ملامح مرجوة للفترة الرئاسية الثالثة

مع الإعلان عن موعد أداء رئيس الجمهورية للقسم الدستورى لبدء ولايته الرئاسية الثالثة يوم غدٍ الثلاثاء 2 أبريل، وهى الولاية التي يفترض أن تكون الأخيرة وفقا لنصوص الدستور الحالي، تنطلق التساؤلات والتحليلات حول ملامح هذه الفترة الرئاسية الأخيرة، في ظل أوضاع سياسية واقتصادية واجتماعية وإقليمية صعبة ومليئة بالتحديات والمشكلات، ومدى إمكانية وجود ملامح حقيقية لتغييرات حقيقية خلال هذه المرحلة المقبلة.

ملف سجناء الرأي

رغم أن التحديات الاقتصادية وانعكاساتها الاجتماعية هي الأولوية دون شك لدى عموم المواطنين المصريين، إلا أن ظني أن العنوان الرئيسي للفترة الرئاسية الجديدة لا بد أن يكون (الإصلاح السياسي) باعتباره المدخل الحقيقي والصحيح لجوهر مشكلات وأزمات السنوات الماضية منذ 2013، وآن الآوان لمواجهتها بوضوح وشفافية وجدية وبتصور واضح الملامح لخطوات وإجراءات هذا الإصلاح السياسي الواجب والضروري.

ورغم أن العامين الأخيرين وتحديدًا منذ إفطار الأسرة المصرية في 2022 تبدو فيهما ملامح التفاعلات السياسية مختلفة نسبيًا عن السنوات السابقة، إلا أن ملف (الإصلاح السياسى) لا يزال يراوح مكانه بدرجة كبيرة، ويحتاج لوضوح في الرؤية وجدية في التحرك وتسارع في الإجراءات.

أول نقاط هذا الملف المتخم بالقضايا والموضوعات العالقة، هو إنهاء ملف سجناء الرأي بضربة واحدة واضحة في دلالاتها ورمزيتها، فلم يعد مجديًا ولا مريحًا التباطؤ في هذا الملف ولا التعامل معه باعتباره ملفًا معلقًا بالإفراج عن البعض كل فترة زمنية مع استمرار غيرهم من السجناء لنفس الأسباب وعلى خلفية نفس الاتهامات تقريبًا، ولا أيضًا باعتباره ملفًا متجددًا بين الحين والآخر، بإضافة سجناء جدد على خلفية قضايا سياسية أو تعبير عن رأى مهما بلغت حدته أو شططه، هذا ملف يحتاج للإغلاق الكامل والنهائى وبضربة واحدة وبإرادة سياسية واضحة تمهد لمرحلة جديدة من حيث قبول تنوع وتعدد الآراء وإتاحة مساحات للحراك السياسى والتعبير عن الرأي والتفاعل معه بالمنطق السياسى لا الأمني.

والإشارة لذلك الملف سواء في الخطاب الرئاسي المتوقع بمناسبة أداء القسم الدستورى، أو بإجراءات عاجلة تعقبه، خاصة مع مناسبات شهر رمضان واقتراب عيد الفطر، ربما تكون مؤشرًا هامًا في ذلك الاتجاه، بالتزامن مع التحرك الجاد لطرح تعديلات جوهرية على المواد المنظمة للحبس الاحتياطي في كل القوانين الحالية دون قصرها على قانون الإجراءات الجنائية وحده، وأن تنطلق تلك التعديلات من فلسفة أن الحبس الاحتياطي بالأساس إجراء احترازي عند الضرورة وليس عقوبة في حد ذاته.

قضية ثانية جوهرية وبالغة الأهمية في هذا السياق، هي فتح المجال العام، لكل القوى السياسية والحزبية والنقابية والمدنية والأهلية لممارسة أدوارها الطبيعية، وتنظيم صفوفها، وبلورة رؤاها ووجهات نظرها والتعبير عنها بحرية في مختلف المساحات والقضايا، ومخاطبة جمهورها بشكل طبيعى وحيوى دون قيود ولا ملاحقات أو تضييقات.

أيضًا ملف آخر بالغ الأهمية هو التمهيد لأجواء الانتخابات البرلمانية المقبلة نهايات العام المقبل، وهي فترة كافية بالكاد للقوى الراغبة في المنافسة في هذه الانتخابات لتنظيم صفوفها وطرح رؤاها وتقديم مرشحيها في أجواء سياسية مفتوحة وملائمة دون إعادة تكرار لتجارب 2015 و2020، وهو ما يحتاج كمدخل أولى وأساسي - فضلًا عن إجراءات فتح المجال العام - إلى تعديلات جوهرية لقانون النظام الانتخابي الحالي تضمن أوسع تنوع ممكن للكتل السياسية في المجالس البرلمانية المنتخبة المقبلة عبر نظام القوائم النسبية بنسبة معتبرة إن لم تكن غالبة، بالإضافة لوقف التدخلات سواء في مراحل إعداد المشهد الانتخابي أو أثناء إجراءات الانتخابات نفسها، لضمان انتخابات تعددية تنافسية حقيقية تفرز مجالس نيابية تعبر عن الشارع المصري بكل تنوعاته وتمارس دورها الحقيقي في الرقابة والتشريع.

اقرأ أيضًا:أمريكا والإرهاب الارتدادي.. بن لادن نموذجًا

نائب رئيس وحكومة جديدة

ما سبق من نقاط ليس غاية المنى ولا أقصى الطموح فيما يتعلق بملفات الإصلاح السياسي التي تمتد لكثير من النقاط الأخرى، وإنما هي مؤشرات جادة ودالة على بداية مسار طويل وممتد يضمن خلق مناخ سياسي جاد وحقيقي، قادر على احتواء الأزمات بالتفاعل الإيجابي مع مختلف وجهات النظر والرؤى، وقابل لتماسك الجبهة الداخلية في مواجهة تحديات إقليمية ودولية متوقعة ومنتظرة، ويتيح خلق مساحات حقيقية للتعامل بجدية مع أوضاع اقتصادية واجتماعية صعبة لا ينتظر تجاوزها ولا مواجهتها بسهولة أو في مدى زمني قصير.

لكن إذا كانت هذه الإجراءات كلها هي تمهيد للأرض ولمناخ عام مختلف، تستعيد فيه السياسة حضورها، فإن السلطة نفسها تحتاج لاستعادة السياسة بمفاهميها الطبيعية، بدءً من تفعيل أدوار المؤسسات كل في مجاله واختصاصه، وحكومة جديدة تمارس مهامها وصلاحياتها دون أن تكتفي بأداء دور تنفيذ التوجيهات والتعليمات، وهو ما يعني حكومة برئاسة شخصية لها وزنها وخبرتها تحديدًا في المجال الاقتصادي ووزراء سياسيين لا بمعنى أنهم من خلفيات حزبية أو أيديولوجية بالضرورة، وإنما بمعنى أن لهم رؤى وتصورات جادة وخبرات حقيقية كل في ملفه ومجاله، وأن تكون أول أولويات هذه الحكومة هي خطة اقتصادية واضحة ومحددة ومحل توافق سياسي ومجتمعي عام تقدم حلولًا حقيقية ومستدامة للمشكلات الاقتصادية ومعالجات للآثار الاجتماعية الفادحة على عموم المصريين بمختلف طبقاتهم.

فضلًا عن ذلك، فإن الأحاديث التي تم طرحها مؤخرًا حول احتمالات تعيين نائب لرئيس الجمهورية أو أكثر، إذا كان صحيحًا أن هناك اتجاه نحو قرارات من هذا النوع، فإنها تكتسب أهميتها من أمرين؛ أولها مدى تعبيرها عن إدراك أهمية التمهيد والترتيب لانتقال سلمي للسلطة عبر انتخابات رئاسية تعددية وتنافسية ونزيهة في 2030، وثانيها تصدير وجوه قادرة على التعامل مع مختلف قوى ومكونات المجتمع بمعناه الواسع وفي القلب منه المجتمع السياسي في مختلف القضايا والملفات، وضمانة أن يكون موقع نائب الرئيس أداة حقيقية للتواصل الجاد والفاعل بشكل مباشر مع مختلف القوى السياسية والمجتمعية.. ولعل الأسماء التي ستكون مطروحة لشغل هذا الموقع سواء نائب أو أكثر - مرة أخرى إذا صح أن هناك توجه حقيقي لهذا الأمر - ستكون مؤشرًا دالًا على مدى أهمية الدور التي سوف تلعبه تلك الأسماء خلال المرحلة المقبلة.

اقرأ أيضًا:كيف يصل الديمقراطيون للسلطة؟

التحديات الخارجية

بقدر ما تمثل التحديات الداخلية سواء على الصعيد السياسي أو على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي أولويات بالغة الأهمية فى الفترة المقبلة، إلا أن التحديات الخارجية أيضًا لا تقل أهمية ولا أولوية، في ظل الكثير من القضايا والملفات الحالية بالفعل، وعلى رأسها العدوان الصهيوني المستمر لما يقترب من ستة شهور على غزة وآثاره المباشرة على الأمن القومي المصري، فضلًا عن التلويح المتكرر باحتمالات تنفيذ عدوان جديد على رفح على الحدود المصرية مباشرة، وهو أمر صار واجبًا الآن على مصر أن تواجهه بقدر أكبر من الحسم والقوة في ظل تراجع واضح في الدعم الدولى للكيان الصهيوني، وفي ظل تململ واضح من استمرار هذا العدوان الإجرامي، بما يفتح لمصر فرص أوسع وأكبر في تصعيد خطابها وتحركاتها، وحشد مواقف عربية وإقليمية ودولية، لا دفاعًا عن فلسطين وغزة فقط بل ودفاعًا عن مصر وحدودها وأمنها القومي، ولا سعيًا فقط لوقف الحرب الحالية وإدخال المساعدات اللازمة لأهل غزة - على أهمية وضرورة وأولوية ذلك - وإنما كذلك لصياغة تصورات سياسية جادة لما هو مقبل بالشراكة مع مختلف القوى الفلسطينية لا بديلًا عنها، في ظل كثير مما يتردد ويخطط له ليفضي إلى تصفية لا تسوية القضية الفلسطينية، ودور وواجب مصر أن تتصدى بوضوح لهذا وتسهم في بلورة بدائل حقيقية تعيد الاعتبار للقضية الفلسطينية باعتبارها قضية تحرر وطني وحقوق شعب تحت الاحتلال.

بالإضافة إلى ما يجري في غزة، هناك الأزمات المستمرة والقائمة في السودان، وليبيا، وغيرها من الدول العربية سواء المجاورة مباشرة أو في المحيط الحيوى لمصر، بالإضافة للتهديد الذى لا يزال قائمًا دون حلول واضحة في الأفق الذي يمثله سد النهضة الإثيوبي، فضلًا عن احتمالات لتوترات دولية قد تتصاعد إذا عاد ترامب لرئاسة أمريكا في نهايات العام الجارى، ورغم أوضاع مصر الصعبة على الصعيد الداخلي، إلا أنها لا تزال تملك الكثير من الأدوات بحكم موقعها ومكانتها ودورها لتكون لاعبًا مؤثرًا على الصعيدين العربي والدولي، لكن نعود للتأكيد على أن نقطة البدء لتتمكن مصر من لعب أدوار حيوية مستقرة وجادة وفاعلة هو أن تستطيع تقوية جبهتها الداخلية عبر مناخ سياسي حقيقي ومفتوح يُمكن الدولة المصرية من الاستفادة من كافة مقومات ومكونات المجتمع، بإجراءات ورسائل طمأنة حقيقية لتصورات جادة لإصلاح الأوضاع الاقتصادية وتخفيف وطأة المعاناة الاجتماعية.

 

الخروج من الأوضاع الراهنة

تحتاج مصر سلطة ومعارضة، دولة ومجتمع، لتكون الفترة الرئاسية الجديدة، فترة استقرار حقيقي لا فترة قلق واضطراب، وهو ما لا يمكن أن يتحقق إلا وفقًا لتصورات واضحة في مختلف الملفات والمجالات، وعبر فتح مساحات مقيدة وتفكيك ملفات معلقة، بثقة ويقين في أن فوائد الإنفتاح هي أضعاف ضمانات الإغلاق والتقييد، خاصة في ظل كل تلك التحديات الداخلية والخارجية.

وواحدة من ملامح خلق هذا الاستقرار في ظني هي الإعلان بشكل واضح وصريح عن أنه لا نية في السنوات الست المقبلة لتعديلات دستورية جديدة تكون مثيرة للقلق والجدل بأكثر مما تفيد أي طرف بما فيها السلطة نفسها، وأن تستعد مصر من الآن، بالتوازي مع الإصلاحات السياسية الواجبة والضرورية، والمعالجات والسياسات الاقتصادية والاجتماعية اللازمة التي تضع مصر على طريق الخروج من أوضاعها الراهنة، لأول انتقال سلمي طبيعي للسلطة في تاريخها الحديث في 2030، وهذا الإعلان في ذاته، رغم أنه مفترض نظريًا بحكم نصوص الدستور القائم، إلا أن مجرد الإعلان عنه في ظني سيخلق مساحة طمأنة وهدوء دون الخوض في احتمالات وتفسيرات تستدعى قلقًا متواصلًا من التفاعلات السياسية والمجتمعية، وسيفتح الباب من الآن لتفاعلات أكثر جدية وأجواء صحية وإيجابية بين كافة الأطراف والمكونات.

بالتأكيد، قد لا يتسع المجال لكل هذه النقاط في خطاب رئاسي منتظر بمناسبة أداء القسم الدستورية لفترة رئاسية جديدة، بل وربما لا يتناول أي منها، لكن هذه قد تكون ملامح أولية نتمناها ونرجوها سواء بالكلمات والخطابات المعلنة والأهم بالخطوات والإجراءات المطلوبة في هذه الفترة الرئاسية، وبما يضع مصر كلها بكافة مكوناتها وأطرافها في وضع استعداد للحظة احتشاد بالمعنى الإيجابي للبناء والتقدم للأمام بدلًا من طرح تساؤلات مستمرة تراوح المكان والزمان وتثير القلق والمخاوف وتهدر المزيد من الفرص المتاحة والممكنة رغم كل المصاعب والتحديات.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة