الإمارات تسعى لسيطرة قوية على معادن المستقبل في إفريقيا

تُعرف الإمارات بأنها مركز للتجارة المشروعة وغير المشروعة في الذهب والأحجار الكريمة بجميع أنحاء إفريقيا. إلا أن أهدافها الجديدة تبرز تطورًا في استغلالها المستمر للقارة التي تذخر بمعادن صناعات المستقبل، كما يحلل دنكان موني، المؤرخ والباحث الذي يعمل في صناعة التعدين، في تقرير جديد بموقع "World Politics Review".

"أعين الإمارات حاليًا على مناجم المعادن الأساسية التي يعتمد عليها التحول إلى مصادر الطاقة منخفضة الكربون"؛ يقول الباحث؛ فمع اقتصادها المعتمد على النفط ومع التحول العالمي بعيدًا عن الوقود الأحفوري، تحاول أبو ظبي تأمين مكانًا مركزيًا في اقتصاد الطاقة الجديد. وقد بدأت خطواتها تلك بشراء منجم كبير للنحاس في زامبيا، مع وجود منجم آخر في أنظارها حاليًا.

اقرأ أيضًا: كيف تضر الإمارات بالمصالح المصرية؟

يقول "موني" -الحاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة أكسفورد- إن تركيز الإمارات الرئيسي السابق في إفريقيا كان على البنية التحتية والخدمات اللوجستية؛ فعلى مدى العقدين الماضيين، سيطرت موانئ دبي العالمية المملوكة للدولة، وموانئ أبوظبي - المعروفة سابقًا باسم شركة موانئ أبوظبي - على شبكة من الموانئ في جميع أنحاء القارة. وهي الآن في مرحلة توسيع وتنويع استثماراتها.

إلا أن التحول إلى استثمارات التعدين كان سريعًا وفاجأ العديد من المراقبين.

وقد ركزت المناقشات حول قطاع التعدين في إفريقيا على مدى العقد الماضي بشكل حصري تقريبًا على المخاوف من الهيمنة الصينية على إنتاج المعادن الحيوية، ومؤخرًا، مصالح روسيا في الذهب في غرب القارة.

ومع ذلك، فإن الشركات الغنية من الإمارات ودول الخليج الأخرى في وضع يمكنها ببساطة من المزايدة على اللاعبين الأكثر رسوخًا في هذه الصناعة، كما حدث في زامبيا.

"روتشيلد" ومناجم "موباني"

أمضت حكومة زامبيا ثلاث سنوات في محاولة بيع مناجم "موباني" للنحاس المملوكة للدولة. وهي واحدة من أكبر المناجم في البلاد.

كانت الحكومة السابقة اشترت موباني في عام 2021 من شركة السلع السويسرية العملاقة "جلينكور". ولكن ثبت أنه يمثل صداعًا؛ لأن زامبيا مثقلة بالديون وتفتقر إلى الموارد الكافية لرفع مستوى العمليات وتحديثها.

بعد فترة وجيزة من الانتخابات في نفس العام، أشارت الحكومة الجديدة إلى أنها ستبيع المنجم. وتحقيقًا لهذه الغاية، استعانت ببنك "روتشيلد" الاستثماري، الذي لا تأتي خدماته بثمن بخس، للعثور على مشترين.

ضمت قائمة "روتشيلد" المختصرة في نهاية المطاف اثنين من المشترين المحتملين، ولم تكن مفاجأة: Zijin Mining، وهي شركة صينية تعد واحدة من أكبر منتجي النحاس في العالم، وStillwater Sibanye، وهي شركة جنوب إفريقية تتمتع بخبرة طويلة في تعدين المعادن.

الإمارات تقتنص "موباني" من الصين

توقع العديد من المراقبين استيلاء صيني على السلطة. ولكن بدلًا من ذلك، أعلنت حكومة زامبيا، في ديسمبر 2023، أن شركة الموارد العالمية القابضة ومقرها أبو ظبي أو IRH، اشترت حصة 51% في "موباني"، مقابل 1.1 مليار دولار.

تم إبرام الصفقة بسرعة بحلول فبراير 2024، وأنشأت "الموارد العالمية القابضة" شركة تابعة جديدة "دلتا للتعدين"، لتشغيل عملياتها الجديدة. لم تكن "الموارد العالمية القابضة" معروفة من قبل في الصناعة، وليس من الواضح أن "روتشيلد" كان على علم بأن الشركة كانت تقدم عطاءات لـ"موباني"؛ يقول "موني".

علاوة على ذلك، بعد أيام فقط من الانتهاء من صفقة "موباني"، أعلنت الشركة الإماراتية أنها كانت تقدم عطاءات للحصول على حصة أغلبية في منجم نحاس ثان، أيضًا في زامبيًا: منجم "لوبامبي".

والتطور في هذا الملف هو أن مالك "لوبامبي"، وهي شركة استثمار أسترالية، قد وافق بالفعل على بيعها لشركة تعدين صينية، لها مصالح تعدين قائمة في المنطقة. لكن يبدو أنه أعاد فتح عملية البيع عندما وعدت الشركة الإماراتية بالمزايدة على منافسيها الصينيين.

كيف تخطط الإمارات؟

السرعة التي حدث بها كل هذا لافتة للنظر، يقول الباحث "موني". إذ تأسست "الموارد العالمية القابضة" فقط كشركة تابعة لشركتها الأم - الشركة العالمية القابضة أو IHC - في عام 2022 وليس لها تاريخ في صناعة التعدين. وهو الوضع نفسه الذي كانت عليه الشركة العالمية القابضة، والتي لم تكن لها أي مشاركة سابقة في الصناعة أيضًا. وحتى عام 2008 كان اسمها الشركة الدولية للاستزراع السمكي.

يرأس هذه الشركة الأم الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، شقيق الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان. وقد ارتفعت قيمة الشركة على مدى السنوات الأربع الماضية، مما يجعلها واحدة من أكبر الشركات المدرجة في الشرق الأوسط بحلول أوائل عام 2023. وهذا يمنحها موارد هائلة لمتابعة أهدافها في صناعة التعدين.

في وقت سابق من هذا العام، أعلنت شركة الموارد العالمية القابضة أن لديها استراتيجية واضحة لتوسيع استثماراتها في التعدين، وأنها ستسعى إلى "الاستثمارات المستهدفة في معادن انتقال الطاقة المحورية الأخرى، مثل الكوبالت والنيكل والعناصر الأرضية النادرة والمنجنيز والجرافيت ومعادن 3T (القصدير والتنجستن والتنتالوم)".

ومن المتوقع أن يرتفع الطلب على هذه المعادن - وهي المواد الخام الحيوية لطاقة الرياح والطاقة الشمسية وبطاريات السيارات الكهربائية وشبكات شبكة الكهرباء الآخذة في التوسع - خلال العقود القادمة. وفي الوقت نفسه، من المتوقع أن يستقر إنتاج النفط، الذي يعتمد عليه اقتصاد الإمارات حاليًا.

الإمارات تتهيأ لصناعة كاملة

يقول الباحث "موني" إن اهتمام الإمارات الجديد بتعدين المعادن يشير إلى خطط طويلة الأجل للابتعاد عن إنتاج النفط، وتولي دور مركزي في اقتصاد الطاقة الجديد. وبالإضافة إلى وضع نفسها كمستثمر في تعدين المعادن الحرجة، فإنها تسعى أيضًا إلى ترسيخ نفسها كمركز لمعالجتها، الأمر الذي يتطلب تأمين إمدادات موثوقة.

ويضيف أنه ليس من قبيل المصادفة أن شخصيات رئيسية في شركة الموارد العالمية القابضة كانت ترأس سابقًا شركات تكرير الذهب الإماراتية، التي بنت شبكة واسعة من العلاقات مع منتجي الذهب في جميع أنحاء إفريقيا. وقد جعل ذلك الإمارات واحدة من أكبر أسواق التصدير لمنتجي الذهب الأفارقة، حيث شق ما يقرب من 34 مليار دولار من الذهب من جميع أنحاء القارة طريقه إلى البلاد في عام 2022.

وهناك خطط أخرى للبنية التحتية لمعالجة المعادن قيد التطوير. ففي عام 2021، على سبيل المثال، أعلنت الإمارات عن صفقة مع شركة أسترالية لبناء مصنع لمعالجة الليثيوم في أبو ظبي، وهو أول مصنع من نوعه في الشرق الأوسط.

ليست الإمارات وحدها.. لكنها تملك الطريق

دولة الإمارات ليست وحدها التي ترى قيمة في احتياطيات النحاس والكوبالت في إفريقيا. ويعد الاستحواذ المفاجئ على "موباني" جزءًا من المنافسة الدولية المكثفة للحصول على المعادن الحيوية في وسط إفريقيا.

اقرأ أيضًا: الإمارات وهوس الإمبراطورية البحرية

في فبراير، أعلنت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أنهما سيمولان خط سكة حديد جديد من مناجم في جمهورية الكونغو الديمقراطية وزامبيا إلى أنجولا. يجلب النحاس والكوبالت إلى ميناء أطلسي مع طرق تصدير أقصر إلى الأسواق في أوروبا وأمريكا الشمالية.

وردت الصين بالإعلان عن أنها ستمول تحديث خط سكة حديد تازارا من تلك المناجم نفسها إلى دار السلام في تنزانيا، ما يقلل الوقت والمسافة لتصدير المعادن التي تنتجها إلى الصين. وقد تم بناء سكة حديد تازارا في الأصل بمساعدة وتمويل صيني في سبعينيات القرن العشرين. ومع ذلك، فإن الميناء في نهاية سكة حديد تازارا مملوك الآن لشركة موانئ دبي العالمية الإماراتية.

دول أخرى في الشرق الأوسط لديها طموحات مماثلة في قطاع التعدين. استضافت المملكة العربية السعودية مؤتمرا كبيرا للتعدين في يناير ووقعت بعد ذلك صفقات استكشاف التعدين مع ثلاث دول أفريقية كجزء من استراتيجيتها المعلنة لتوسيع مساهمة التعدين في الاقتصاد الوطني بسرعة.

ومع ذلك، في حين أعربت دول الخليج الأخرى عن اهتمامها القوي باستثمارات التعدين، فإن الإمارات هي أول من يحصل فعليًا على المناجم، للأفضل والأسوأ. طموحاتها يمكن أن تهز القطاع في جميع أنحاء القارة. ولكن بالنظر إلى سجلها في أماكن أخرى من القارة، وخاصة في ليبيا والسودان، فإن ذلك قد يأتي مع أمتعة سياسية غير مرحب بها، كما يقول الباحث "موني".

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة