الدولار بـ 47 ولا 53.. ما الذي سيُحدثه موسم الصفقات بالجنيه؟

لا حديث في الشارع المصري، حاليًا، يعلو على مستقبل الجنيه المصري أمام الدولار مع تراجع الأخير بالسوق السوداء، متأثرًا بضخ 15 مليار دولار من حصيلة صفقة "رأس الحكمة" بالساحل الشمالي مع الإمارات، والحديث عن صفقة أخرى في "رأس جميلة" على شاطئ البحر الأحمر مع السعودية.

تراجع الدولار بالسوق السوداء حاليًا لمستوى ما بين 40 و42 جنيهًا، فاقدًا نحو 40% من قيمته بعد توقيع صفقة "رأس الحكمة" قبل أكثر من أسبوع، وسط زيادة في المعروض ونقص في الطلب، وحالة تذبذب سعرية.

وحصلت الحكومة المصرية على الدفعة الأولى من الصفقة الإماراتية البالغة 15 مليار دولار، منها 5 مليارات دولار وديعة إماراتية بالبنك المركزي المصري، من قيمة الصفقة البالغة 35 مليار دولار، على أن تحصل خلال شهرين على باقي قيمة الصفقة.

وتتوقع مؤسسة "فيتش" للتصنيف الائتماني أن تؤدي صفقة "رأس الحكمة" لتعزيز سيولة النقد الأجنبي، خاصة مع وجود حوافز لصندوق النقد الدولي للموافقة على برنامج دعم معزز لمصر، من شأنه أن يسهل تمويلًا إضافيًا من الشركاء متعددي الأطراف، والشركاء الرسميين الآخرين.

لكن "فيتش" ترجح حدوث تخفيض لسعر صرف الدولار رسميًا، ما من شأنه دعم زيادة تدفقات التحويلات المالية واستثمارات المحافظ، والتي كانت مقيدة بالتوقعات بشأن مزيد من التخفيض في قيمة الجنيه المصري، والقضاء على سعر الصرف الموازي.

وبحسب الوكالة الدولية، فإن الاتفاق يمنح الحكومة متنفسًا تشتد الحاجة إليه للتمويل الخارجي لمصر، ويمثل فرصة لاستعادة الثقة، لكن استمرارية التحسن نفسها، ستعتمد على تنفيذ الإصلاحات لمنع تجدد الاختلالات، مثل نظام أكثر مرونة لسعر الصرف وسياسات لتطوير الاقتصاد.

هل يُقدم البنك المركزي على تعويم جديد؟

رجل الأعمال سميح ساويرس يقول إن صفقة "رأس الحكمة" أقرب للمساعدة، لكن الاستثمارات الأجنبية المباشرة لن تتدفق إلا بحل أزمة سعر الصرف، حتى يمكن للمستثمرين دراسة جدوى المشروعات سواء بالجنيه المصري أو بالدولار وتحديد آلية تحويل الأرباح.

اقرأ أيضًا: متى تعوّم مصر الجنيه؟

"ساويرس" ليس لديه أي اهتمامات بالاستثمار في مصر حاليًا، وهو كغيره من رجال الأعمال ينتظر لحين توحيد سعر الصرف بين السوقين الرسمية والموازية، وتخفيض الجنيه رسميًا لمساعدة المستثمرين في إدارة أعمالهم، كما يقول.

وخفض البنك المركزي المصري سعر العملة ثلاث مرات خلال عامين اثنين فقط إلى نحو 70% من قيمتها منذ مارس 2023، وتحديدًا بداية الأزمة الروسية الأوكرانية، وخروج 22 مليار دولار من الأموال الساخنة دفعة واحدة، بحثًا عن العائد الأعلى، مع رفع الاحتياطي الفيدرالي "البنك المركزي الأمريكي".

يرى صندوق النقد الدولي أن الجنيه لا يزال مقومًا رسميًا بسعر أعلى من قيمته، معتبرًا أن مرونة سعر الصرف تحمي الاقتصاد من التقلبات الخارجية التي قد تنعكس سلبًا في بعض الأحيان عليه.

ووفقًا لبنك "جولدمان ساكس"، فإن صندوق النقد توصل إلى اتفاق مبدئي مع مصر بشأن صفقة جديدة تتضمن استكمال المراجعة الأولى والثانية المؤجلة للبرنامج الأخير. والتمويل البالغ 12 مليار دولار المتوقع سيشمل توزيعًا يُقدر بـ 7 مليارات دولار من صندوق النقد و5 مليارات دولار من شركاء خارجيين، في الأغلب خليجيين.

وبحسب البنك الأمريكي، فإن مصر تحتاج إلى 26 مليار دولار لاستعادة أداء سوق الصرف الأجنبي، وتعزيز الثقة في الجنيه المصري، والوفاء بالتزاماتها المُلحة كسداد أقساط القروض.

ويقول خبراء إن تعويم الجنيه لن يحدث إلا بعد حصول الحكومة على عائد صفقة "رأس الحكمة" بالكامل لتوفير السيولة اللازمة بالبنك المركزي، والتي تمكنه من الدفاع عن الجنيه مع صدور قرار التعويم، مرجحين أن يكون تحفيض الجنيه رسميًا عند مستويات 37 (+/- 3) أي ما يتراوح بين 35 و40 جنيهًا.

الجنيه يرتفع في العقود الآجلة والسندات

وارتفعت قيمة الجنيه أمام الدولار في العقود الآجلة غير القابلة للتسليم لأجل 12 شهًرا خلال تعاملات يوم الجمعة الماضي إلى 50 جنيهًا للدولار، وهو أعلى مستوى للعملة المحلية في قرابة الـشهرين.

وفي الوقت ذاته، ارتفعت السندات السيادية المصرية بالدولار بنحو 5 سنتات، في أقوى مستوى منذ حوالي عامين ليتم تداول السندات الأطول أجلًا بسعر يتراوح بين 72 و75 سنتًا، لتتجاوز مستًوى 70 سنتًا الذي يفصل الديون عن الوسم بـ"التعثر".

"تحريك سعر صرف الجنيه أمام الدولار حتمي. لكن، الأمر لا يخلو من متغيرات تحسم موعد التنفيذ؛ أهمها حجم التدفقات التي يحصل عليها البنك المركزي، ومدى قدرتها على تلبية الأولويات الاستيرادية وسد الفجوة التمويلية"؛ تقول منى بدير، محللة الاقتصاد الكلي لدى بنك الاستثمار "برايم".

وكان بنك "جولدمان ساكس" العالمي قد توقع انخفاض قيمة الجنيه رسميًا لما بين 45 و50 جنيهًا، وذلك قبل الكشف عن تفاصيل البرنامج الجديد لصندوق النقد الدولي وصفقة "رأس الحكمة" التي غيرت المعادلة.

وبحسب "بدير"، فإن تراجع سعر الدولار في السوق الموازية أخيرًا أمر "إيجابي". لكن، لا تزال هناك ضغوط على العملة المحلية، خاصة وأن التدفقات الدولارية التي جاءت لمصر تتضمن جزءًا من الودائع التي كانت موجودة في الاحتياطيات الأجنبية.

ما القيمة العادلة للجنيه؟

يقول هاني توفيق، رئيس الجمعية المصرية للاستثمار المباشر سابقًا، في تصريحاته لـ"فكر تاني"، إن "قيمة أي عملة تحدد نظريًا بما يُسمى القيمة الشرائية المتكافئة، وباختصار هي القيمة الشرائية لنفس السلة من السلع والخدمات التي يمكن شرائها من مصر وأمريكا، فإذا كنا نهدف لتقييم الجنيه بالنسبة للدولار الأمريكي، فإننا نقارن سعر سلة من السلع بمصر وسعرها في الولايات المتحدة".

للاطلاع على ملف رأس الحكمة.. اضغط هنا

على سبيل المثال، إذا كانت سلة سلع تُشترى في مصر بـ 100 جنيه، وفي أمريكا بـ 5 دولارات، تكون القيمة العادلة للدولار الأمريكي حاصل قسمة الـ 100 على الـ 5، أما القيمة السوقية لأى عملة أو سلعة، فتتحدد في ضوء تقاطع منحنيي العرض والطلب على هذه العملة أو السلعة.

ويضيف "توفيق" أن جانبي العرض والطلب أصابهما العديد من العطب، بعد فترة طويلة من التوازن بين مدخولات ومخرجات الدولة الدولارية، وأدى هذا العطب إلى انخفاض العرض بسبب كل من المضاربة على العملة، والادخار للتحوط، وطمع التجار، وانتشار السوق السوداء بمصر، واهتزاز المركز المالي للجهاز المصرفي، من حيث توفر العملات بسبب هروب الأموال الساخنة، وأخيرًا الطلب الحكومي الإضافي على الدولار، لسداد المديونيات العاجلة.

47 جنيهًا على مؤشر "بيج ماك"

هناك العديد من التقديرات غير الرسمية التي يتم تسويقها للقيمة العادلة للجنيه من ناحية القيمة الشرائية المتكافئة، أشهرها "بيج ماك" وفقًا لمحمد البرماوي محلل أسواق المال، الذي يقول لـ"فكر تاني"، إنه وفقًا لمؤشر "بيج ماك" فإن القيمة العادلة للدولار هي 47 جنيهًا.

وبحسب "البرماوي"، فإن مؤشر "بيج ماك" الذي ابتكرته صحفية "الإيكونوميست" عام 1986، يعتمد على تعادل القوة الشرائية للسلعة الواحدة في البلدين، ويختار" ماكدونالدز" لأن لها عقود فرنشايز تُلزم وكلائها في 100 دولة باتباع معاييرها فيما يتعلق بالمكونات والجودة، وبالتالي السلعة تقدم بالطريقة والمكونات والجودة ذاتها في جميع الدول.

وإذا كان سعر الساندوتش في أمريكا 5.30 دولار وسعره في مصر 55 جنيهًا، فإن هذا يعني أن الدولار في "بيج ماك" يساوي 10.26 جنيه، وهو سعر غير معبر عن الواقع. ولتحقيق التوازن يتم خصم سعر صرف الدولار في "بيج ماك" من سعره بالبنوك الذي يعادل 30 جنيهًا تقريبًا ليصبح الفارق (19.74 جنيه)، وإضافة الناتج للطرفين ليصبح الدولار يساوي 49.74 جنيه، ويتم خصم 2.74 جنيه في المؤشر المعدل، لتلافي الفروق بين الدخل في البلدين، ليصبح السعر العادل في "بيج ماك" للدولار مستقبلًا 47 جنيهًا.

53 جنيهًا بحسابات سعر سهم "التجاري الدولي"

ويربط بعض المحللين القيمة العادلة للجنيه بسعر سهم البنك التجاري الدولي في بورصتي مصر ولندن على حد سواء؛ فإذا كان يُتداول في الأولى عند 71 جنيهًا وفي بورصة لندن بمتوسط سعر 1.3 دولار، تصبح القيمة العادلة له 53 جنيهًا، لكن يعيب هذا التقدير التقلبات المستمرة لسعر الأسهم بين الهبوط الانخفاض والأخبار الإيجابية عن السهم ذاته التي تعزز من الطلب.

صندوق النقد لن يتنازل عن تخفيض الجنيه

"مرونة سعر الصرف أحد المطالب الأساسية لصندوق النقد حتى يبدأ في ضخ التمويل الإضافي.. مرونة سعر الصرف يجب أن تتم على مراحل؛ أولها التحريك من السعر الرسمي 31 إلى أعلى قليلًا"؛ كما يقول الدكتور فخري الفقي، رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، يقول:

ويضيف أن هناك صيغة رياضية لدى الصندوق لحساب سعر الصرف الحقيقي، وهي تعتمد على حساب سعر صرف الجنيه بالنسبة للدولار وعملات الشركاء التجاريين كالاتحاد الأوروبي والصين.

ويتوقع سمير صبري، مقرر لجنة الاستثمار الخاص المحلي والأجنبي بالحوار الوطني، أن يصل انخفاض الدولار في السوق الموازية "السوداء" خلال الفترة المقبلة إلى 37 جنيهًا في ظل امتلاك الحكومة خطة شاملة لتحقيق الاستقرار في أسعار الصرف.

ويقدر "صبري"، في سلسلة تصريحات إعلامية أخيرًا، القيمة الحقيقية للدولار بأنها قريبة جدًا من البنك المركزي، كاشفًا عن إجراء دراسة عميقة تتم الآن لتحديد أفضل سعر للدولار يساعد على تشجيع التصدير وتدفق الاستثمار الأجنبي.

وبحسب إدارة البحوث بشركة أسطول للاستثمارات المالية، فإن السعر العادل للجنيه مقابل الدولار حاليًا عند 40 جنيهًا، لكنها رجحت أن يخفض المركزي الجنيه لـ 45 جنيهًا في بداية التحريك بسعر أعلى 20% من القيمة العادلة.

لماذا تحديد سعر الدولار "أمر معقد"؟

تعتمد الاقتصاديات في تحديد سعر الصرف على "التوازن"، وهو السعر الذي يسمح للاقتصاد بتحقيق التوازن الداخلي والخارجي في الأمد المتوسط، ويتحقق "الداخلي" عندما يستخدم جميع موارد الاقتصاد المتاحة للإنتاج دون الضغط على الأسعار، أما الخارجي ففيه يتماشى رصيد الحساب الجاري مع أساسيات الدولة الديموجرافية وأساسيات الاقتصاد الكلي وعلاقاتها مع شركائها التجاريين.

"النظريات الخاصة بالقيمة العادلة للعملة يمكن تطبيقها في الأسواق الناضجة التي تتضمن شفافية مؤشرات تُمكن بنوك الاستثمار والمتخصصين من قراءة السوق. خذ على سبيل المثال الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي؛ يعقد مؤتمرات اقتصادية كل فترة دون إصدار قرارات، فقط للرد على الأسئلة ومعرفة التوجهات المستقبلية"؛ يقول هاني أبو الفتوح، الرئيس التنفيذي لشركة الراية للاستشارات لـ"فكر تاني".

فالسعر العادل يحدث حينما تتلاقى قوى العرض والطلب باستدامة. والأمر كله مرهون بحسن استغلال الموارد الدولارية الكبيرة التي حصلنا عليها، وأن يتم توجيهها لأنشطة إنتاجية، وليس مشروعات بنية تحتية أو عقارية كما يحدث، كما يقول الخبير الاقتصادي.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة