ركائز الإصلاح

 

نشهد الآن وللأسف الشديد موجة غير مسبوقة من تبعات انهيار العملة الوطنية وسقوط عشرات الملايين من المصريين في دوامة الإفقار التي يؤدي إليها ذلك، واختفاء دور الدولة من مختلف مجالات حماية المواطن مثل الصحة (ارتفاع أسعار الخدمات الصحية الحكومية مع انهيار جودتها وهجرة الأطباء بأعداد رهيبة للخارج أحد مؤشرات ذلك) والتعليم (انهيار التعليم الحكومي تماما وانخفاض مستوى الخريجين وزيادة مستويات التسرب من التعليم بشكل يهدد أى فرصة للإصلاح في المستقبل) ناهيك عن التراجع غير المسبوق للحريات وتطبيق القانون والرقابة على الأسواق ومكافحة الفساد. وفي مواجهة كل ذلك نقول إن الديمقراطية هي الحل.

 

فكيف يمكن للديمقراطية أن تكون طوق الإنقاذ؟

يرتكز الإنقاذ المطلوب على أن يكون تحسين أحوال المواطن هو الغاية والمقياس، ويعتمد ذلك أولا على الصدق والصراحة والتوقف عن تسمية الأشياء بغير مسمياتها، فلا يمكن أن يٌبنى الإصلاح والتقدم على المراوغة والتضليل التي تشتهر بها الحكومات الاستبدادية عادة، فالتجميل المستمر للحقائق القبيحة وإخفاء الحقائق المؤلمة قد يخدع المسؤولين ويصور لهم عالم خيالي لا أثر له على أرض الواقع ولكنه نادرا ما يخدع المواطن الذي يعيش ذلك الواقع بنفسه.

الركيزة الأولى: الحرية

ولذلك فمن أهم ركائز الديمقراطية هي الحرية، حرية التعبير وحرية الصحافة والإعلام وحرية التجمع والتنظيم فعندما يصبح المواطن حرا في التعبير عن آرائه وتصبح الصحافة حرة في انتقاد المسؤولين يتحول المواطن لسيد في وطنه ويصبح المسؤول مسؤول بحق، أى أنه يُسأل عن أفعاله وتصرفاته وقراراته فينفضح الفاسد ويستقيم المعوج ويخشى الكبير من الهفوات ويٌجبر الصغير على أن يكون كبيرا في تحمله للمسئولية.

أما عند غياب الحريات تترهل قدرات المجتمع على تحميل المسؤول مسؤوليته فيتجرأ الفاسد الصغير على توسيع مدارات فساده ويتمكن الفاسد الكبير من التنكيل بأى شريف يعارض فساده ويخشى الشريف من تبعات معارضته للفاسدين.

وعندما يصبح للمواطن الحق في الاجتماع بحرية مع أقرانه والحق في إنشاء الجمعيات والنقابات والأحزاب والتكتلات العلنية تتراجع عندها المخاوف من نشأة التنظيمات السرية العنيفة لأن الناس عادة ما ينضمون لتلك التنظيمات عندما لا يكون غيرها على الساحة، أما وقد وجدت الحرية للتنظيمات للتعبير عن نفسها والتنافس بينها وبين بعض على جذب الأعضاء وإفراز القادة وصياغة الخطابات والمواقف الجادة فيتراجع دور التنظيمات السرية المغلقة لصالح ازدهار العمل المجتمعي والتنافس السياسي الصحي الذي تنشأ عنه النخب البرجماتية العاقلة التي تعمل بكل قوتها على خدمة المواطن.

 

الركيزة الثانية: دولة القانون

كم من قانون لا يطبق ومواد دستورية يضرب بها عرض الحائط بحجة أن الظروف لا تسمح؟ من أهم ركائز الديمقراطية هو حكم القانون، وبمجرد أن تلتزم الحكومات بحق بأن يكون القانون – لا المزاج - هو الحاكم تتطور الأمور للأفضل بشكل لا يمكن حصره في مقال واحد. فعندما يحكم القانون لا يكون هناك مكان للممارسات التي تهدر حقوق المواطن وآدميته كإنزال عقوبات غير قانونية بالأفراد مثل التعذيب في المقرات الأمنية أو مصادرة الممتلكات الشخصية. كما تتراجع الممارسات التي تهدر شرعية نظام الحكم مثل تزوير الانتخابات العامة أو إهدار أحكام القضاء أو ترقية غير المستحقين للترقية أو إسناد المؤسسات لغير المؤهلين لإدارتها.

كما يؤدي استقرار الحكم بالقانون أن تصبح المجالس المنتخبة هي مركز السلطة لأنها المسؤولة عن وضع القوانين وبالتالي تتوزع مسئولية القرار على أوسع شريحة ممكنة من المواطنين المنتخبين ويؤدي ذلك لأن تعود السلطة للمواطن الذي يختار أعضاء تلك المجالس ويناقشهم في قراراتهم بل ويتحمل تبعات اختياره، وبالتالي تتطور مع الوقت قدرة المواطن على حسن الاختيار والتعلم من الأخطاء فيستقر المجتمع على المدى البعيد.

ويترتب على ذلك الاستقرار الاجتماعي الناشئ عن الثقة – الحقيقية لا المصطنعة - في مؤسسات الدولة نمو للنشاط الاقتصادي وللنشاط العلمي والرياضي، الخ. فعندما يثق المواطن أن الوطن يعمل كل ما يمكن من أجله يعمل كل ما يمكنه من أجل الوطن ويتحول جهد كل فرد للبنة تساهم في تقدم المجتمع كله وتنفتح أبواب الأمل أمام الجميع.

اقرأ أيضًا:قمعوا ضحكة الصغيرات وكأنها “خطية”.. فتركت خدمتي في الكنيسة

 

الركيزة الثالثة: الانفتاح

عندما تسود دولة القانون، والشفافية التي تتسم بها، خاصة عندما تعمل المجالس المنتخبة على وقف النزيف المستمر للضرائب والرسوم والجبايات التي يعاني منها المواطن بدون داعي، وتتحول المؤسسات الاقتصادية الكبرى لمؤسسات مساهمة في الناتج القومي بدلا من ضخ الأموال في خزائن كيانات سرية لا يعلم أحد عنها شيئا، يصبح من السهل على المواطنين خلق الثروات بطرق مشروعة، وينعكس ذلك بالضرورة على قدرتهم على التشغيل وخلق فرص العمل جديدة، ويؤدي ذلك بالضرورة لرفع مستوى الخدمات التي يحصلون عليها وزيادة الطلب على التطوير المستمر للخدمات والمنتجات، وبالتالي يصبح السوق المصري جاذبا حقيقيا للاستثمار ولرؤوس الأموال المنتجة، كما أن تحسن أوضاع الحريات وحكم القانون يؤدي بالضرورة لتسهيل عودة الخبرات المصرية بالخارج بل ورفع مستويات الاستثمار في السياحة لمستويات لم نشهدها من قبل.

ولكل ذلك نقول، وبثقة، أن الديمقراطية هي الحل وأن أى حلول اقتصادية أو سياسية لا تهدف لإنجاز التحول الديمقراطي وترسيخ دولة القانون هي حلول وقتية لا يعول عليها.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة