"ارجعوا بلدكم".. كيف نمت بذرة الكراهية في مصر؟

ترتبط الثقافة المصرية -رغم تنوعها- بالمعتقد المتوارث، والذي يشكل جزءًا أساسيًا من الوعي الجمعي لدى المصريين؛ فالسائد والشائع بينهم لديه سلطة في حكمهم على الأشياء والأشخاص، والصور النمطية المتناقلة عبر أجيالهم، تؤثر بشكل كبير على خطابهم العام، وهو -في صورة منه- ما أثرى خطاب الكراهية المتنامي حاليًا بينهم ضد اللاجئين، بينما غذته معلومات وأفكار مغلوطة تمت إشاعته إعلاميًا بين المواطنين.

كيف بدأت الخرافة؟

الخرافة في تعريفها البسيط هي الاعتقاد أو الفكرة القائمة على مجرد تخيلات دون وجود سبب عقلي أو منطقي مبني على العلم والمعرفة، وقد تكون معتقدًا لا عقلانيًا أو ممارسة لا عقلانية. وترتبط الخرافات ارتباطًا وثيقًا بفلكلور الشعوب، إذ عادة ما تمثل إرثًا تاريخيًا تتناقله الأجيال، قد تكون دينية، وقد تكون ثقافية أو اجتماعية، وقد تكون شخصية.

(السودانيين كسالى- الفلسطينيين باعوا أرضهم وبيوتهم- الشوام بياعين كلام "لسانهم حلو"- اللبنانيين شعب "طري" - السوريين جايين ياخدوا رزقنا - السوريين جايين يسرقوا رجالنا - العراقيين شعب عصبي أو دموي… إلخ).

اقرأ أيضًا: ضد اللاجئين.. متى بدأ خطاب الكراهية في “بلد الغريب”؟

هذه العبارات وغيرها الكثير يمثل أعلى صور التنميط الواضح والمتداول بين أفراد شعب كامل، وهو شبيه بما يحدث على مستوى أصغر في توصيف وتنميط أهالي المحافظات المتباينة لأفكارهم ومعتقداتهم، مثلما يحدث عندما يصف أهل محافظة ما بصفة من أهل محافظة أخرى، فيلتصق الوصف تنميطًا ويثبت مع مرور الزمن في الأذهان باعتباره حقيقة مصدقة.

التنميط والتمييز

يعرف التنميط في علم النفس بأنه الحكم الصادر اتساقًا وإعمالًا لفكرة مُسبقة، عن فئة معيّنة، حيث يلبس الفرد صفة العمومية على كل الأفراد الذين ينتمون لمجموعة ما بناءً على فكرة أو ذاكرة أو تجربة سابقة معيّنة. ويٌشير المصطلح هنا إلى المواصفات والسمات والخصائص والأدوار التي تُسند إلى الأشخاص وفقًا لتصنيف ما.

وقد تكون هذه القوالب النمطية سلبية أو إيجابية، لكنها تصبح ضارة عندما تفضي إلى الحدّ من الخيارات الحياتية للأشخاص الذين تم تنميطهم\نّ.

أما التمييز، فيُعرف على أنه التعرف على الصفات والاختلافات بين الأشخاص أو الأشياء، وجعل الخيارات بين الناس استنادًا إلى تلك الصفات الشخصية. ويقوم التمييز على أسس مثل لون البشرة أو الدين أو الفكر أو الجنس أو النوع الاجتماعي …الخ.

تنص الأمم المتحدة في إعلانها للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري التالي:

يٌمثل التمييز بين البشر بسبب العرق أو اللون أو الأصل الإثني إهانة للكرامة الإنسانية، ويجب أن يٌدان باعتباره إنكارًا لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وانتهاكًا لحقوق الإنسان وللحريات الأساسية المعلنة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وعقبة دون قيام علاقات ودية وسلمية بين الأمم، وواقعًا من شأنه تعكير السلم والأمن بين الشعوب.

تنتشر تلك التنميطات التي يرقى بعضها لمستوى الخرافة في صور مختلفة مباشرة وغير مباشرة، عبر وسائل الإعلام وصناعة السينما بين مسلسلات وأفلام من جهة، وعبر وسائل التواصل الاجتماعي من جهةٍ أخرى. ومع تزايد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، ازدادت سرعة انتشار تلك التنميطات والخرافات عن الشعوب، دون التحقق من مصداقيتها أو محاولة تفكيكها ومواجهتها، وهو ما سنحاول فعله مع بعضِ هذه التنميطات والخرافات خلال الفقرات الآتية.

ما هو خطاب الكراهية؟

يشير مصطلح "خطاب الكراهية" إلى الكلام المسيء الذي يستهدف مجموعة أو فردًا بناء على خصائص متأصلة (مثل العرق أو الدين أو النوع الاجتماعي) والتي قد تهدد السلم الاجتماعي.

يرجع تاريخ ظهور مصطلح خطاب الكراهية في الإعلام لأول مرة فى الولايات المتحدة عام 1989، ليشمل المشكلات التي تتعلق بالخطاب العنصري المؤذي الذي كان محصنًا بالقانون الأميركي، تحت بند حماية حرية التعبير.

لا يوجد تعريف شامل لخطاب الكراهية بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، لا يزال هذا المفهوم محل نزاع واسع، لا سيما فيما يتعلق بحرية الرأي والتعبير وعدم التمييز والمساواة.

تعرف الأمم المتحدة خطاب الكراهية بأنه "أي نوع من التواصل، الشفهي أو الكتابي أو السلوكي، الذي يهاجم أو يستخدم لغة ازدرائية أو تمييزية بالإشارة إلى شخص أو مجموعة على أساس الهوية، وبعبارة أخرى، على أساس الدين أو الانتماء الإثني أو الجنسية أو العرق أو اللون أو النسب أو النوع الاجتماعي أو أحد العوامل الأخرى المحددة للهوية".

وثمة تعريفات أخرى منها: أنه خطاب يحفز على التحيز والعداء ويستهدف شخصًا أو مجموعة من الأشخاص بسبب بعض خصائصهم الفطرية الفعلية أو المتصورة.

علاقة اللغة بنشر وترسيخ الكراهية

هنا نلقي الضوء على بعض أشكال التواصل الشفهي أو الكتابي، الذي يترتب عليه أكثر من نوع من السلوكيات العنيفة والتمييزية، قد يصل إلى حد التمييز والعنف المبني على أساس (الهوية- اللون- الدين- الانتماء الإثني أو الجنسي أو العرقي أو النسب أو النوع الاجتماعي أو أحد العوامل الأخرى المحددة للهوية). هذا النوع من خطابات الكراهية مبني على استخدام اللغة والعبارات، ليتضح مدى تأثير اللغة التي قد تتحول سريعًا إلى خطابات شعبوية يستخدمها المجتمع في تكوين وترسيخ أفكار حول فئة معينة، وجعل التواصل مع تلك الفئة بناءً على تلك الأفكار والمعتقدات.

من تلك العبارات شديدة الإنتشار (الشعب السوداني شعب كسول)، هذه العبارة التي أصبحت مٌعتقد راسخ في عقول أغلب المصريين حول الشعب السوداني، هي فكرة سلبية\ خرافة\ خطاب كراهية مبني على اللون\ والعرق\ والمنطقة الجغرافية. عبارة انتشرت بشكل شعبي بين الأفراد لتٌرسخ معتقدات سلبية حول أفراد آخرين وترتب عليها أشكال مختلفة من التمييز في التعامل مع الأشخاص ذوي  البشرة السمراء، كأن لا يتم توظيف الأشخاص ذوي  البشرة السمراء لأنهم\هنّ كسالى كما هو متعارف عليه، ويتم التمييز ضدهم\هنّ في الأجور بالطبع لأنهم\هنّ كسالى بالأضافة لكونهم لاجئين يراهم أصحاب الأعمال كعمالة رخيصة الأجر في المقام الأول. ليصبح المعتقد السائد عند الشعب المصري أن المواطنين\ات السودانين\ات أو أصحاب وصاحبات البشرة السمراء عموماً هم\هنّ أشخاص أقل مهنية، وأقل كفاءة بسبب كسلهم\هنّ.

اقرأ أيضًا: هل ينمو “خطاب الكراهية” ضد اللاجئين على مواقع التواصل الاجتماعي فقط؟

ربما تكون العبارة في ذاتها هي وصف لصفة ما قد يتسم  بها أي فرد في العالم، إلا أن تعميم الصفة حول عرق أو إثنية، واستخدام تلك الجملة والترسيخ لها بشكل مطلق، حوّل تلك العبارة ومثيلاتها إلى خطابات كراهية متجانسة، لما ترتب عليها من معتقدات وسلوكيات تمييزية.

كيف تتحول العبارة إلى فكرة ومعتقد وسلوك

(الفلسطينيين\ات باعوا أرضهم\نّ - السوريين جايين ياخدوا رزقنا\رجالتنا) ترددت تلك الجمل على مسامعي على مدار سنوات عديدة، وفي مناطق جغرافية مختلفة عشت بها، ومن أفراد من طبقات ثقافية واجتماعية متفاوتة ومتنوعة.

لم تكن تلك العبارات هنا مجرد أفكار سلبية، أو خطابات كراهية يتم نشرها لترسيخ أفكار نمطية معينة حول شعب كامل، ولكنها  في حالة الشعب الفلسطيني رسخت لأكاذيب وخرافات قاربت أن تمحي الحقيقة والواقع، وتُنهي حقوق شعب كامل في أرضه، جملة ترتب عليها العديد من أشكال العنف والانتهاكات ونزع الإنسانية، التي حدثت ومازالت تحدث حتى الآن بحق المواطنين\ات الفلسطينيين\ات في بلدهم\ن. كما أن تلك الخرافة رسخت لأنماط من السلوكيات التي يتم بها معاملة اللاجئين\ات الفلسطينيين\ات خارج أراضيهم\نّ.

أما ما يٌقال بحق الشعب السوري، كانت محاولات لإقصاء العديد من اللاجئين\ات وتهميشهم\هنّ وإبعادهم\هنّ عن المشهد الاقتصادي والاجتماعي المصري، وانتشرت مثل تلك الجمل والشائعات في شكل حملات كراهية على وسائل التواصل الاجتماعي بسرعة شديدة، إلا أنها اندثرت مع مرور الوقت في أذهان البعض، ومازالت موجودة بأذهان آخرين.

فكيف لا يٌمكننا اعتبار مثل تلك الجمل خطابات كراهية، حتى وإن  كانت خرافات تم نشرها والترويج لها على مدار سنوات، وهي بين التكذيب والتصديق طوال الوقت و لم يتم بذل جهدٍ كافٍ لدحضها، وهدم  القوالب النمطية والأشكال التمييزية المبنية عليها.

أثر تلك العبارات في التعامل مع اللاجئين/ات

تحليلي الشخصي  حول استخدام تلك الجمل والعبارات الذي ربما يكون صحيحًا أو لا، هو أن تلك الجمل تٌستخدم لإسكات الضمير الإنساني الذي يرى أن تلك القضية هي قضيتنا جميعاً وقضية كل إنسان.

واجب إنساني يتطلب الهروب منه أن نٌقنع أنفسنا ومن حولنا أنها مسؤولية أي شخص آخر غيرنا، لأن تعاطفنا مع الضحايا غير كافي، وشعورنا بالخزي والعار والذل كوننا لا نستطيع تقديم يد المساعدة مؤلم إلى حد الإنكار، لذلك نحاول دائماً إيجاد مبررات لضعف أنفسنا.

دور الإعلام ووسائل التواصل في النشر و المقاومة

تٌؤدي وسائل الإعلام بمختلف أشكالها دوراً كبيراً في تشكيل الوعي المجتمعي لدى قطاعات كبيرة من الأفراد من جهة، والمجتمعات من جهة أخرى، سواءً كانت تلك الرسائل التي تنشرها وسائل الإعلام  سلبية أو إيجابية، فالإعلام سلاح ذو حدين، إما أن يسهم في تعزيز وترسيخ القيم والمعتقدات الحقوقية، وإما أن يكون هادم لها.

ومن هذا المنطلق يقع على عاتق  الدولة ومؤسساتها المختصة دور كبير في التنظيم والفصل بين حرية الرأي والتعبير، وبين انتشار خطابات الكراهية ضد اللاجئين\ات، ومحاولة الحد من تلك الخطابات المٌسيئة والمٌحرضة على العنف والتمييز ضدهم\هنّ.

في دراسة تحليلية منشورة تحت عنوان "خطاب الكراهية والتحريض ضد اللاجئين في مصر على موقع تويتر"   استهدفت كشف وتحليل أبعاد خطاب الكراهية والتحريض ضد اللاجئين في مصر على موقع تويتر، والتعرف على القضايا المحورية التي هيمنت على تغريدات المستخدمين المحرضة على الكراهية ضد اللاجئين، ورصد مظاهر التحريض على كراهية اللاجئين بالإضافة إلى الأساليب الاقناعية المستخدمة في هذا الخطاب، من خلال تحليل مضمون تغريدات المستخدمين على موقع تويتر المدرجة في الوسوم "الهاشتاجات" المناهضة لاستقبال اللاجئين في مصر في الفترة من 15 ابريل وحتى 15 مايو 2023 ، وهي الفترة التي شهدت احتدام الصراعات السياسية في السودان ونزوح آلاف اللاجئين السودانيين إلى مصر.

وكان من أهم نتائج الدراسة أنه بلغ عدد التغريدات التي كان مصدرها حسابات تحمل أسماء حقيقية، والتي تحض على الكراهية ضد اللاجئين\ات على موقع تويتر 77.6%، في مقابل التغريدات التي كان مصدرها حسابات بأسماء مستعارة Nicknames بنسبة 22.4%. استند خطاب الكراهية ضد اللاجئين على موقع تويتر إلى العديد من الأساليب الاقناعية التي تمكنه من دفع القٌراء إلى تبني الاتجاهات والسلوكيات التي يطرحها هذا الخطاب، وقد تصدرت الاستمالات العاطفية بنسبة 69.2% بين إجمالي الاستمالات المستخدمة في التغريدات عينة الدراسة، في حين مثلت نسبة الاستمالات المنطقية المستخدمة 30.8%.

استراتيجيات مقترحة لمناهضة الخطابات

هناك العديد من الاستراتيجيات التي يٌمكن اتباعها وتنفيذها للقضاء على خطابات الكراهية المتفشية ضد اللاجئين\ات في مصر عمومًا، القائمة بالأساس على الشائعات والأكاذيب والخرافات التي يتم نشرها وترسيخها شعوبيًا وأحيانًا إعلاميًا. وذلك من خلال تفكيك تلك الأكاذيب ومعرفة أصولها غير الحقيقية، ومواجهتها بالحقائق والوقائع التاريخية المبنية على شهادات وروايات أصحابها.

كذلك، يٌمكننا العمل على نشر الوعي بتلك الحقائق من خلال حملات المناصرة والتوعية على وسائل التواصل الاجتماعي، ومن خلال وسائل الإعلام؛ للوصول لأكبر عدد ممكن من القاعدة الجماهيرية في مختلف المناطق الجغرافية.

كما أن استراتيجية رفع الوعي بأهمية اللغة وما تٌرسخه العبارات والكلمات من أفكار ومعتقدات من أهم الاستراتيجيات طويلة المدى، التي تٌنتج آثارها في تغيير السلوكيات بين الأفراد والجماعات، وتحولها من سلوكيات عنيفة وتمييزية إلى سلوكيات إيجابية ومراعية لحقوق الإنسان.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة