا يُنظر إليه كصفقة تجارية لتحقيق أعلى إيرادات ممكنة، وليس صفقة تنموية تراعي مصالح الأطراف ذات الصلة، وأن يكون التقييم لمدة لا تقل عن عشرين عامًا، تمامًا كما يحدث عند اتخاذ أي قرار استثماري.

اقرأ أيضًا: لماذا “تشتري” دول الخليج الساحل المصري؟

ويطالب "جلال" بالتأكد من أن السوق التي ستعمل فيها الشركة محل البيع تنافسية (أي وجود منافس لها)، أو أن يتم إنشاء جهاز مستقل لتسعير المنتجات حال خصخصة شركات تعمل بسوق احتكارية بطبيعتها مثل الكهرباء، وأن تتم الخصخصة بشفافية كاملة، وبشكل يضمن حصول الدولة على أعلى سعر.

وبحسب جلال، فإن هناك شركات وهيئات وكيانات تملكها الدولة لا يجب بيعها لأنها تتماس مع البُعد الأمني، أو لأنه يمثل تراثًا ثقافيًّا قوميًّا لا يجب التفريط فيه، مثل القصور الأثرية القديمة، التي كانت مقار للوزارات بالقاهرة، في ظل قيمتها التاريخية التي يصعب تقييمها أو تعويضها، ومثيلها بالخارج يتم استخدامه لتقديم عروض فنية وموسيقية أو لمجرد الزيارة.

الاستثمار وبيع الأصول

وتقول الدكتورة عالية المهدي، خبيرة الاقتصاد، إن الاستثمار بوصفه ليس بيعًا للأصول، ولكن إضافة إلى الأصول؛ ومن هذا التعريف لا يجب أن يُطلق على بيع أرض رأس الحكمة أنه استثمار، بل هو بيع أرض أو أصل، ولكن إن بدأت الشركة في بناء فنادق وقرى سياحية ومحلات لأنشطة مختلفة، حينها يمكن التحدث عن استثمارات.

اقرأ أيضًا: رائد سلامة في حوار خاص: مصر بحاجة للتخلص من السلفية الاقتصادية والسوق السياسي في حاجة إلى تأسيس جديد

ويؤكد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس الحكومة، أن صفقة "رأس الحكمة" لا تمثل بيعًا للأصول، وإنما شراكة تحصل مصر بمقتضاها على جزء من المبلغ في البداية، فضلًا عن مشاركة المطور طوال مدة المشروع بنسبة من الأرباح، وهذا من أعظم الطرق لتعظيم الاستفادة من أصول الدولة.

ويقول مدبولي، في بيان صحفي مارس الماضي، إن استثمار الأصول الموجودة في أي دولة هو أمر مهم للغاية، ويحدث في كل دول العالم، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، حيث يُقاس نجاح أي دولة بقدرتها على اجتذاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، معتبرًا أن رأس الحكمة ترجمة حقيقية لتنفيذ ما جاء في وثيقة سياسة ملكية الدولة.

رأس جميلة
رأس جميلة

وتخطط مجموعة "عجلان وإخوانه القابضة" السعودية لضخ استثمارات أولية بقيمة 1.5 مليار دولار لإقامة مشروعات سياحية بمنطقة "رأس جميلة" المطلة على ساحل البحر الأحمر في مصر، بينما علق المتحدث باسم وزارة قطاع الأعمال منصور عبد الغني إن فتح الباب لتلقي عروضًا من المستثمرين لـ"رأس جميلة" سيتم بعد وضع خطة متكاملة لتحقيق الشكل الأمثل لهذا الاستثمار وفق ما تجريه حاليًا لجنة وزارية مشكلة بهذا الشأن.

تضيف "المهدي" أن بيع المصانع ليس استثمارًا، ولكن الإضافة لخطوط الإنتاج والمباني والمعدات هو الذي يمكن أن يطلق عليه استثمارًا، وتقول: "كلما أمر أمام فندق شبرد أو ميريديان جاردن سيتي أحس ‘إن فيه مؤامرة على تشويه فنادق في أجمل أماكن بالقاهرة، لابد أن يكون هناك قانون يمنع مالك أي أصل سياحي أو صناعي أو زراعي أو خدمي بمصر من عدم استغلال الأصل أو تجميده، وفي هذه الحالة يسمح للدولة بسحب الأصل منه".

ويمثل فندق "شيراتون الغردقة" مثالاً حيًا على فكرة تجميد الأصل، فبعدما اشترته شركة خليجية قبل 25 عامًا لا يزال المكان مغلقًا إلى الآن، رغم أنه أول فندق بُني على ساحل البحر الأحمر في المدينة، وسبق أن استقبل العديد من الرؤساء العرب الذين زاروها.

"شيراتون" أول فندق بُني على ساحل البحر الأحمر في الغردقة
"شيراتون" أول فندق بُني على ساحل البحر الأحمر في الغردقة

تخارج كلي من أنشطة اقتصادية

بحسب "مدبولي"، فإن الدولة المصرية تعتزم التخارج كليًا أو جزئيًا من العديد من القطاعات، وفقًا لوثيقة سياسة ملكية الدولة. وبناءً عليه، تم إتمام صفقات بقيمة 5.6 مليار دولار من خلال التخارج الكلي والجزئي من 14 شركة حتى ديسمبر 2023.

ووفقًا للوثيقة، تتخلص الحكومة تمامًا من جميع استثماراتها وملكياتها في حوالي 79 نشاطًا في القطاعات المختلفة، في مقدمتها الاستزراع السمكي والثروة الحيوانية وقطاع المجازر وقطاع التشييد وأنشطة إنتاج برامج التليفزيون والأفلام السينمائية، وتجارة التجزئة وصناعات السيارات والأجهزة الكهربائية والأثاث والجلود والأسمدة والزجاج.

في المقابل، تخفض الحكومة استثماراتها في 45 نشاطًا، مع الاتجاه لتخفيضها والسماح بمشاركة أكبر للقطاع الخاص، بصناعة الأسمنت والحديد والألومنيوم والألبان والسجائر والدخان ومحطات توليد الكهرباء وشبكات النقل والتوزيع ومحطات معالجة مياه الصرف، فيما تُبقي استثماراتها في 27 نشاطًا مع الاتجاه لزيادتها مستقبلًا، ويتعلق أغلبها بأنشطة البنية التحتية والقطاعات ذات الأبعاد الاستراتيجية والاجتماعية، منها التعليم والصحة، مع السماح أيضًا بمشاركة القطاع الخاص.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة