يصدح صوت أوكا وصديقاه أورتيجا وشحتة في جدران غرفتي، أنتهز فرصة التواجد وحدي وأطلق العنان لمرح موسيقى الأغنية التسعينية "دلع بنات"، التي غناها مطرب مجهول اسمه رفيق عام 1999، وأحياها في وقت لاحق الثلاثي الأشهر بغناء المهرجانات بتوزيع أكثر صخبًا.
أفكك عضلات جسدي بعشوائية، أنفض ما تبقى من ثقل الجلوس على المكتب و"البحلقة" في الشاشة الإلكترونية على مدار الأسبوع، تصرف يبدو في غاية العادية والبداهة.. أغنية جنونية تحفز بكلماتها -التي لا تخلو من الفكاهة- هرمون السعادة لدى "ثلاثينية" تعيش في مكان ما فترقص في الوقت المتاح.. لكن الأمور ليست بهذه البساطة!
هي مرحلة احتاجت كثير من التصديق والتصالح مع النفس في مجتمعات تدس يدها في عقول النساء منذ الطفولة لحشوها بما يحيل الحرية إلى ذنب.
أنا وذنب القديسات
في وقت ما، كنت أتابع الأفلام الدينية المسيحية، وأحزن حين لا يجد جديد من إنتاج قصص القديسين والقديسات التي حفظت جميعها، واجتررت مشاهدتها مرات ومرات.. حلمت بالتمثيل في أفلام دينية، وقد كان..
طالما أنهكت أنفاسي بالبحث عن مسؤولي الإنتاج لأعرفهم بنفسي:
أنا مارسيل.. خادمة في الكنيسة، قمت بالتمثيل في العديد من المسرحيات الدينية، وأرغب بالانضمام إلى "كاست" أقرب فيلم ديني مسيحي، دون مقابل مادي، ما يهمني هو الرسالة الروحية التي سأقدمها لأجيال تؤمن بالفن الديني كبديل عن الترفيهي، ولجموع تعشق قصص القديسين/ات، من تحملت أجسادهم/ن أذناب السياط، وذاقوا/ن صنوف عذابات ابتكرها طغاة أرادوا القضاء على المسيحية.

ما أعظمها رسالة، كنت من أجل الظفر باستحقاقيتها أشعر بالذنب.. كثير من الذنب يحاوط يومي، إن رقصت، أو غنيت، أو تخيلت قبلة أبادلها لحبيب رسمت ملامحه من وحي مشاهير جيلي، وخلقت وجهًا جديدًا لا يشبه أحدهم، ذنب دفعني للبكاء والقلق المتواصل في كل مرة أشاهد فيلمًا دينيًا لقديسات في مثل سني.. أسأل نفسي عن قدرتهن على رفض كل المغريات المالية والسلطوية.
كيف ذهبن بإراداتهن مستسلمات لآلات التعذيب المبتكرة من عقول سادية، معلنات إيمانهن المسيحي...
أنا شريرة، وضعيفة، وإيماني ليس كإيمان القديسات.. دميانة، ومارينا، وبربارة، ورفقة، وغيرهن كثيرات، لا ملجأ لي سوى البكاء ومزيد من الأصوام والترانيم، عل الله يمن عليٓ بالقليل من هذه القدرات الخارقة.
بقيت حماستي الدينية وإن خفتت حدتها قليلًا، لكن لم تخفت دوافعي بنقل حب الإيمان لأخريات.. خدمت في الكنيسة، وأدرت أنشطة اجتماعية كنمط الأخت الخارقة في عالم النحل التي لا تكف عن نقل جيناتها.. أنهي خدمة في كنيسة ما لأبدأ جديدة في كنيسة أخرى.. أتعرف على أشخاص جدد كل يوم، تتوسع دوائري وتزداد معها حماستي وقدرتي على التأثير في غيري، موجة صغيرة تتحرك باندفاعة قوية فتتبعها دوائر من موجات تزعج سكون المياه الراكدة..
أكتب، أرنم، أمثل، أنظم رحلات، أتحدث منفردة في اجتماعات يحضرها عشرات فعشرات.
2008- خدمة الفتيات
نذهب كمجموعة فتيات وشباب من كنائس أحياء مصر الجديدة بالقاهرة إلى إحدى المناطق النائية التي اشتهر سكانها بـتجارة المخدرات والبلطجة وانتشار جرائم تليق بعشوائية الطرقات والمنازل، كنا نصلي كل مرة أن نخرج منها سالمين، نرتدي ملابس واسعة، لا مكياج، لا شعر مصفف، لا إكسسوارات، ولا أي مظاهر بهرجة، تعليمات صارمة ننفذها ونعيد قولها لأنفسنا كل مرة..ما يهمنا هو الوصول إلى بنات أسر تعيش في أجواء شديدة الغرابة والدرامية، فخدماتنا هذه المرة مخصصة لفتيات عزبة الورد- بحي الشرابية.

الأب والأم والكبار لا يشغلوننا، ربما يتغيرون قليلًا للأفضل إن تغيرت البنات.. لا نقدم عظات أو خطابات دينية، نتواصل مع الفتيات فقط، نصف ساعة كافية لكل بيت نزوره ويرتضي أهله دخولنا إن لم يشتمنا أحدهم أو يفتح لنا أب مترنح من خمر أو مخدر ما فنفر هاربين/ات.
نخبر البنات اللواتي نعرف بياناتهن مسبقًا، أن الكنيسة تفتح أبوابها لاستقبالهن، كانت غاية أمالنا أن تعرفن حياة أخرى أفضل وتتحسنّ ولو بقدر فتات سلوكياتهن.
ذنب الكيكة المكشوفة
في اجتماع مع الخادمات المسؤولات عن هذه الخدمة ناقشنا أول درس نلقيه بعد فترة نجحنا خلالها في إقناع عدد من الأسر باصطحاب بناتهن إلى رحلة على مدار 3 أيام في إحدى بيوت الكنيسة، مؤتمر روحي وترفيهي لم تعهده فتيات عزبة الورد من قبل.
3 أيام من الصلاة والترانيم والكلمات الروحية والأنشطة الترفيهية والرياضية، هذه المجموعة التي اخترناها كانت تحلم بالرحلة، هي رحلة العمر بالنسبة إلى فتيات عزبة الورد -والتي لا تحمل أي نصيب من اسمها- وقع اختيار الخادمات والمسؤولات عن الرحلة على موضوع الطهارة كموضوع رئيسي للمؤتمر.
3 أيام نخبر فيها فتيات قادمات من منطقة نائية تصاحبن على العشوائية وتحرشات واغتصاب الأقارب -نحن القادمات من عالم آخر غير عالمهن- عن الطهارة..
عن أي طهارة سنتحدث؟ كان سؤالي الذي قوبل بعاصفة من السخرية والتعجب باعتبار أن الفتيات في أشد حاجة إلى هذا الموضوع.
مرة أخرى حاولت فهم المنطق الذي تتحدث به شابات تعيش حياتهن بالطول والعرض، جئن من أحياء راقية لا تعرفن سوى صعوبات الدراسة ولا شيء يشغلهن بخلاف ماذا ترتدي كل منهن أيام الرحلة.
أي كلام بالتحديد سنقوله للمسكينات عن الطهارة وحياة المثالية التي نبعد نحن أنفسنا عنها ونود دسها في عقول الفتيات؟.. سألت.
أخبرتني إحداهن عن حكاية لقنتها لها "الراهبة" في مدرسة الراهبات عن تورتة جميلة معروضة للعامة، كل رجل يمر تغريه منظرها فيتذوق القليل منها، إلى أن جاء صاحب التورتة ليجدها فارغة ملطخة بأصابع الرجال من قبله.
