كيف تضر الإمارات بالمصالح المصرية؟

أثناء انعقاد القمة العالمية في دولة الإمارات العربية المتحدة 13 فبراير 2023، أشاد الرئيس عبد الفتاح السيسي بالدور الإماراتي في دعم النظام المصري. قال: "أنا أقول هذا للمصريين لتذكيرهم، وتذكير نفسي، وأذكر من يريد أن يتذكر. لأكون منصفًا وأمينًا الشيخ محمد بن زايد نَظّم دعم الأشقاء الذي كان يُقدم لمصر، ولولاه ولولا وقوف الأشقاء في الإمارات والسعودية والكويت، لم تكن مصر لتقف مرة ثانية".

ورغم أن هذا التصريح اعتراف صريح بدور الإمارات في دعم الدولة المصرية، إلا أن واقع الأمر يشير إلى تضارب في المصالح المصرية والإمارتية وفي أكثر من ملف.

الملف الاقتصادي:

تحصين الإمارات بالسوق المصري

سيطرة الإمارات على مفاصل الاقتصاد المصري أصبحت واضحة لكل متابعي الحالة المصرية، فالدولة الخليجية تتجه إلى القطاعات الأهم في الاقتصاد المصري؛ سواء الصحي أو البحري وغيره، بحصانة غير مفهومة من النظام المصري.

على سبيل المثال، وقعت مصر والإمارات في يناير 2017، اتفاقية بشأن التعاون المالي والفني، أقرها مجلس النواب في جلسة سريعة في يوليو من العام نفسه. شملت بنود هذه الاتفاقية استثناءات خاصة للإمارات، منها ما أوردته المادة 14 بمنع مصر من سن قوانين تؤثر على اتفاقية تشجيع وحماية الاستثمار المشترك.

وبالإضافة إلى ذلك، منعت المادة 15 من الاتفاق نفسه مصر من اللجوء للتحكيم حال خلافها مع الإمارات، حيث اقتصرت طرق حل المشكلات الاقتصادية بين الطرفين على التفاوض والتشاور. وبالتالي، فإن هناك حصانة للشركات الإماراتية ضد الملاحقة القضائية.

هيمنة الإمارات في الصحة

ونجد في المجال الصحي هيمنة من المستثمرين الإماراتيين على مدار الأعوام الأخيرة، حيث نجحت شركة أبراج كابيتال الاقتصادية الإماراتية في شراء 12 مستشفى خاصًا، أبرزها مستشفى "القاهرة التخصصي" و"بدراوي" و"القاهرة" و"كليوباترا" و"النيل" إلى جانب معامل التحاليل الأشهر "المختبر" و"البرج" وتأسيس شركة جديدة تضم المعملين، وإتمامها صفقة شراء شركة آمون للأدوية.

اقرأ أيضًا: الإمارات تستحوذ على 30% من الشركة الشرقية للدخان

وتُظهر المعلومات المُتاحة عن الشركة الإماراتية التي تأسست في 1999، أن قيمة الأصول التي تديرها الشركة تصل نحو 5.7 مليار دولار، عبر أكثر من 20 صندوقًا استثماريًا موزعًا على أكثر من 30 دولة.

وكانت منى مينا، وكيلة نقابة الأطباء المصريين السابقة، حذرت في 2016 في منشور لها عبر "فيسبوك" من الهيمنة الإماراتية، مشيرة عبر صفحتها إلى سعي شركات إماراتية للسيطرة على النظام الصحي في مصر، واصفة هذا الأمر بـ"المرعب".

وقالت مينا: "الكارثة أنه في الوقت نفسه الذي يسعى مشروع خصخصة التأمين الصحي الجديد لفتح المستشفيات العامة للقطاع الطبي الخاص في مصر، تستولي شركة أبراج الإماراتية على المستشفيات الخاصة الأكبر في مصر بالتدريج". وأضافت: "شركة أبراج شركة متعددة الجنسيات مقرها في المنطقة الحرة بالإمارات، وقانون إنشائها يمنع الإعلان عن المساهمين فيها سواء أفرادًا أو حكومات".

أضف إلى ذلك، ما نشرته صحيفة "المصري اليوم"، في سبتمبر عام 2016، من أن هيئة الرقابة الإدارية حذرت سرًا من هيمنة الإمارات على القطاعات الطبية في مصر، معتبرة أن ذلك "يهدد الأمن القومي المصري".

السيطرة على الاتصالات والبنوك

وبالحديث عن الأمن القومي المصري نذهب إلى قطاع الاتصالات الذي يتعلق مباشرة بالأمن القومي لمصر، ولا يُسمح بالاستثمار فيه إلا بعد موافقة أمنية، حيث نجد أن إجمالي عدد الشركات الإماراتية العاملة في قطاع الاتصالات والتكنولوجيا المصري يصل إلى نحو 674 شركة، تعمل بالسوق المصرية، وفقًا لآخر الإحصائيات، بينما يبلغ حجم استثمارات شركة اتصالات الإماراتية في مصر إجمالي 36 مليار جنيه مصري.

وفي مجال القطاع المالي، بدأت محاولات الإمارات بالسعي نحو السيطرة على المجموعة المالية "هيرميس" القابضة، وذلك بعرض استحواذ محتمل على نسبة أغلبية لا تقل عن 51% من أسهم رأس مال المجموعة، قبل أن تفشل الصفقة.

وقد استحوذ "بنك أبوظبي الأول مصر"، في نوفمبر 2022، على "بنك عودة" المصري، بشكل كامل. وبلغ إجمالي أصول البنك حينها 187 مليار جنيه مصري، وله 69 فرعًا و211 ماكينة صراف آلي.

وكانت وزارة الاقتصاد الإماراتية ذكرت أن "دولة الإمارات تعد أكبر مستثمر في مصر على الصعيد العالمي، برصيد استثمارات تراكمي يزيد على 55 مليار درهم (15 مليار دولار) في وقت تعمل فيه أكثر من 1250 شركة إماراتية في مصر في مشروعات واستثمارات تشمل مختلف قطاعات الجملة والتجزئة، والنقل والتخزين والخدمات اللوجستية، والقطاع المالي وأنشطة التأمين، وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والعقارات والبناء، والسياحة، والزراعة والأمن الغذائي".

يد الإمارات في الموانئ المصرية

وفي الموانئ المصرية، حصلت شركة أبو ظبي على إدارة ميناء سفاجا بعقد احتكار لمدة 30 عامًا، بينما تتجه نحو الاستحواذ على حصة مؤثرة في شركتي بورسعيد ودمياط لتداول الحاويات والبضائع، وفقًا لصحيفة "المال".

وبدورها، اعترفت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، ببيان في مارس الماضي، بأن مجموعة موانئ أبوظبي ستنفذ مشروعات في موانئ شرق وغرب بورسعيد والعريش والسخنة، أما ميناء دمياط فهو خارج سلطة المنطقة.

وتتضمن المشروعات المشتركة مع مجموعة موانئ أبوظبي إنشاء شركة ترانس كارجو التابعة للمجموعة 6 صوامع لتخزين وتداول الأسمنت الأسود بميناء العريش، بتكلفة استثمارية 830 مليون جنيه ليتم تصديره للأسواق الخارجية.

كما تتضمن المشروعات الإماراتية إنشاء مجمع صناعي للحديد باستثمارات 300 مليون دولار في العين السخنة.

ملف سد النهضة:

في مارس 2023، صرح الرئيس عبد الفتاح السيسي بأن "مصر هي الدولة الأكثر جفافًا في العالم، ولا يمكنها أن تتحمل أي نقص في المياه بأي وقت من الأوقات بسبب سد النهضة".

وأوضحت الخارجية على لسان الوزير سامح شكري، في خطابه إلى مجلس الأمن، أن "انخفاض حصة مصر من مياه نهر النيل بمقدار مليار متر مكعب فقط سيؤدي إلى فقدان 300 ألف فدان من أخصب أنواع الأراضي الزراعية في العالم، وفقدان 200 ألف أسرة لمصدر رزقها، وكذا فقدان وخسارة قدرها 430 مليون دولار في الإنتاج الزراعي، وزيادة كلفة الاستيراد إلى 19 مليار دولار".

وقد أجرت هيئة الاستشعار عن بعد، التابعة لوزارة البحث العلمي في مصر، دراسة علمية للآثار السلبية لسد النهضة الإثيوبي على مصر. وصرح نائب رئيس الهيئة المشرف على الدراسة، علاء النهري، بأن "انخفاض حصة مصر من 55.5 مليار متر مكعب إلى 35 مليارًا سيصيب الحياة في مصر بالشلل، وهنشوف نهر النيل زي ملعب الكورة"، وفق تعبيره.

وسعت مصر بشتى الطرق للوصول إلى دعم عربي للوقوف إلى جانبها في قضية سد النهضة. واجتمع وزراء خارجية الدول العربية، في الدوحة، في يونيو 2021، وأصدروا بيانًا مشتركًا، دعوا فيه إثيوبيا إلى "التفاوض بحسن نية والامتناع عن اتخاذ أية إجراءات أحادية توقع الضرر بالمصالح المائية لمصر والسودان".

الإمارات تدعم إثيوبيا في مقابل مصر

وفي هذا الملف على وجه التحديد، كان للإمارات موقف مخالف لمصر تمامًا، ففي الوقت الذي صرح فيه الرئيس السيسي أن المساس بحق مصر في مياه النيل "خط أحمر"، أرسلت الإمارات مساعدات إنسانية إلى إقليم "تيجراي" الإثيوبي، تتضمن 46 طنًا من المواد الغذائية والمستلزمات الصحية. ونقلت حينها وكالة الأنباء الإماراتية الرسمية عن سفير الإمارات لدى إثيوبيا، أن "هذه المساعدات تأتي في إطار توجيهات قيادة الدولة، بتقديم المساعدات الإنسانية والتنموية للشعوب الشقيقة والصديقة".

اقرأ أيضًا: الدولة الحبيسة والزحف نحو منفذ البحر الأحمر

وجاء هذا الموقف في الوقت الذي كانت تنتظر فيه مصر الضغط على أديس أبابا. وقال مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق جمال بيومي إن: "الإمارات أحد الممولين للسد ويمكنها أن تكون قادرة على حل تلك الأزمة، خاصة وأن الموقف الإثيوبي هو موقف سياسي وليس أمر يتعلق ببناء السد".

ولم يقف الموقف الإماراتي من هذه القضية المصيرية بالنسبة للقاهرة عند حد السلبية، وعدم استخدام النفوذ لمساعدة مصر في الضغط على إثيوبيا، بل إن الإمارات سعت لتثبيت الحكومة الإثيوبية عبر دعمها سياسيًا وعسكريًا، في مواجهة جبهة تحرير شعب تيجراي.

ويحظى نظام آبي أحمد في إثيوبيا بدعم إماراتي واسع، يتنوع بين الودائع المساندة للاحتياطي النقدي من العملة الأجنبية والاستثمارات المباشرة. وبدأ التقارب بين بن زايد وآبي أحمد في 2018، عندما بادرت الإمارات إلى تقديم 3 ملايين دولار للاقتصاد الإثيوبي المتعثر، وأخذ التعاون في النمو منذ ذلك الوقت.

استثمارات أبو ظبي في إثيوبيا

وتتنوع استثمارات أبوظبي في إثيوبيا، حيث يوجد نحو 21 مشروعًا في مجال الزراعة، و37 في مجال الصناعة، و7 في حفر الآبار، وأخيرًا 5 في التعدين والسياحة.

وفي نوفمبر 2021، كشفت تقارير -مدعومة بصور فضائية وبيانات ملاحية- أن الإمارات قدمت دعمًا مكثفًا لقواعد جوية إثيوبية. واستعانت أبو ظبي بشركات أوروبية لتسيير رحلات دعم عسكري لإثيوبيا، من بينها شركة "يورب إير" الإسبانية، التي ساعدت في تنظيم 54 رحلة شحن عسكري بين الإمارات وإثيوبيا في أقل من شهر، وشركة "فلاي سكاي إيرلاينز" الأوكرانية التي أجرت 39 رحلة شحن عسكري خلال شهرين فقط.

ورغم الوساطة الإماراتية المعلنة بين مصر واثيوبيا ففي ارض الواقع الإمارات لا تقوم بأي ضغط علي الجانب الإثيوبي بل علي العكس فهي تدعم نظام آبي أحمد سياسيا واقتصاديا وعسكريا في الوقت الذي تسعى فيه مصر عن اي وسيلة لتعطيل ملئ السد.

الملف السوداني:

بعد نشوب الحرب السودانية في أبريل الماضي بين القوات المسلحة السودانية التي يقودها عبد الفتاح البرهان وبين قوات الدعم السريع تحتَ قيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي). ونظرًا للحدود التي تربط مصر بالسودان، والملفات المشتركة بين الطرفين، فإن مصر أبرز المتأثرين بشكل مباشر من التطورات على الساحة السودانية.

ونجد للمرة الثانية تضارب المصالح المصرية والإمارتية، بحيث تدعم مصر "البرهان" كدعم حاكم عسكري ذي صلة مباشرة بالنظام المصري، وضد حميدتي المدعوم من النظام الإثيوبي، ومن الإمارات للرجل المسيطر على مناجم الذهب الذي وقف إلى جانبها في حرب اليمن.

الدعم العسكري الإماراتي لحميدتي

وقد اُتهمت الإمارات بتوسيع دعمها لحميدتي بالدعم العسكري. وهو ما نفته أبو ظبي وفق ما جاء في صحيفة "فاينانشال تايمز" يوم الأربعاء الماضي، بعدما أظهرت وثيقة مسربة من الأمم المتحدة أدلة "موثوقة" على أن الإمارات ترسل أسلحة لقوات الدعم السريع.

وقال التقرير، الذي أعده خبراء لمجلس الأمن الدولي، واطلعت عليه "فايننشال تايمز"، ولكن لم يتم نشره بعد، إن عدة شحنات من الأسلحة والذخائر يتم تفريغها كل أسبوع من طائرات الشحن في أحد مطارات دولة تشاد، ويتم تسليمها إلى قوات الدعم السريع على الحدود السودانية.

لكن الإمارات نفت بشدة تسليح أي جماعة في السودان، وأخبرت لجنة الأمم المتحدة أن هذه الرحلات الجوية حملت مساعدات إنسانية، بينها مستشفى أنشأته.

هذا التضارب في المصالح بين مصر والإمارات على الساحة السودانية، والخطر الذي يُحدق بمصر جراء تجاهل الإمارات للأمن القومي المصري، دفع الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية، عمرو موسى، لمطالبة النظام المصري بـ"لعب دور أساسي وصريح" في تجنيب السودان نتائج الأحداث الجارية.

وقال في تغريدة على موقع "إكس": "ما يجري بالسودان من تدهور شامل وشروخ في بنائه السياسي والمجتمعي والعسكري ومواجهات دموية يطرح مخافة جدية على مستقبل السودان واستقلاله ووحدته وسلامة اراضيه وأمان شعبه، ويهدد استقرار القرن الإفريقي والعربي وكذلك أمن مصر ومصالحها الحيوية.. تكامل مصر والسودان تفرضه الطبيعة وتخلق معه مصالح مشتركة وإن أفسدته سياسات خاطئة منذ خمسينات القرن الماضي وكذا مخططات أجنبية رأت في أي تقارب قوي البناء بينهما تهديد لمصالحها في القارة الإفريقية وجنوب العالم العربي.. هكذا فشل التكامل".

وتابع "بعض المصالح العربية قد تتعارض مع المصالح المصرية الأكثر عمقًا في السودان، وكذلك الحال في إفريقيا. هنا يتوقع من مصر وقفة صريحة وجريئة إذ أن مصالحنا الحيوية في تلك المنطقة بأسرها أصبحت مهددة وعلى المحك. احتمال استغلال إثيوبيا للوضع يفاقم مشكلة السد بالنسبة لنا".

اللعب على المصالح المصرية

وبالنظر إلى المصالح المصرية المتضاربة مع المصالح الإماراتية نجد أن خطى الدبلوماسية الإماراتية ثابتة ومواقفها لا تتغير، فهي تتحرك وفق أجندتها ومصالحها دون النظر إلى المصلحة المصرية. ورغم ذلك، نرى النظام المصري لا يوجه انتقادات لمواقف الإمارات، وقد يكون هذا نظرًا للحاجة المصرية للدعم الاقتصادي الذي تقدمه الإمارات. وتأتي بطبيعة الحال على حساب استقلال السياسة الخارجية لمصر. وهذا ما أكده "معهد واشنطن"، الذي أوضح عدة أسباب تمنع النظام المصري من اتخاذ سياسة أكثر فعالية في الملف السوداني.

وقال المعهد: "يصعب على مصر التأثير في الأحداث في السودان بسبب تضاؤل نفوذها في المنطقة، وعدد الجهات الفاعلة الخارجية التي تقف في صف حميدتي.. ومن أهمها الإمارات".

وأوضح المعهد الأمريكي أنه "نظرًا إلى حاجة القاهرة الملحة إلى الأموال والاستثمارات الإماراتية لدعم اقتصادها المتقلب، لا يخوّلها هذا الوضع للتصادم مع حليفتها التقليدية أبوظبي".

السبب نفسه أكدت عليه "مجموعة الأزمات الدولية"، التي تتخذ من بروكسل مقرًا لها. ففي تقرير لها نشرته في أواخر مايو 2023، أوضحت المجموعة أن "مصر تواجه أزمة اقتصادية قد تعرقل سياساتها المحلية والخارجية والاقتصادية، وتعمق خيبة الأمل لدى الرأي العام المصري، وتغذي حالة من عدم الاستقرار".

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة