تقارير وشهادات مروعة عن نساء وأطفال غزة

مع بدء عملية الإبادة الجماعية للفلسطينيين في قطاع غزة واستخدام الكيان الصهيوني كل أدواته المنافية لكل القوانين الدولية والدينية والأخلاقية، كان تأثير هذه الممارسات مروعًا على النساء والأطفال والفئات المهمشة الأُخرى، حيث سُجّل سقوط أكثر من 8 آلاف شهيدة و12 ألفًا و345 طفلًا من إجمالي عدد الشهداء البالغ 29 ألف شهيد، بينما لا يزال 4 آلاف و700 امرأة وطفل ضمن عداد المفقودين حتى اللحظة، وفق الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني. كما أن هناك 690 ألف امرأة في سن الإنجاب (15-49 عامًا)، وأكثر من ألفين و784 امرأة أصبحن أرامل وربات أسر جدد بعد وفاة شركائهن، وكل ساعة يتم قتل اثنتين من الأمهات، في ظل استمرار حرب الإبادة على القطاع.

وقد عرضت الأمم المتحدة تقريرًا حول أوضاع النساء والأطفال في غزة، أفاد بأن الاعتداء على كرامة المرأة الفلسطينية وحقوقها اتخذ “أبعادًا جديدة ومرعبة” منذ السابع من أكتوبر 2023، حيث أصبح الآلاف منهن ضحايا “لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية التي تتكشف”.

وأشار التقرير إلى أنه حتى الثالث من نوفمبر كان هناك ما يقدر بنحو 67% من القتلى في غزة من النساء والأطفال، من بينهن صحفيات وطواقم طبية وموظفات في الأمم المتحدة وعضوات في منظمات المجتمع المدني. وعلى الرغم من أن جميع النساء والفتيات قد عانين جراء هذا الصراع، إلا أن الأثر كان مدمرًا بشكل خاص بالنسبة للأمهات اللاتي قُتل العديد من أطفالهن أو تم تشويههم أو إصابتهم بجروح خطيرة أو لا يعرفن مكان وجودهم حتى الآن.

وتُظهر هذه الإحصاءات أن تأثيرات حرب الإبادة تركزت، بصورة كبيرة، على النساء كونهنّ يحملن الجيل القادم، ولهن دور مركزي في النضال والقضية الفلسطينية بإنجاب الأجيال الفلسطينية القادمة، وهو استهداف بالإبادة يتسق مع الفلسفة الصهيونية التي عبرت عنها سابقًا نصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أريئيل شارون: "المرأة الفلسطينية والطفل خطران أكثر من الرجل، لأن بقاء طفل واحد معناه استمرار عدة أجيال". وهو ما حدث سابقًا في مذبحة دير ياسين 1948 مع النساء اللائي بُقرت بطونهن، ومع النساء اللواتي كن يعملن في قطاف الزيتون في مجزرة كفر قاسم.

وقد أظهرت دراسة منهجية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة أن هناك نمطاً متغيراُ في الخسائر بالأرواح بين الفلسطينيين خلال الأعوام من 2008 حتى 7 أكتوبر الماضي، حيث شكلت الضحايا من النساء والفتيات 14% قبل 7 أكتوبر، مقابل 70 % من النساء والأطفال بعد هذا التاريخ.

قتل واغتصاب نساء غزة

بحسب ما وثق المرصد الأورومتوسطي، فقد جرى تنفيذ إعدامات ميدانية للنساء، ومنهن مسنات، في مناطق شمال غزة خلال الاجتياح البري، مع انتشار القناصة، وهو ما أكدته شهادة ميدانية عن استهداف سيدة بقناصة الاحتلال أثناء تجهيز سفرة الطعام داخل منزلها في منطقة اليرموك: "كنت بداخل بيتي وبفكر أنه شوية أمان، يعني حتى ما طلعت على السطح لأولع نار أطبخلهم عشان القناصة والقصف، بس استهدفوني وأنا بجهز مفرش نايلون لياكلوا عليه الأولاد".

كذلك جرى استهداف سيدة بقذيفة دبابة أثناء نزوحها من منطقة حي الدرج وسط غزة عقب تساقط قذائف المدفعية على مدرسة الإيواء ما أدى إلى استشهادها على الفور وفق ما ورد عن تقرير لمؤسسة الدراسات الفلسطينية.

وقد أعرب صندوق الأمم المتحدة للسكان عن شعوره بالفزع إزاء تقارير بشأن ضباط إسرائيليين جردوا نساءً وفتيات فلسطينيات في غزة من ملابسهن واغتصبنهن أو أعدموهن.

وأضاف الصندوق في منشور له على حسابه بمنصة إكس أن التقارير تفيد بتعرض نساء وفتيات فلسطينيات في غزة للضرب أو الاعتقال أو الإهانة أو الاغتصاب أو الإعدام على يد ضباط إسرائيليين.

وجاء ذلك في بيان مشترك حمل توقيع مقرري الأمم المتحدة، وصفوا فيه انتهاكات حقوق الإنسان المُبلغ عنها ضد النساء والفتيات في فلسطين -التي تخضع للحصار والهجمات الإسرائيلية المكثفة- بالمروعة.

اقرأ أيضًا: لن أعود دونهما.. رحلة عبور بين تفاصيل “مشهد برليني” في غزة

كما أجبرت سلطات الاستعمار آلاف النساء والفتيات على النزوح القسري مشيًا على الأقدام مسافات تقدر بـ 22 كيلومترًا وسط كثافة النيران نحو مناطق جنوب غزة، التي ادّعى جيش الاحتلال أنها آمنة، ففرض حيز اللجوء جملة من التحديات الجديدة على النساء، اللواتي لم يجدن أنفسهن في وضع جديد يفتقر إلى ظروف الحياة الآدمية فحسب، بل أيضًا افتقرن إلى آليات الحماية التقليدية لهن.

كما جرى اعتقال عدد كبير من النساء أثناء سيرهنّ في شارع صلاح الدين نحو الجنوب، حيث تعرضن لممارسات وحشية، فجرى توقيفهن على حاجز نتساريم بشكل عشوائي، وإبقائهن في حفرة عميقة لساعات طويلة مع إبقاء السلاح على رقابهن ورؤوسهن، وهذا أكدته طبيبة امتياز استدعاها أحد الجنود بشكل عشوائي خلال مرورها، وبعد معرفته بأنها كانت ضمن الطاقم الطبي المُحاصر في مستشفى النصر للأطفال، احتجزها أمام عائلتها وأبقاها في حفرة عميقة ملوثة جدًا مع تهديدها طوال الوقت بقتلها والتمثيل بجثتها بعد القتل.

وبحسب إحصاءات هيئة شؤون الأسرى فإن دولة الاحتلال اعتقلت منذ بداية الاجتياح البري حتى منتصف نوفمبر ما يقارب 184 معتقلة وفق مركز المعلومات الوطني الفلسطيني، يتواجدن في عدة معتقلات وسجون، منها الدامون وهشارون، وكان بينهن طفلات ورضيعات ونساء مسنات، الأمر الذي اضطر بعضهن إلى ترك أطفالهن في الشارع مع أناس غرباء لا تجمعهن بهم صلة قرابة أو معرفة، وجرى اعتقال جزء آخر من هؤلاء النساء لرفضهن اختطاف أبنائهن من جانب جنود الاحتلال، أو قتلهم.

كما أن بعض النساء اضطررن إلى الافتراق عن عوائلهن أو عن بعض من أبنائهن الذين ظلوا في المناطق المحاصرة أو في مناطق الشمال، مع انقطاع سبل التواصل والاتصال، ولا سيما النساء المطلقات اللواتي يعيش أبناءهن في بيت الزوج السابق.

وفي هذا الإطار تقول ألاء القطراوي، في مناشدة لها عبر فيسبوك في محاولة للاطمئان على أطفالها الثلاثة الذين حوصروا في منطقة خانيونس، عقب اعتقال والدهم: "إن أقسى ما في هذه الحرب، أن تفقد الأم كل أمومتها وهي لا تستطيع حتى أن تعرف أين يوجد أطفالها عدا عن كونها لا تستطيع حمايتهم".

وضع مزري لنساء غزة

وكشف تقرير صدر عن صندوق الأمم المتحدة للسكان، عن تفاقم الحاجة في قطاع غزة إلى المستلزمات الأساسية الصحية للنساء في سن الحيض، والمقدرة أعدادهن بأكثر من 690 ألف امرأة وفتاة، مؤكدًا أن هذه المستلزمات لا تتوفر لهن، بالإضافة إلى عدم كفاية المياه ومستلزمات النظافة والمراحيض.

كما فرضت هذه الأوضاع على النساء تناول أقراص منع الدورة لقطع الدورة الشهرية في ظل عدم توفر الفوط الصحية، وهذا ما أكدته ثلاث شقيقات نزحن إلى منطقة دير البلح ولم يجدن أي من الفوط الصحية خلال فترات دورتهن المتتالية، ما اضطر والدتهن إلى استخدام "خرق" من القماش وغسلها بالماء فقط وما توفر من مواد تنظيف بشكل قليل جداً، وإعادة استخدامها مرة أُخرى لهن جميعاً وفق تقرير لمؤسسة الدراسات الفلسطينية.

وأوضح تقرير الأمم المتحدة أن هناك نقصا كبيرا في مراكز الإيواء العاملة فعليا، حيث إن جمعية تدعى جمعية الثقافة والفكر الحر تدير بالشراكة مع الصندوق، مركز إيواء في منطقة المواصي، على بعد حوالي 10 كلم إلى الشمال من رفح و6 كلم غرب خان يونس، بالإضافة إلى عدد آخر من مراكز الإيواء بين خان يونس ورفح، لكن ثلاثة منها فقط تعمل حاليا.

وتؤوي تلك المراكز وفق التقرير، ما يقدر بنحو 1000 أسرة، وعبر الجمعية قدم الصندوق مساعدة نقدية إلى ما بين 400 و500 امرأة، و2000 مجموعة من المستلزمات الصحية للنساء.

اقرأ أيضًا: 5 آلاف دولار للفرد.. الجارديان: “السماسرة” يتلاعبون بالهاربين من غزة

كما أن الاكتظاظ الشديد الذي فاق القدرة الاستيعابية لكل حيز نزوح، سواء في الشارع أو المدارس أو داخل منازل الأقارب، وضع النساء وسط حالة كبيرة من الضغط في عدة مواضع، مثل بقائها في الحجاب طوال الوقت، أو التقليل قدر المستطاع من مأكلها ومشربها تفاديًا لاستخدام المراحيض والوقوف في صفوف الانتظار أمام أعين الغرباء.

تقول الناشطة الحقوقية هيا أبو ناصر في شهادتها: "لا نملك حتى ثيابًا تقينا من البرد القارس. اعتقدنا أن غيابنا عن بيوتنا سيدوم لفترة قصيرة، ولكنه استمر لأكثر من 43 يومًا حتى اللحظة. والأكياس التي حملناها لكي تكفينا خلال رحلتنا للبحث عن مأوى يجب عليها الآن أن تكفينا لأسابيع طوال عجاف". منشورة ضمن مشروع "أصوات النساء من غزة" لمعهد دراسات المرأة في جامعة بيرزيت، بتاريخ 24 يناير 2024.

كارثة إنسانية للنساء الحوامل

أما النساء الحوامل فإن أرقام الأمم المتحدة تسجل ما يقدر بنحو 50 ألف امرأة حامل في غزة يلدن في ظروف مزرية على نحو متزايد، بما في ذلك 5,500 امرأة من المقرر أن تلد خلال الثلاثين يومًا القادمة، مما يؤدي إلى إجبار أكثر من 183 امرأة يوميًا على الولادة في ظروف غير إنسانية ومهينة وقاسية وخطيرة.

بل عايشت النساء الحوامل ظروفًا قهرية صعبة في أثناء ولادتهن بدون تخدير، وبدون أي رعاية صحية أو تعقيم. في ظل اكتظاظ المستشفيات بالمصابين ونفاد الوقود اللازم لتشغيل المولدات الكهربائية ونقص الأدوية واللوازم الأساسية، ومن بينها اللوازم الخاصة بإدارة حالات الولادة الطارئة.

وكانت عُلا أبو عوالي واحدة من أولئك النساء المحرومات. تقول لـ"بي بي سي": "طفلي يبلغ من العمر أسبوعين. لقد وُلد خلال الحرب، هنا بهذا المكان في المدرسة".

ولدت عُلا ابنًا آخر، وجميعهم يعيشون الآن في مدرسة مكتظة تابعة للأمم المتحدة في رفح.

تقول: "طفلاي يعانيان من المرض، بطونهم منتخفة ويعانيان من إسهال شديد. وفي كل مرة أُرضع طفلي من صدري، يتقيأ. واضطررت إلى أخذ طفلي الآخر إلى المستشفى ثلاث مرات من أجل إعطائه العلاج بالوريد، لكن حالته لم تتحسن".

وتحتمي وفاء يوسف فخري أحمد بالمدرسة نفسها التي لجأت إليها عُلا. تقول وفاء: "أنا حامل وأخاف على حياة جنيني. اقترب موعد ولادتي وأنا قلقة بخصوص البيئة التي أعيش فيها، ومن الإصابة بالأمراض، ليس لدينا مياه لأغراض النظافة الأساسية".

وفاء من سكان بيت حانون، بالقرب من الحدود الشمالية لقطاع غزة، وانتقلت هي الأخرى من مكان لآخر بحثاً عن الأمان.

وتقول: "في البداية، ذهبنا إلى مدرسة في منطقة المعسكر، ثم طُلب منا مغادرة المكان أيضاً، ولذا توجهنا إلى أقصى الجنوب. لقد استخدمنا العربات والحمير في بعض الأوقات، لكن معظم الطريق كان سيراً على الأقدام. لم يكن معنا ماء للشرب، وبالتالي كان الخيار الوحيد أمامنا هو أن نشرب من ماء البحر، لقد جاهد زوجي من أجل الحصول على عبوة ماء واحدة لكي نشرب منها".

وفي منشور على فيسبوك تقول علياء الخالدي من غزة: "رغم مرور 20 يومًا على ولادة طفلي الأول، لم أتمكن من الاستحمام أو الاهتمام بنظافة مولودي الشخصية، طفلي ما زال في الهيئة التي ولد فيها، ولا أجد مكاناً أو ماء لتنظيفه من مخلفات الولادة".

وتقول منظمة الصحة العالمية إنه من المتوقع أن تزداد أعداد الوفيات في صفوف الأمهات عند الولادة، بالنظر إلى غياب إمكانية الحصول على الرعاية الكافية. وتقول المنظمة أيضا إن الحرب لها عواقب مباشرة وقاتلة على النساء الحوامل، مع ارتفاع حالات الإجهاض الناجمة عن الإجهاد والتوتر، وحالات الوفاة للأجنة والولادات المبكرة.

420 طقلًا يقتلون أو يصابون يوميًا

ولا يختلف سوء وتردي الأوضاع في الحديث عن الأطفال، فقد أشارت منظمة الصحة العالمية بأن هناك 420 طفلًا فلسطينيًا يقتلون أو يصابون يوميًا في غزة “أي طفل واحد كل 10 دقائق”.

وأكدت وكالات الأمم المتحدة أن الغذاء والمياه النظيفة أصبحا عملة "نادرة جدا" في القطاع الفلسطيني المحاصر، وأن جميع الأطفال الصغار تقريباً يعانون أمراضا معدية.

وقال تيد شيبان نائب المدير التنفيذي لليونيسيف إن غزة على وشك أن تشهد "انفجاراً في وفيات الأطفال التي يمكن تفاديها، مما من شأنه أن يضاعف مستوى وفيات الأطفال الذي لا يطاق أصلا".

من جهته، قال مايك رايان المكلف بالأوضاع الطارئة في منظمة الصحة العالمية إن "الجوع والمرض مزيج قاتل"، وإن "الأطفال الجائعين والضعفاء والمصابين بصدمات نفسية شديدة هم أكثر عرضة للإصابة بالأمراض".

ووفقا لتقييم الأمم المتحدة، فإن أكثر من 15% من الأطفال دون سن الثانية أو واحداً من كل 6 أطفال يعانون "سوء تغذية حادا" في شمال غزة، وهم محرومون بالكامل تقريباً من المساعدات الإنسانية.

وفي جنوب قطاع غزة يعاني 5% من الأطفال دون سن الثانية تبعات سوء التغذية الحاد، وفقاً للتقييم. وقالت الوكالات الأممية إن "هذا التدهور في الوضع الغذائي" لشعب خلال 3 أشهر هو أمر "غير مسبوق على مستوى العالم".

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة