ختان الإناث، أو "تشويه/ قطع الأعضاء التناسلية الأنثوية"، لايزال يُمارس في أجزاء من إفريقيا والشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا، حيث تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 200 مليون امرأة وفتاة تعرضت لشكل من أشكال الختان.
تاريخيًا، ظهرت ممارسة الختان في مختلف أنحاء العالم ولأسباب متعددة، كما أن لها جذور ثقافية و دينية و اجتماعية، نذكر بعضها في محاولة لفهم التنوع التاريخي والثقافي الذي يحيط بظهور هذه الممارسة، وكيف تأثرت بتغير المعتقدات عبر العصور.
اقرأ أيضًا: حوار وطني بين السُلطة والسُلطة
بدقة, لا يمكن تحديد أصل عملية الختان، فقد ظهر في أماكن وأزمنة مختلفة، وبصفات مختلفة أيضًا. مثلًا في أفريقيا، فإن التقارير الموثقة بحسابات بعض المؤرخين والجغرافيين اليونانيين مثل هيرودوت (425-484 ق.م.) وسترابو (64 ق.م.–23 م.)، توضح أن ختان الإناث كان يحدث في مصر القديمة (مصر الحالية والسودان) على طول وادي النيل بعدة صفات، فقد ذُكر أنه كان يمارس كطقس ديني على الصبية الذين وصلوا إلى مرحلة البلوغ، أو لتطهير الشباب قبل دخولهم الكهنوت، أو تمييز الذكور البالغين من الطبقة النبيلة عن غيرهم كما وضحت أجساد المومياوات المختونة من القرن الخامس قبل الميلاد.
ويقول علماء آخرون أن الختان انتشر عبر طرق تجارة العبيد، التي كانت ممتدة من الساحل الغربي للبحر الأحمر وحتى المناطق الجنوبية والغربية من إفريقيا، وتوغلت من الشرق الأوسط إلى إفريقيا عبر التجار العرب، عندما دخلت نساء الرقيق السود (الإماء) إلى المجتمعات العربية القديمة، بينما يقول آخرين أن عمليات الختان بدأت مع وصول الإسلام إلى بعض مناطق جنوب الصحراء الكبرى في إفريقيا.
ويعتقد بعض الأنثروبولوجيين أن ختان الإناث كان يُمارَس بين رعاة إفريقيا الاستوائية لحماية الفتيات الراعيات الصغيرات من الاغتصاب، أو كجزء من طقوس التضحية البشرية، بينما يرى البعض أن هذه الممارسة تطورت في المجتمعات البدائية التي أرادت فرض سيطرة على سلوك النساء الجنسي.
يتضح جليًا أن هناك صلة بين ختان الإناث وبين والرق والاستعباد أو السيطرة خاصة ذلك الذي كان يمارس في أفريقيا وأجزاء من آسيا، فهناك مجموعة قرب العاصمة الصومالية مقديشو كانت لديها عادة خياطة فروج إناثها خاصة الصغار، لجعلهن غير قادرات على الحمل مما يجعلها تباع بثمن أعلى، سواء لطهارتها أو للثقة الأفضل التي يضعها فيها أسيادها.
أما عن الأمريكتين، فبعض علماء الأنثروبولوجيا ذكروا أن بدايات الختان انتشرت كنوع من اختبار للشجاعة والتحمل بين البولينيزيين والسكان الأصليين وقبائل أمريكا الجنوبية. وفي غرب أوروبا والولايات المتحدة فكان الختان يمارس بصفة طبية، حيث كان يتم استئصال البظر لعلاج أمراض متصورة مثل الهستيريا، والصرع، والاضطرابات العقلية، والاستمناء، والشهوة، والكآبة، خاصة في فترة الخمسينيات من القرن الماضي.
كما تم تنفيذ هذه الممارسة أيضًا على الجواري في روما القديمة، بهدف ردع المتلقيات عن الجماع والحمل، وقام الرومان بتنفيذ تقنية تشمل إدخال حلقات عبر شفرتي الفرج الكبيرة للجواري لمنع حدوث الحمل، فيما قامت طائفة السكوبتسي في روسيا بتنفيذ ختان الإناث لضمان العذرية.
ومن ما سبق يتضح أن هذه الممارسة ماهي إلا نتاج المعتقدات والقيم والتصورات التقليدية في بعض المجتمعات، حيث يعتبر ختان الإناث فعل يمثل مرحلة انتقالية إلى سن النضج النسائي، كما هو الحال في كينيا وسيراليون، بينما يعتبره الآخرون وسيلة للحفاظ على عذرية الفتاة حتى الزواج، كما يحدث في السودان ومصر والصومال. وفي معظم هذه البلدان، يُعتبر ختان الإناث شرطًا أساسيًا للزواج، كأمر ضروري لبقاء المرأة اجتماعيًا واقتصاديًا، فهذه التقاليد الضارة تُرافقها تابوهات تنتقل من جيل إلى جيل، وهنا تظهر أهمية فهم الثقافات والمعتقدات المتعلقة بهذه العملية، وتعزيز الحوار الثقافي لحل هذا الأمر المثير للجدل.
ونظرًا لارتفاع حالات ختان الإناث والحاجة الملحة لإيجاد حلا للقضاء على هذه الممارسة، أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة السادس من فبراير من كل عام يوما عالميا لعدم التسامح تجاه ختان الإناث، ولكن مع استمرار ختان الإناث لعقود وعقود، لا يمكن القضاء على هذه الممارسة في يوم أو سنة، ولذا فإن الأمم المتحدة والمنظمات الأخرى تسعى للقضاء عليها بحلول عام 2030 تماشيًا مع الهدف التنموي المستدام رقم (5)، وهو تحقيق المساواة بين الجنسين وتمكين جميع النساء والفتيات.