الحرائر.. ما أهانهن إلا لئيم

 

في الحكاية العاشرة والأخيرة، من ملحمة "الحرافيش" لأديبنا الراحل نجيب محفوظ، يسيطر الفتوة حسونة السبع على الحارة، بعد أفول مجد أسرة الناجي، وحين دارت الأيام دورةً، من دوراتها العنيفة الصاخبة.

كان السبع أشد الفتوات ميلًا إلى البطش والإيذاء، يستغل حتى أفقر الفقراء، لا يرحمهم من الإتاوات الجائرة، ينشر الرعب في الهواء، وله أتباع مستفيدون، لا يترددون عن سفك دم من يتجرأ حتى على الشكوى، وكان على شراسته وقوته وغلظته، ماكرًا حذرًا كالثعالب، حتى إنه اتخذ لنفسه دارًا في نهاية زقاق، لكي يتحصن بمنأى عن خصومه.

وكانت حليمة البركة أرملة ربيع سماحة الناجي، المنحدرة من أسرة بسيطة من الحرافيش، تجالد الحياة حتى تربي أبناءها الثلاثة آخر سلالة الناجي، الذين رحل أبوهم، وكبيرهم لم يتجاوز العاشرة من العمر، فإذا بها تبيع المخلل والمفتقة، وتواجه زبائنها بوجه مشرق، وإن لم تخلُ نفسها من أحلام عذبة بمستقبل مجهول، وآلام مكتومة.

ومضت الأيام حتى شب الأطفال الثلاثة، بعد أن ألحقتهم بالكُتَّاب، فعمل فائز عربجيًا، وضياء شيَّالًا، أما عاشور الذي سماه أبوه تيمنًا بجده الأول، الفتوة الذي نشر العدل، وبقي في ذاكرة الحارة رمزًا له، فعمل صبيًا لدى راعي أغنام، حتى حدث أن خرج فائز ذات صباح ولم يعد.

اقرأ أيضًا:مطالبات واسعة بالإفراج عن جميع المحتجزين بوقفة “الأمم المتحدة”

ثم وقعت حادثة تعدُّ بمقاييس الحارة عادية مكررة، لا تثير غرابةً أو استهجانًا من قبل سكانها المغلوبين على أمرهم، المستكينين إلى القوة الباطشة، لكنها شكّلت التحول المحوري في الحبكة الدرامية لأحداث الحكاية.

كان حسونة السبع قد طلب إلى حليمة إحضار صفيحة مفتَّقة إلى بيته، فتأخرت المرأة التي كانت تجاوزت الخمسين، واستنزف عافيتها الشقاء، بعض وقت، إثر وعكة صحية ألمّت بها، ولما تماثلت للشفاء فذهبت من فورها إليه بما طلب، لعنها بعنف وصفعها صفعة هائلة على وجهها.

خرجت حليمة من بيت السبع دامية القلب باكية العينيين، تجر قدمي الذل والبؤس، غير أنها أسرّت الأمر في نفسها، ولم تخبر به أبناءها مخافة أن تفور دماء الغضب في عروقهم، فيواجهوا الطاغية المتعطش للدماء، لكن بهاء سمع بما وقع، إذ كان في "البوظة" فهرع إلى عاشور يروي له، ما مسَّ أمه من ضُرٍّ مهين، فإذا به يغوص في الحزن حتى قمة هامته، واستقر شعوره بالإهانة في زاوية ما من أعماقه، وفق تعبير محفوظ.

على أن عاشور الذي كان ينمو كشجرة التوت، متين البنيان مديد القامة غليظ الملامح، لم يبادر إلى الثأر لأمه، مستعينًا بفطنته على كبح النيران التي تتأجج تحت رماد صدره، إذ كان يدرك يقينًا أن الفتوة الغشوم، وأتباعه الأشداء لن يترددوا عن تحطيم رأسه بالنبابيت العمياء.

وفيما كان عاشور يتلظى غضبًا، فيخرج إلى الخلاء ليلًا يتفكر في شأن أسلافه، وكيف تقلبت الأيام بهم من الثراء إلى الفقر، ومن النهوض بأمور الفتوة إلى الاسترقاق، عاد إلى الحارة، فائز وقد حاز ثروة طائلة، فابتاع مسكنًا فاخرًا ووكالة للفحم، وابتاع فيما ابتاع حسونة السبع، في دلالة رمزية رشيقة، للتحالف الحرام بين رأس المال والسلطة.

لكن رغد العيش وطيب المقام لم يستقر لآل الناجي طويلًا، إذ انتحر فائز، وكشفت التحقيقات عن أنه أثرى من تجارة المخدرات، وغيرها من الأعمال غير المشروعة، ولأن ما تبنيه الرياح تهدمه الزوابع، فقد خسر ما جمعه من حرام على طاولة القمار، وكان البيت والوكالة مما خسر، فإذا بحسونة السبع ينقض على حليمة وابنيها تنكيلًا، فيأمر بطردهم بعد أن انتزع المالكون الجدد بيتهم، فخرجوا تلاحقهم لعنات الحرافيش، ليقيموا في مقبرة على تخوم الحارة.

وعلى الرغم مما حلَّ به من نكبات، لم ينس عاشور إهانة صفع حليمة، إذ كانت تتراءى له في أحلامه مشاهد الثأر، ويحاور جده الأكبر الذي طالما اعتبرته الحارة الرجل الصالح العادل، الذي حاز القوتين الجسدية والروحية، وكانت تلك الحوارات ذات مسحة صوفية، على دأب محفوظ، الذي لا تخلو أعماله من إشارات رمزية عن الرجل الطاهر المنذور والمسلح بقوة خفية، الذي سيعود ليقيم العدل، أو بالأحرى الذي ينتظر العوام عودته لإقامة العدل، لكنه في ملحمة الحرافيش، كما في حكايات حارتنا أيضًا، يعبّر عن رفضٍ راسخ للفكرة الهائمة في الوجدان الشعبي، أو التراث الديني، وما يتصل منه بالمهدي المنتظر والإمام الغائب، أو المخلص وحتى "الماشيخ" في اليهودية، لصالح حتمية أن يبادر الناس، إلى مواجهة الظالم بالقوة، لانتزاع حقوقهم من بين أنيابه.

هذه الحقيقة جسدها حوار ضياء حين قال لعاشور تعليقًا على صفع السبع أمه: "لولا أننا صرنا حرافيش لما تعرّضت أمُّنا للإهانة"، فرد عليه: "ستدرك الإهانة دائمًا من يقبلها"، فمن يهن يسهل الهوان عليه، كما يقول المتنبي في إيجاز شعري بالغ الدقة.

بعبارة أخرى، كانت ضربة البداية لخلاص الحارة من الفتوة الفظ غليظ القلب، أن عاشورًا رفض ازدراد الإهانة، ورغم جميع الإحباطات والظروف الموضوعية التي كانت تتحالف ضده، استطاع أن يجمع الحرافيش على هدف واحد: "إني رأيتكم في المنام ترفعون النبابيت"، فإذا بخوفهم رويدًا رويدًا، يتبدد إذ اكتشفوا قوتهم الكامنة، أو وجدوا فيهم من يبعث تلك القوة، وحين حانت لحظة المواجهة، كانت نبابيت أولئك البسطاء المقهورين، الذين عاشوا عقودًا مؤمنين باتقاء شر الطاغية، والسير جنب "الحيط" إيثارًا للسلامة، تُحطِّم عظام أتباع الفتوة، حتى انتزعوا كرامتهم انتزاعًا.

اقرأ أيضًا:ملامح مرجوة للفترة الرئاسية الثالثة

في الحرافيش إذن تتجلى فلسفة نجيب محفوظ الثورية، وتتهاوى الآراء النقدية الهشة بأنه آثر النأي بنفسه عن مخاطر مواجهة السلطة، وأغلب الظن أن طباعتها عام 1977 إذ كان نظام السادات، قد توحش في التنكيل بمعارضيه، بعد انتفاضة الخبز في يناير من العام ذاته، ليست صدفة غير مخطط لها، والمؤكد من قبل ومن بعد أن اختياره حادثة صفع حليمة البركة، كمنعطفٍ درامي تتغير إثره مسيرة تاريخ الحارة، لم يكن صدفة كذلك، فما أهانهن إلا لئيم، وحُرمة المرأة في الوجدان الجمعي المصري، فوق أي اعتبار، بما في ذلك اعتبارات صون النفس، وإذا ما تعرضت للإهانة فإن الجنون لا محالة سينفجر هادرًا، في لحظة ما.

والظاهر أن هذه الرسالة المضمرة، التي لم تتبدَ جليةً في سطور محفوظ، ولم يفصح عنها مباشرة، قد استرعت انتباه عصام الجمبلاطي كاتب سيناريو فيلم "التوت والنبوت" المأخوذ عن الحكاية، فإذا بمشهد المواجهة بين عاشور الناجي والسبع، يبدأ بأن صفعه وسط مجلسه ورجاله، ثم نظر إليه بعينين يتطاير منهما شرر الغضب، وحميم الرغبة في الثأر لكرامة المرأة، وهو يرفع في وجهه نبوته، حتى صرعه أمام الجمع، ومن حوله الحرافيش يهتفون: اسم الله عليه.. اسم الله عليه.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة