السبت, يناير 17, 2026
spot_img

زينة رمضان وموائده كمؤشرات للتضخم في مصر

اضطر محمود عبد الرحيم، رئيس اتحاد ملاك عقار في منطقة مصر القديمة، إلى استبدال زينة رمضان الكهربائية بأفرع ملونة من البلاستيك، بعدما اعترض سكان العقار على ارتفاع الأسعار وطلبوا دفع مبلغ مالي بسيط.

يقول “عبد الرحيم”: “من خمس سنين كان السكان بيجمعوا مبلغ كبير نشتري منه ستة أفرع من الإنارة.. نعلق أربعة على جانب العمارة، واتنين على شكل بوابة للمدخل، والسنة دي فيه ناس كتير مدفعتش واضطرينا نجيب زينة ورق بس تقضي يومين رمضان وبعدها تتقطع”.

يُمكن اعتبار زينة رمضان وغيرها من عادات هذا الشهر مؤشرًا حقيقيًا لقياس تأثير مستوى التضخم على المواطنين في السنوات الخمس الأخيرة.

وقد ارتفعت أسعار أحبال الليد المضئية العازلة للمياه بشكل ملحوظ مع تراجع سعر صرف الجنيه أمام الدولار؛ ليبلغ طول الفرع الواحد (60 مترًا) 1400 جنيه في المتوسط، ما يعني أن وضع أربعة أعمدة على العقار يتطلب 5600 جنيه بخلاف أتعاب الكهربائي.

يضيف “عبد الرحيم”: “الغلاء مأثر على الناس كلها.. حتى مائدة الرحمن اللي كانت في الشارع السنتين اللي فاتت ما اتعملتش السنة دي.. المسؤولين عنها اكتفوا بتوزيع شنط رمضان على الناس قبل بداية الشهر”.

موائد الرحمن.. تراجع ملحوظ بالأعداد

يعتبر نشاط محال الفراشة وتأجير الطهاة أحد المعايير الأساسية للحكم على مدى زيادة أعداد موائد الرحمن في الشوارع التي اختفى بعضها عن أماكنها المعتادة، خاصة حي السيدة زينب بوسط القاهرة.

يستفيد أصحاب محال الفراشة بشهر رمضان أكثر من حفلات الزفاف؛ فرغم انخفاض قيمة تأجير الكراسي ومفروشات الخيامية لموائد الرحمن إلا أن استدامة الطلب عليها طوال الشهر يعطي عائدًا أفضل.

اقرأ أيضًا: الجنيه والأسعار.. 8 أسئلة يبحث المواطن عن إجاباتها بعد “اصطباحة الأربعاء”

وتتباين أسعار الفراشة على حسب عدد الكراسي وتوفير خدمات الضيافة وكمية المفروشات التي يتم الاستعانة بها وتصل في بعض المناسبات إلى 20 ألف جنيه مقابل الليلة (مصطلح مجازي يشير إلى فترة زمنية لا تتعدى حوالي 4 ساعات فقط).

وفقًا لأحمد حسن، عامل بمحل فراشة بوسط القاهرة، فإن المحل الذي يعمل به لم يؤجر فراشة قماش إلا لمائدة واحدة فقط في العام الحالي، بينما طلبت مائدة أخرى الكراسي والطاولات فقط دون أي مستلزمات أخرى .

يضيف حسن: “مع ارتفاع أسعار الأكل الناس بتحاول توفر في تكاليف الموائد.. بالنسبة لهم بند الفراشة هو الأسهل.. وفيه ناس تانية عملتها في الشوارع الجانبية وفرشت حصير بلاستيك على الأرض، والناس تقعد عليها عشان توفر في الفلوس”.

واشترطت المجالس المحلية، من أجل منح الموافقة على إقامة الموائد الرمضانية، الابتعاد عن الطريق العام لمنع تعطل حركة المرور، ومعاينة المواقع المحددة لإقامة الموائد، والحصول على الموافقة الأمنية، وتوفير الأمان والحماية المدنية.

أحمد وليد، طاه متخصص في حفلات الزفاف، كان يتعاقد مع مائدة رحمن طوال شهر رمضان في حي السيدة زينب، لكن هذا العام قرر صاحب المائدة الاكتفاء بتوزيع “كروتونة رمضان”.

وقد أظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ارتفاع التضخم السنوي لأسعار المستهلكين بالمدن المصرية إلى 35.7% في فبراير مقابل 29.8% في يناير، مدفوعًا بشكل أساسي بارتفاع أسعار المواد الغذائية والمشروبات.

ارتفاع أسعار الغذاء

كان قسم الطعام والمشروبات البطل الرئيسي في ارتفاع مستوى التضخم في شهر فبراير، بعدما سجل ارتفاعًا قدره 48.5% بسبب ارتفاع أسعار مجموعة الحبوب والخبز بنسبة 47%، ومجموعة اللحوم والدواجن بنسبة 42.9%، ومجموعة الأسماك والمأكولات البحرية بنسبة 47.9%، ومجموعة الألبان والجبن والبيض بنسبة (46.8%)، ومجموعة الزيوت والدهون بنسبة (35.5%)، ومجموعة الفاكهة بنسبة 46.7%، ومجموعة الخضروات بنسبة 74.3%.

يقول “وليد” إن أصدقائه العاملين في المطاعم يشكون أيضًا من انخفاض أعداد الوجبات التي كانت تطلب منهم قبل الإفطار لتوزيعها على الفقراء في الشوارع من قبل الميسورين، والتي كانت تصل في بعض الأحيان لـ 200 وجبة في اليوم الواحد.

وبحسب الطهاة، تحتاج مائدة الرحمن الواحدة يوميًا التي تكفي 400 شخص إلى (100 دجاجة مع 70 كيلو أرز و60 كيلو بسلة مع الجزر)، ما يعني 23 ألف جنيه للدواجن وحدها وقرابة 2000 جنيه للأرز، و1500 جنيه للبسلة والجزر بخلاف أجر الطاهي والفراشة وتكاليف الطهي.

وتراجع عدد موائد الرحمن من 200 ألف مائدة عام 2012 حسب إحصاءات المركز المصري لدراسات الإعلام والرأي العام، إلى 15 ألف مائدة فقط في 2023، لكن لم يتم إجراء إحصاء حتى الآن عن العدد في 2024 بعد مرور 3 أيام من الشهر الكريم.

اقرأ أيضًا: المصريون يثقون في “البلاطة” أكثر من الحكومة

وموائد الرحمن عادة مستمرة منذ عهد السلطان أحمد بن طولون عام 880 ميلادية حينما أقام مائدة لكبار التجار والأعيان استمرت طوال شهر رمضان، لتشجيعهم على تكرار الأمر ذاته مع الفقراء، واستمرت من بعده إلى الآن.

ياميش رمضان

شهد العام الحالي ارتفاعات قياسية في أسعار ياميش رمضان تجاوزت 150%، فالمشمشية تصل إلى 740 جنيهًا للكيلو مقابل 380 جنيهًا للكيلو في 2023 و220 جنيهًا للكيلو في 2022، وارتفعت القراصيا المجففة لتصل إلى 480 جنيهًا مقابل 230 جنيهًا في 2023 و140 جنيهًا في 2022.

تقول فاطمة ناصر، ربة منزل: “نزلت عملت جولة في المحلات.. الأسعار كلها غالية.. ما جبناش ياميش رمضان زي ما اتعودنا.. المكسرات بقت نار… اكتفينا بتمر رطب وتمر هندي وسوبيا.. هي دي الحاجات اللي نقدر عليها السنة دي”.

تضيف: “حتى العزايم السنة دي ماحدش بيعزم حد.. لا قرايب ولا أصحاب.. أقل عزومة عايزة مش أقل من 2000 جنيه.. الناس كلها بقى مبدأها اللي يعوزوه البيت يحرم على الجامع.. أسرتنا على سبيل المثال طول عمرها بتفطر أول يوم بط وحمام في رمضان ده فطرنا فراخ ورز وخضار بس”.

تستورد مصر جميع منتجات الياميش من الخارج خاصة السوقين الإيرانية والتركية. وقد تسبب ارتفاع أسعار صرف الدولار في قفزة كبيرة للأسعار جنبًا إلى جنب مع تراجع كميات الاستيراد بنسبة 60% عن العام الماضي بسبب عدم قدرة المستوردين على توفير العملة.

محمد الشيخ، عضو شعبة العطارة بالاتحاد العام للغرف التجارية، توقع تراجع مبيعات الياميش خلال العام الحالي إلى النصف بعدما زادت الأسعار بنسبة لضعف بسبب سعر صرف الدولار وارتفاع أسعار الخامات المستوردة..

وتنازل المواطنون عن الجودة في شراء احتياجات رمضان للعام الحالي إذ بحثوا عن الأرخص أيًا كان نوعه مع تقليل الكميات لأقصى درجة ممكنة، خاصة مع زيادة أسعار أبسط منتجات رمضان كالبلح الذي قفز بنسبة 30% ليسجل أردأ نوع بالسوق 30 جنيًها للكيلو.

وبحسب شعبة العطارة، فإن المستهلكين حاليًا يقللون حجم مشترياتهم إلى عينات فقط من كل سلعة، إذ يوضح الشيخ أن جميع الياميش المطروح بالخارج مستورد ما عدا بعض أنواع الزبيب المحلي بينما ارتفاع أسعار المستورد منه تبدأ من 95 إلى 180 جنيهًا.

التعليقات

موضوعات ذات صلة