جن جنوني.. هل جئنا لإخبار فتيات -وارد أن تكون بينهن من تعرضت لتحرش أو اغتصاب من أقرباء- أنهن كقطعة الكيكة التي ذاقها الجميع ودس رجال أصابعهم فيها بدلًا من تشجيعهن بقليل من الأمل؟
تبرأت من رد فعل الفتيات وإحباطهن من تلك الدروس الدافعة لمشاعر ذنب لم تقترفه الصغيرات، ما توقعته وجدته.. فتاة تبكي، ترتعش خوفًا بعد سماع القصة، وأخرى دخلت في نوبة قلق أحالت دون نومها قبل أن تخبرنا عن غصة تكاد تمزق قلبها بعد سماع حكايات الطهارة.
كبيلاطس البنطي" الامبراطور الروماني" حين تبرأ من دم المسيح، قلت للخادمات: بريئة أنا من هذه الأفكار القاسية وتأثيراتها الممتدة على نفوس الصغيرات.

ذنب أغنية طائرة
في خدمة جديدة وكنيسة جديدة اصطحبت مجموعة فتيات لنزهة طالما وعدتنا بها مسؤولة الخدمة منذ اليوم الأول للمؤتمر إن كنا مطيعات وملتزمات ببرنامج الرحلة.
كانت النزهة بمثابة مكافأة منتظرة تشتاق إليها الصغيرات اللواتي لم تتعد سنوات أكبرهن 15 عامًا.
بعد جلسة تأنيب عن تقصير الفتيات ومشاغبتهن وافقت أمينة الخدمة أخيرًا على النزهة المسائية لمدة ساعتين فقط، في حديقة مفتوحة مليئة بالكراسي والكافيتريات.
جلسنا في دائرة مغلقة تليق بكل تعليمات الأمينة الصارمة، نتحدث بصوت خافت، ونشم الهواء بحرية. نطلق ضحكات مكتومة التزاما لقواعد الأخلاق والتحلي بالهدوء طول أيام الرحلة.
جائنا من بعيد صوت موسيقى طائرة مع الأجواء.. بالكاد رنت ثلاثة أو 4 من الفتيات أياديهن بالتصفيق.. شاركتهن التصفيق نفسه، تحركت رأسي قليلا مع نغمات الأغنية الطائرة إلينا من بعيد..
فجأة..
تجمدت أيدينا مرة أخرى، وبلعت الفتيات ضحكاتهن في حلوقهن المرتعشة.
تصلبت ملامحنا.
تلجمت قليلًا كمن ضبط متلبسًا بجريمته.
بتعملوا إيه؟.. دي التعليمات اللي اتفقنا عليها.. هما دول بنات المسيح.. تصقيف وغنا وضحك؟
الخروجة انتهت!
وضعت أمينة الخدمة حدًا لانحرافاتنا.
نظرت إلينا كمن يتفحص مجرمات، وأنا زعيمتهن.
أنهت أمينة الخدمة نزهتنا وفرحة الفتيات التي طالما التزمن الكبت وانصعن لأوامرها المتعسفة من أجل الظفر بقليلها.
أحاطتني البنات بنظرات أسف وعشم في تغيير الموقف، لكني بكيت معهن ولم تنجح محايلاتي في تغيير شيء.
من أجل سقفة تجمدت في أيدي الصغيرات، ومشاعر ذنب تحيط بفتيات لا أذكر أسمائهن.
من أجل تروما تفزع نوم أخريات خوفًا من كلام عن طهارة مزعومة.
من أجل ضحكات أنثوية رنانة ابتلعتها حلوق البنات قبل إطلاقها.
من أجل انتهاز فرصة الرقص والحركة بحرية في غرفتي على أنغام مهرجان دلع بنات دون خوف من خروجي من تبعية الكنيسة، وانتظار لعنات تصبها فوق رأسي أمينات الخدمة.
من أجل "بلاي ليست" لا أخجل من عشوائيتها، أحملها أينما ذهبت، تتراص فيها أغاني المهرجانات مع كلاسيكيات أم كلثوم جنبًا إلى جنب ترانيم دينية.
من أجل فتيات لا أعرف كيف تشكلت حياتهن الآن، وهل أطلقن سراح ضحكاتهن أم لا تزل مربوطة بقيود الأدب والالتزام.
من أجلهن.. تركت خدمتي دون عودة.