تطرقنا في المقال السابق للنسق القانوني لمفهوم مبدأ افتراض البراءة، والإقرار بأن هذا المبدأ حق لكل إنسان، ويرتبط ارتباطا وثيقا بشخصه وهو كامن في أصله، كما علمنا أيضًا أن الاتهام الجنائي لا يزحزح أصل البراءة في أي إنسان ولا ينقص من شخصه أمام القانون.
إلا أن الحقيقة في الواقع غير ذلك، فالكلام القانوني النظري عن أصل البراءة لا يشق له غبار ولكنه يظل كلامًا نظريًا قيد الكتب والأوراق الأكاديمية التي تتحدث عن الفلسفة القانونية الجنائية، عن ما يجب فعله في مجتمع صحي سوي، وما لا يجب فعله، لكن التطبيق دائمًا هو الذي يقع عائقا أمام النظريات الفلسفية.
الانطباع! والنظرة الأولى الفاحصة لرجال الأمن، والرغبة في حل القضايا العصية المتزايدة نتيجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية هي المصدر الأساسي لتوجيه الاتهامات الجنائية هذه الأيام، بالطبع هناك من هذه القضايا ما يقدم للمحاكمة مع كافة الأدلة الدامغة الموجبة لعقاب من ألقي عليه الاتهام، ولكن ماذا عن الأغلبية؟، وهل يؤمن المجتمع والدولة في فرصة ثانية لهؤلاء الذين وجهت لهم الاتهامات وظلوا قيد الحبس الاحتياطي وأخلى سبيلهم دون أية محاكمات، وهل يؤمنون أيضًا بفرصة ثانية لهؤلاء الذين أدينوا أمام القضاء لأول مرة لتجنب العود لنفس السلوك مرة أخرى؟ أم أن الوصم الاجتماعي، والتنمر، والقوالب المعدة سابقا، والصورة القابعة هناك في ذهن المجتمع المصري، هي ما تحدد أصل البراءة في الإنسان من عدمه!
الوصم - أو نظرية رد الفعل الاجتماعي في الكتب الأكاديمية – تخضع إلى تعريف الجماعة – أي المجتمع – لماهية القواعد التي يجب أن يلتزم بها الفرد التابع لها، فما إن خرج هذا الشخص من جعبة الجماعة وأتى أي فعل مخالف لأعرافها وتقاليدها فيصبح تاريخه موصوم بها حتى تلقى روحه بارئها، فيكون رد فعل المجتمع على ما أتاه هذا الفرد من أفعال هو المحدد لذلك الوصم وليس الفعل ذاته.
النظرة الدونية التي تجرد الفرد من مكانته الاجتماعية، وتحدد مدى قبول المجتمع له، تتم عبر نسب الأخطاء والآثام لهذا الفرد وتُترجم تلقائيا إلى أن هذا الفرد يتسم ب"الانحطاط الأخلاقي"، والصفات البغيضة، وجلب العار فيلفظه المجتمع دون إعطاءه أية فرصة للنجاة من الدوامة مرة أخرى.
في إحدى القضايا التي قابلتها في حياتي العملية، اُتهم شاب في مقتبل العمر بالشروع في قتل شاب آخر، لا لأى شيء إلا لأنه كان يجلس على المقهى باستمرار مع المجموعة التي ارتكبت الجريمة بالفعل وهو نائم في بيته، يؤنب ضابط المباحث الذي حضر لإلقاء القبض على هذا الشاب مع مجموعة مسلحة من أفراد الأمن والد هذا الشاب المتهم لأنه يعيش في تلك المنطقة المعروفة سلفا بأنه يعيش فيها مجموعة من المتهمين السابقين في قضايا متنوعة "ما أنت بردو ساكن في منطقة لبش يا عم الحاج"، لم توجه النيابة لهذا الشاب أي اتهام وتم استبعاده من القضية، لكن ظلت تلك الواقعة ملتصقة به إلى يومنا هذا، في حين أنه لم يرتكب أي جرم على الإطلاق.
في قضية أخرى واجه دكتور جامعى مدة 4 سنوات في الحبس الاحتياطي لاتهامات معروفة ومقولبة ليس لها أية أدلة جازمة على الإطلاق، وفي حين تم إخلاء سبيله من النيابة العامة دون أية ضمانات، رفضت الجامعة التي يعمل بها تسليمه العمل بها، وظلت تسوف في منحه حقه القانوني حتى أنه اضطر إلى اللجوء للقضاء حتى يعود إلى العمل الذي لا يعرف غيره، وإلى المكانة العلمية والاجتماعية التي ضاعت منه بسبب اتهامه فقط وليس حتى إدانته أمام المحكمة.
لم يكن من حق ضابط المباحث أن يؤنب والد المتهم في الحالة الأولى، لأنه يعيش في منطقة مثل أية أخرى يعيش فيها مجموعة ممن سبق الحكم عليهم في قضايا متنوعة، لأنه ربما ولد وعاش فيها قبل وجودهم جميعًا وليس له ذنب في هذا، ولم يكن من حق الجامعة أن تمنع أستاذًا جامعيًا صاحب مكانة علمية مرموقة في أن يستمر في أداء عمله ورسالته ومباشرة طلابه، لأنه في المثالين تم تبرئة المتهمين من التهم التي نُسبت إليهما بعد تحقيق وتمحيص، إلا أن السبب الرئيسي في تلك الأفعال المستهجنة كان أصلها الوصم الاجتماعي.
في دراسة اجتماعية على عينة ممن سبق الحكم عليهم في قضايا متنوعة، أظهرت النتائج أن 85% من العينة التي تم بحثها يعود إلى الفعل الإجرامي بسبب ردة فعل المجتمع تجاههم، سواء كان ذلك بسبب تعامل أفراد الأسرة نفسها السلبي تجاههم أو نعتهم ببعض الصفات المستهجنة وعزلهم والابتعاد عنهم، والنظر إليهم باحتفار وازدراء من قبل المجتمع المحيط بهم في القرية أو البلدة أو استبعادهم من فرص العمل.
في ثمانينات القرن الماضي، كانت وزارة الشؤون الاجتماعية تقدم مشروع لتقديم فرص العمل لهؤلاء الذين تم الإفراج عنهم بعد أن قضوا عقوبتهم في السجون، وكانت تقدم لهم أكشاك لممارسة عمل البيع والشراء كفرصة أخرى لهم للابتعاد عن الأسباب التي أودت بهم إلى تجربة السجن، ولا أعرف ما الذي توفره الدولة الآن لمثل هؤلاء وكيف تقيهم شر أنفسهم ووصم المجتمع.
إن دور الدولة في رعاية المتهمين بعد خروجهم من قضاء العقوبة، وكذلك إعادة الاعتبار لمن يتم وصهم اجتماعيا لمجرد توجيه الاتهام لهم هو دور محوري، لا يجب أن تحيد عنه، عليها أن تهتم ببرامج الرعاية اللاحقة لتمكين هؤلاء الذين تعثروا مرة من الاندماج في المجتمع من خلال العودة الآمنة إليه، وكذلك فإنه من الضرورى كذلك زيادة نسبة مساهمة الإعلام في إزالة نتائج الوصم الاجتماعي من خلال البرامج التوعوية وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي من خلال المختصيين لمن أراد العيش بسلام.
