"الحرية الشخصية حق طبيعي، وهي مصونة لا تمس .. ولكل من تقيد حريته، ولغيره، حق التظلم أمام القضاء من ذلك الإجراء، والفصل فيه خلال أسبوع من ذلك الإجراء، وإلا وجب الإفراج عنه فوراً. وينظم القانون أحكام الحبس الاحتياطي، ومدته، وأسبابه، وحالات استحقاق التعويض الذي تلتزم الدولة بأدائه عن الحبس الاحتياطي، أو عن تنفيذ عقوبة صدر حكم بات بإلغاء الحكم المنفذة بموجبه."
هذا هو نص المادة 54 من دستور آتى بعد ما سمى "بثورتين" والتي تنص على حرية الأشخاص وتنظم الإجراءات التي من الواجب اتخذاها في حال اضطرت السلطة التنفيذية المختصة غصب هذا الحق الطبيعي من أي مواطن وذلك بتقييد حريته.
الأصل أن الحبس عقوبة، يعاقب بها المتهم في حال ثبوت اتهامه في محاكمة قضائية عادلة اتخذت فيها كافة ضمانات الدفاع، وبالتالي لا يجوز إقرار عقوبة الحبس إلا بوجود حكم قضائي، إلا أن المشرع الجنائي قد رأى أنه لأسباب محددة ومعروفة ومنصوص عليها على سبيل الحصر، يمكن للنيابة أثناء التحقيق الابتدائي أن تصدر أمرا بحبس المتهم وتقييد حريته وجعلت ذلك الإجراء "حبسا احتياطيا".
إن الفلسفة التي رأى المشرع الجنائي تطبيقها عند نصه على إجراء الحبس الاحتياطي، هي فلسفة الضرورة. المجرمين المتمرسين، ومعتادي الاجرام، وهؤلاء المصابين باضطرابات السلوك الفوضوي والمعاديين للمجتمع – منهم 40 مليون شخص حول العالم حسب منظمة الصحة العالمية – والارهابيون وأفراد التشكيلات العصابية، مثل هؤلاء الذين من الضرورى وفق إجراءات التحقيق غل حريتهم بقيد احتياطي وذلك للحيلولة دون تمكينهم من الهرب خارج البلاد، أو العبث بأدلة الدعوى، أو التأثير على الشهود، أو تهديد المجني عليهم، بوجود هذه الأسباب أصبح من الضروري اللجوء إلى الحبس الاحتياطي كإجراء احترازي وليس كعقوبة تطبقها النيابة من تلقاء نفسها على المتهمين.
وكذلك يطبق اجراء الحبس الاحتباطي في الحالات التي يجب فيها على النيابة وقاية المتهم من احتمالات الانتقام منه، وتهدئة الشعور العام الثائر بسبب جسامة الجريمة، وذلك مثل جرائم الثأر أو جرائم الكراهية حتى لو كانت تلك الإجراءات هي المرة الأولى التي يوضع فيها المتهم موضع الاشتباه.
إلا أن الواقع العملي يفرض علينا أن نتكلم وبصدق عن تحول الحبس الاحتباطي من مجرد اجراء ضمن إجراءات التحقيق إلى عقوبة يعاقب بها المتهمون على ذمة القضايا، إذ يمضون في الحبس الاحتياطي مدد طويلة للغاية تهدر فكرة فلسفة الضرورة التي وضعها المشرع الجنائي، وكذلك تهدر الحقوق الدستورية للمتهمين في هذه القضايا.
ولا يخفى على أحد ممن يعمل بالقانون أن الحبس الاحتياطي أصبح أداة بيد النيابة العامة تأسر بها من تجرئ من المواطنين وقدم رأي مختلف، أو عبر عن رؤية سياسية مغايرة، أو حتى انتقد الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية عبر فيديو كوميدي على مواقع التواصل الاجتماعي، وغير ذلك من الاتهامات الفضفاضة، التي هي في اصلها حقوق دستورية تلازم شخصية المواطن.
إذا تجاوزنا مسألة عدم الالتزام بالنص القانوني لحدود المدد القصوى التي يجب مراعاتها عند اتخاذ قرار بحبس المتهمين احتياطيا، فإذا توافرت الأدلة أحيلوا للمحاكمة الجنائية، وإن لم تتوافر حتى ولو لم ينتهى التحقيق وجب الافراج عنهم فورا .. أقول فإذا تجاوزنا عدم تحقق هذا الالتزام القانوني في الفترة الأخيرة، فإننا نقع أمام مشكلة أخرى وهي حق المواطنين في التعويض عن حبسهم احتياطيا كل هذه المدة لأنه إجراء لم يتم تنظيمه من قبل المشرع الجنائي، والنص عليه في القانون على الرغم من أن الدستور قد ألزمه بذلك وفقا لنص المادة سابقة الذكر.
يخلق عدم التعويض عن الجور وشعور المتهم بالظلم، حالة من المظلومية المستمرة، وشعور بالغضب الذي ربما يتحول إلى رغبة بالانتقام أو عدم الإيمان بنظام العدالة ووجوب الانصياع إليه، مما يدخلنا في دوامة للا نهاية لها سوف تكلفنا سياسيا ومجتمعيا من الأثمان ما لا نقدر عليها.