كيف نصل للديمقراطية؟

 

اتفقنا في المقال السابق (ركائز الإصلاح) على أن الديمقراطية هى الأساس الذي ينبني عليه أى إصلاح اجتماعي حقيقي وذلك لأنها تعمل على تقوية جسد المجتمع من خلال تقوية خلاياه نفسها (المواطنين وتنظيماتهم بتنوعها) مع تقوية الدولة وأجهزتها في نفس الوقت، فتكون النتيجة مجتمع حر يدافع عن حقوقه ويرفض الفساد والإفساد، ودولة قوية تعتمد على احترام القانون والحقوق والشعب لتكتسب شرعية تؤهلها للتقدم وتمكنها من وضع سياسات تُبنى على قراءة مطابقة للواقع ثم تنفيذ تلك السياسات بمشاركة أصحاب المصلحة في تنفيذها (عموم الناس) ثم بعد ذلك يمكن لتلك السياسات أن تتغير وفقا لحاجة المجتمع المستمرة للتطور.

اقرأ أيضًا:“مصر دي” التي عبرت في العاشر من رمضان

وفي هذا المقال نناقش كيفية الوصول بالمجتمع للديمقراطية انطلاقا من واقع لا يُخفى على أحد عداؤه للديمقراطية وكل مظاهرها وآلياتها ومساراتها. ويمكن أن نقول أنه بالتدرج المنطقي:

  • لا يمكن السعى للديمقراطية دون وجود ديمقراطيين.
  • لا معنى لوجود الديمقراطيين دون تنظيمات ديمقراطية تجمعهم.
  • لا يمكن الوصول للديمقراطية بدون وصول الديمقراطيين للسلطة.

والخطوة الأولى أوضحهم منطقيا، حيث لا يمكن أن نختلف على أن نشر أى فكرة في أى مجتمع يسبقه بالضرورة وجود من يؤمن بها ويدافع عنها ويحاول تطبيقها بشكل عملي. ولكن يمكن بالطبع، بل ويجب، أن نختلف في "من هو الديمقراطي الحقيقي" الذي يمكن الاعتماد عليه في نشر الفكرة الديمقراطية وتمثيلها والدفاع عنها وتطبيقها؟

وهذا السؤال مفتوح دائما للنقاش ولا يمكن لأحد حسمه بشكل نهائي، حيث نجد من "الديمقراطيين" في الغرب من يدافع عن الإبادة الجماعية لأهل غزة بنفس المنطق الذي نجد فيه "ديمقراطيين" من بلادنا يدافعون عن انتهاك حقوق مئات الآلاف من مواطنيهم بحجة محاربة الإرهاب. كما لا يمكن إغفال مهارة المستبدين في التلاعب بالألفاظ وعكس المسميات والتي تؤدي لأن نجد أن أغلب الأنظمة الاستبدادية تطلق على نفسها لقب الديمقراطية، وما الحزب الوطني "الديمقراطي" عنا ببعيد.

كما يجب أن لا ننسى أن العديد من الصفات الديمقراطية يكتسبها الأفراد وتقويها المجتمعات بالممارسة وتضمر وتضعف بغياب الممارسة، فهل يكفي أن يظن المرء في نفسه أنه "ديمقراطي" لكى يمكن تصنيفه كديمقراطي بالفعل؟ وهل اعتناق بعض الآراء المعادية للديمقراطية يعني بالضرورة أن معتنقها لا يمكن أن يكون يوما ما "ديمقراطيا"؟

أجيب على ذلك بأنه يمكن لنا أن نتجاوز عن معضلة الحاجة لتصنيف الأفراد كديمقراطيين وغير ديمقراطيين بأن نقبل بتصنيف كل فرد لنفسه مبدئيا، فإذا رفض الشخص أن يوصف بالديمقراطية فلا يمكن لغيره أن يفرض عليه صفة الديمقراطية، أما إذا وصف الفرد نفسه بأنه "ديمقراطي" فعلينا عندئذ أن نقبل ذلك التوصيف بشكل مبدئي للاستفادة من جهده وفكره في دعم الديمقراطية حتى لو كان فهمه للديمقراطية قاصر أو مغلوط أو حتى مخادع، بأن نلزمه بالامتثال قدر الممكن للقواعد الديمقراطية.

وطبعا سوف يتسائل القارئ النابه على ذلك بأنه يمكن لمن يدعي الديمقراطية أو يظن نفسه ديمقراطيا على غير الحقيقة أن يضر أكثر مما ينفع، فكيف نعالج ذلك؟

والإجابة عن ذلك تكون بشكل مباشر في الشرط الثاني لقيام الديمقراطية وهو شرط "التنظيم".

اقرأ أيضًا:الحبس الاحتياطي .. سيئ السمعة

أقول أن أى شخص يمكن أن يدعي أو يظن عن نفسه ما يشاء ولكن المقياس الحقيقي الذي يمكن أن نحكم به - ويكون لحكمنا معنى - هو الانخراط الإيجابي في تنظيم ديمقراطي. فبدون أن يكون الشخص عضوًا في تنظيم ديمقراطي لا يهم وقتها أن يصف نفسه بالديمقراطية أو غيرها، أما أن ينتظم في تنظيم ما فهذا هو المحك الحقيقي لكونه ديمقراطيا حقيقيا أم لا.

ومن إبداعات الحياة الحديثة أن أشكال التنظيمات الاجتماعية تتنوع بتنوع احتياج أفراد المجتمع لتنظيم أنفسهم للحفاظ على حقوقهم فهناك الحزب والنقابة والجمعية والمجالس المحلية ومجالس إدارات المؤسسات الأهلية ،، إلخ. وبدون نشأة وانتشار هذه التنظيمات وبدون جهود الديمقراطيين الحثيثة والمستمرة في ترسيخ القواعد والمبادئ الديمقراطية (مثل المساواة والشفافية والحوار وحكم الأغلبية والانتخاب الدوري للقيادات ،، إلخ) عن طريق العمل بها بشكل مستمر في المؤسسات المنخرطين فيها، لا يمكن أن تتطور الفكرة الديمقراطية في المجتمع ككل. ويمكن لنا أن نقيس وجود الديمقراطيين وفاعليتهم بمدى قدرتهم على العمل في مؤسساتهم وفق أسس الديمقراطية.

ثم تأتي بعد ذلك الخطوة الثالثة التي لا يمكن الاستغناء عنها وهى "الوصول للسلطة"، فبدون وصول المؤمنين بالديمقراطية للسلطة لا يمكن للدولة أن تتحول من الديكتاتورية للديمقراطية لأن عملية التحول نفسها هى عبارة عن صراع شديد الوطأة لا يمكن أن يقوده أشخاص غير مؤمنين بالديمقراطية أو غير ممارسين متمرسين لها، ولأن هذه النقطة هي الأكثر تعقيدا والأكثر صعوبة أخصص لها مقالي القادم، إن كان في العمر، والحرية، بقية.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة