الجمعة, يناير 16, 2026
spot_img

هل تجاوزت مصر أزمتها الاقتصادية؟

 

بالإعلان عن صفقة رأس الحكمة في نهايات الشهر الماضى، وما تلاها من التوصل لاتفاق مع صندوق النقد الدولى لرفع قيمة القرض إلى 8 مليار دولار بدلا من 3 مليار، وما بينهما من إجراء كان متوقعا منذ فترة بتحريك سعر الصرف ليصل سعر الدولار رسميا إلى حدود الخمسين جنيه تقريبا، تحلحلت نسبيًا الأزمة التي يواجهها الاقتصاد المصرى خلال الفترة الأخيرة، في جانب محدد منها، فيما يتعلق بعودة القطاع المصرفي والمالى لأداء دوره في مواجهة السوق السوداء، وتحريك الدماء في شرايين الاقتصاد وحركة الاستثمار، وتراجع القلق نسبيًا فيما يخص قدرة مصر على سداد الديون الواجبة عليها خلال العام الحالي. وذلك كله، رغم كونه خطوة للأمام مقارنة بحالة الغموض والقلق العام على مدار الشهور الماضية، إلا أنه بالتأكيد لا يعنى أنه تم تجاوز الأزمة بشكل كامل ونهائى، كما أن هذه البوادر للانفراجة لا تعنى أن الأزمة غير قابلة لأن تتجدد وبشكل أكثر ضراوة وقسوة خلال مدى زمنى ليس طويلا إذا استمرت نفس السياسات والأولويات الاقتصادية.

(1)

رغم حالة الارتياح النسبى التي صاحبت الإعلان عن صفقة رأس الحكمة، ورغم الاحتفاء الإعلامى الواسع بهذه الصفقة والعائد منها سواء على مستوى القيمة المباشرة المسددة للدولة المصرية أو على مستوى الاستثمارات المتوقعة والمنتظرة وفقا لما هو معلن رسميا، إلا أن هناك تساؤلات عديدة مشروعة لا تزال مطروحة بدون إجابات حتى الآن حول تفاصيل الصفقة التي سمتها الحكومة المصرية في إعلانها الرسمي بالشراكة.

وبينما صاحب الإعلان عن الصفقة تراجع واضح في سعر الدولار في السوق السوداء من ناحية، وفى أسعار الكثير من السلع والمنتجات نسبيًا، إلا أن هذه الحالة لم تستمر كثيرا قبل أن تصدر قرارات البنك المركزى برفع الفائدة بنسبة 6% وتحريك سعر الدولار، ورغم كونها إجراءات كانت متوقعة وربما في السياق الحالي لا بدائل عملية ممكنة غيرها، إلا أن توقيتها قبل بدء شهر رمضان بأيام قليلة، فضلا عن أثرها على المستوى الاجتماعى وبقاء الأسعار على ما هي عليه دون انخفاضات كبرى كان البعض يبشر بها، جعلت حالة الارتياح السابق الإشارة إليها وإن كانت قابلة للاستمرار لبعض الوقت على المستوى الاقتصادى العام، إلا أنها ليست كذلك على مستوى المواطنين وحياتهم اليومية، التي لم تشهد فروقًا جوهرية بعد، وصحيح أن الوقت لا يزال مبكرا بعض الشئ للحكم على آثار الإجراءات الأخيرة على حياة المواطنين اليومية ومعاناتهم البالغة من الأسعار الجنونية في كافة المناحى والمجالات، إلا أن المؤشرات الأولية بقدر ما تشير لأن هناك فرص حقيقية يمكن إذا أحسن توظيفها واستغلالها تجاوز الأزمة الراهنة بشكل حقيقى، إلا أنها أيضا في ظل العديد من التصريحات الحكومية والرسمية تطرح الكثير من التساؤلات الجادة حول مدى التغير الحقيقى المتوقع في السياسات والأولويات الاقتصادية خلال المرحلة المقبلة.

(2) الاعتراف بالأخطاء

واحدة من أهم مداخل تجاوز الأزمة الاقتصادية، هي مراجعة ما مضى والقدرة على الاعتراف بالأخطاء ومواجهتها، أما الاستمرار في التوسع في سياسة الاقتراض الخارجي، والإنفاق على مشروعات كبرى بلا أثر مباشر وسريع، وعدم فتح الأبواب أمام التنافس الجاد والمتكافئ للقطاع الخاص إلا فيما هو استراتيجى، لكن الاقتصار على اعتبار أن الأزمة الأخيرة ليست نتيجة وامتداد لسياسات استمرت على مدار السنوات السابقة وإنما مجرد عرض طارئ لظروف دولية وإقليمية – دون إنكار لأثر ذلك لكنه ليس وحده وليس منفردا – فسوف يجعلنا بعد فترة قصرت أم طالت نعود لنفس المربع الذى لم نكد نتجاوزه بعد، والمقصود هنا مربع ذروة الأزمة وانعكاسها على جنون الأسعار وعدم توافر سلع أساسية بشكل طبيعى وعدم استقرار السوق بشكل عام.

وواحدة من أهم مداخل تجاوز الأزمة الاقتصادية، هي إعادة ترتيب الأولويات واتباع سياسات تقشفية فيما يخص الإنفاق الحكومى، وتوجيه الإنفاق للمجالات التنموية الحقيقية وذات الأثر المباشر على حياة الناس، واتخاذ إجراءات لمواجهة التضخم، وتفعيل دور الدولة في الرقابة الحقيقية على الأسعار، والتوافق على ما يلزم من إجراءات عاجلة لتخفيف آثار ما يجري على حياة المواطنين الذين تؤكد الدولة مع كل إجراء جديد أنها تقدر مدى صبرهم وتحملهم، لكن هذا التقدير ينبغي أن ينعكس في إجراءات تتجاوز الحماية الاجتماعية وتمتد لمفهوم العدالة الاجتماعية بمعناه الأشمل، وألا تتوقف عند حدود زيادات الرواتب وإنما تمتد أيضا لوقف زيادات أسعار السلع والخدمات ولو لفترة لحين استقرار الأوضاع بشكل حقيقى تخفيفا على المواطنين وكى لا تلتهم الزيادات التي تمت زيادات مقابلة.

ثم واحدة من أهم مداخل تجاوز الأزمة الاقتصادية، إدراك أنه لا أحد يمتلك الحقيقة وحده، ولا أحد يرجو لهذا البلد انهيارًا اقتصاديًا أو انفجارًا اجتماعيًا مخيفًا في آثاره وتداعياته، وألا يحاول الخطاب الرسمي أو الإعلامى الترويج لأن الأزمة قد مضت وانتهت لأننا لا زلنا في قلبها ولا زلنا بحاجة للكثير من السياسات والخطوات والإجراءات والإصلاحات لنتمكن من القول أننا نسلك مسارا مختلفا قادر بالفعل على مواجهة الأزمة وإنهائها، وهنا فإن الشفافية والمصارحة واجبة والانفتاح على مختلف الرؤى والبدائل ضرورى، لأن الجميع من مصلحته تجاوز هذه الأزمة وتقديم حلول حقيقية لها، وبالتالي فإن حوار جاد على مستوى الخبراء والمتخصصين وأصحاب الرؤى ومقترحى البدائل هو أمر بالغ الأهمية، وإذا كان الحوار الوطنى قد عقد جولة جديدة له مؤخرا ركزت على الموضوعات والملفات الاقتصادية، فإن تعميق هذا الحوار وشموله، سواء لمختلف وجهات النظر والرؤى وأصحاب الخبرات من ناحية، أو من حيث موضوعاته من ناحية ثانية، هو أمر واجب وضرورى، لكن ما هو أهم أن تكون نتائج هذا الحوار معلنة وتوصياته محل إحترام حقيقى وتنفيذ جاد.

 

(3) القلق مشروع

هناك قلق مشروع وإن كان غير معلن بما يليق ويستحق، من الأثمان المنتظرة والمتوقعة من مصر نتيجة هذه المساندة الدولية والإقليمية، وهى إن كانت مساندة اقتصادية في شكلها المباشر، فإنها بقدر أو بآخر أيضا تمثل نوعا من الدعم السياسى بلا شك، وهو في جانب منه يمثل ويحقق مصالح تلك الأطراف الداعمة التي تدرك بالتأكيد أهمية استقرار مصر وعدم انجرافها لأزمات عميقة على المستويين الاقتصادى والاجتماعى ستكون لها تداعيات على المنطقة بأكملها.

وهذا القلق المشروع يمتد أيضًا للسؤال حول ما هو مقبل وما هي الخطوات التالية، خاصة في ظل بعض التصريحات التي قد تشير لأنه لا جديد على صعيد التفكير فيما هو قادم، وأننا سنعود لاستكمال الإنفاق على نفس المشروعات أو مشروعات مشابهة رغم تصريحات رسمية سابقة تشير لتغير في التوجه، أو إدارة الوضع الاقتصادى بنفس السياسات والآليات، أو تصور أن الحل السحرى يتوقف عند حدود بيع الأصول لمستثمرين، دون مزاوجة ذلك بمسارات أخرى واجبة، ودون وضع سقف وخطوط حمر لما لا ينبغي المساس به مما هو استراتيجى وحيوى تحت أي ظرف.

وهنا، تبدو الإشارة الواجبة، لأنه لا حلول اقتصادية ممكنة بدون حلول سياسية واجبة ومتأخرة، وأنه لا أمل في انفتاح اقتصادى يحرك ما هو راكد ويعيد ضخ الدماء في السوق المصرى سواء على مستوى الاستثمارات المحلية أو الأجنبية، إلا بانفتاح سياسى موازى ينجز إصلاحات حقيقية وعاجلة، ويفتح الباب أمام دور فاعل للقوى الحية في هذا المجتمع لتنظم صفوفها وتعبر عن آرائها وتبلور رؤاها وتطرح تصوراتها، سواء على مستوى الأحزاب السياسية أو النقابات المهنية والعمالية أو على مستوى منظمات المجتمع الأهلى والمدنى، وربما في واحد من معانيه المهمة والمباشرة أن هذا الانفتاح السياسى هو عامل قوة لا دليل ضعف للدولة المصرية في مواجهة أي ضغوط أو مطالبات خارجية حالة أو لاحقة.

 

(4) الاستماع لوجهة نظر أخرى

مع كل ما سبق، فإن هناك دلالات ومؤشرات بالغة الأهمية تحدد شكل وطبيعة مسار المرحلة المقبلة، فانعكاس ما يجري من إجراءات وصفقات واستثمارات على الحياة اليومية للمصريين من توفير فرص عمل وأجور عادلة وأسعار ملائمة وتوافر للسلع الأساسية، هي دلالة أولى واجبة وضرورية للإشارة لتحسن حقيقى وجاد ينعكس على عموم المصريين، ومواجهة مطالب بعض القطاعات الاجتماعية وأساليبها في التعبير عن مطالبها بآليات التفاوض والنقاش لا القمع والقبضة الأمنية هو مؤشر آخر على حقيقة تفهم الدولة للأزمة الاقتصادية والاجتماعية وآثارها على قطاعات واسعة، وإعادة تشكيل وطرح أولويات السياسات الاقتصادية في المرحلة المقبلة على أساس من الحوار الجاد والعميق مع خبراء الاقتصاد والمتخصصين في ملفاته من مختلف الخلفيات والمدارس هو ضمانة لعدم تكرار سياسات وإجراءات كانت محل خلاف كبير خلال السنوات الماضية وساهمت فيما وصلنا إليه، وإعادة تشكيل حكومة جديدة من الخبرات والكفاءات الحقيقية وعلى رأسها شخصية اقتصادية لها وزنها وقيمتها ومنحها الصلاحيات الحقيقية لممارسة مهامها دون الاكتفاء بدور تنفيذ التوجيهات والتعليمات هو أمر يفترض أن يكون منتظرا ومتوقعا قبل بدء الولاية الرئاسية الجديدة رسميا، وبالتزامن مع كل ذلك فإن أفق يجب أن يكون معلنا ومنظورا في مدى قصير من إجراءات الإصلاح السياسى الحالة والعاجلة والضرورية وربما على رأسه انفتاح حقيقى على مختلف وجهات النظر والرؤى بما فيها الأشد حدة في معارضته ومساحات حقيقية للتعبير عن مختلف الآراء وإمكانيات فعلية للتنظيم والحركة لمختلف القوى السياسية والنقابية للدفاع عن رؤاها ومصالح المنتمين لها، بالتوازى مع تعديلات تشريعية لازمة وواجبة وبدء تنفيذ التوصيات السياسية الرئيسية التي نتجت عن المرحلة الأولى من الحوار الوطنى وفقا لجدول زمنى واضح ومحدد ومعلن.

لا أحد من مصلحته أبدًا أن تتعرض مصر لأزمات كبرى، ولا يمكن تصور أن هناك حلًا قد ينتج عن تأزم الوضع الاقتصادى أو ما قد يولده انفجار اجتماعى، لكن تجنب ذلك يحتاج لخارطة طريق واضحة ومحددة ومحل توافق واسع، ولأفق سياسى جاد وحقيقى يفتح الكثير من الأبواب المغلقة ويحل كثير من الملفات العالقة والمؤجلة، وهذا هو المدخل الجاد والصحيح لمواجهة الواقع القائم وأزماته ومشكلاته، وليس إعادة إنتاج ما سبق لا على مستوى السياسات ولا الممارسات.

 

التعليقات

موضوعات ذات صلة